بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
تفاصيل ندوة في مجدل شمس
  09/11/2005
 


تفاصيل ندوة في مجدل شمس

كتبه: نبيه عويدات

دعيت إلى ندوة أدبية تحت عنوان "الشعر الجولاني المعاصر"، وكاد صبري ينفذ في انتظار الموعد المحدد على بطاقة الدعوة. وفي اليوم المذكور قصدت المكان المشار إليه في بطاقة الدعوة، مستبقاً الوقت المحدد بخمسة عشرة دقيقة، لكي أحجز لنفسي مكاناً مناسباً في الصفوف الأولية، بالإضافة إلى التزامي المبدأي بالمواعيد.

عندما وصلت كان المشرفون على الندوة لا يزالون يعدون المكان ولم يكن أحد من المدعوين قد وصل بعد، فاعتقدت بادئ الأمر أنني أخطأت الموعد أو المكان، فدنوت من أحد الناشطين أسأله عن الندوة وموعدها فأكد لي معلوماتي، وأن ندوة تحت عنوان "الشعر الجولاني المعاصر" ستعقد في هذا المكان عن الساعة السابعة.

كانت الساعة قد تجاوزت السابعة ببضع دقائق عندما بدأ طلائع المدعوين يتوافدون على المكان، ويتجمعون في حلقات يتحدثون فيها عما شئت من مواضيع عدا موضوع الندوة، فيعلو الكلام من هذه الحلقة تارة ومن تلك تارة أخرى، حتى خيل إلي أنهم لم يأتوا لحضور الندوة بل رأوا فيها فرصة للالتقاء وتجاذب أطراف الحديث.

عند الثامنة إلا ربع سمعت صوت عريف الحفل يطلب من الحضور الهدوء لأن الندوة ستبدأ، لكن أحداً لم يعره الانتباه واستمر الحشد بالكلام. كرر العريف دعوته فاستجاب قسم بينا الآخرون اعتبروا أن  الكلام غير موجه لهم.. وهكذا حتى عيل صبر العريف قبل أن يتمكن من إقناع الحضور بالتزام الصمت والهدوء، لأن الندوة التي تكبدوا عناء القدوم من أجلها ستبدأ.

كان الشاعر الأول قد بدأ بقراءة قصيدته ومطلعها "حبيبتي..." عندما انطلقت أغنية "رجب حوش صحبك عني..."، فنظر الجميع إلى مصدر الصوت.. إنه صوت الهاتف الخليوي لإحدى السيدات، التي لم يشكل الموضوع بالنسبة إليها أي حرج، فردت على الهاتف ببرودة أعصاب طالبة من المتصل التحدث إليها فيما بعد لأنها في ندوة.

حاول الشاعر متابعة قصيدته كابتاً مشاعر الغضب التي انتابته لكن هاتف سيد آخر لم يمهله.. "ألو علي صوتك شوي مش سامعك.. إيه، إيه.. حكيت معو.."، وتوقف الشاعر مرة أخرى وتوقف معه الجميع ينتظرون أن يكمل السيد مكالمته التي بدت على قدر من الأهمية لأنها تناولت إبرام صفقة معينة.

واستمرت أصوات الهواتف بالرنين ضاربة بعرض الحائط مطلب العريف المتكرر بإقفالها، حتى أصبح الشعراء لا يعيرونها اهتمامهم فيتابعون قراءة قصائدهم، بينما الحضور نصفين قسم يستمع إلى الشاعر وقسمهم الآخر إلى تفاصيل مكالمات الجمهور.

طفل إحدى السيدات ضاق ذرعاً لأنه بسنواته الأربع لم تعجبه الندوة، فبدأ بالبكاء طالباً من أمه العودة إلى البيت، أما أمه فتطلب منه الانتظار قليلاً لأن الندوة قد شارفت على الانتهاء. طفلان آخران في الثالثة أو الرابعة من العمر تشاجرا على لعبة كانت بحوزة أحدهما، فهاجم واحدهم الآخر فجرحه في وجهه ليعلو صياح هذا وبكائه متحداً مع صوت شاعرنا وأصوات باقي الأطفال الذين رافقوا أمهاتهم إلى الندوة...

واستمر دفق المدعوين بالتوافد على المكان، فكان كل منهم يقاطع هذا الشاعر أو ذاك: "السلام عليكم".. "مساء الخير".. "عفواً لأني تأخرت".. والخ من العبارات التي ليس لها مكان ولا ضرورة، بل كان الأجدر بصاحبها التزام الصمت والبحث عن مكان يجلس فيه بهدوء دون المقاطعة والإزعاج للشعراء والحضور على السواء. ولا يستحضرني هنا إلا قصة صديقنا الحمصي الذي دخل دار سينما وبدأ بمصافحة جميع الحضور، حتى إذا انتهى من مصافحتهم جميعاً كان الفيلم الذي أتى لمشاهدته قد انتهى...

أما الحضور فحدث ولا حرج، إذ كانوا يخرجون من القاعة ويدخلونها على هواهم، ودونما أية مراعاة للندوة أو للشعراء أو للحضور الذين أتوا بحق لسماع الشعر والاستمتاع به. وما كان يزيد الطين بلة أن مكان الندوة غير صالح لإقامة الندوات، وإنما هو عبارة عن غرفة كبيرة بعض الشيء، وضع فيها عدد من الكراسي البلاستيكية بمواجهة طاولة أعدت للشعراء، وكان المكان الوحيد للدخول أو الخروج من المكان من أمام الشعراء، وكانت كل حركة يقوم بها أحدهم مرفقة بضجيج حركة الكرسي البلاستيكي على الأرض... هذا عدا عن الضجيج الناتج عن الأحاديث الدائرة بين الحضور متجاهلين وجودهم في ندوة...

لا يمكن تشبيه هذه الندوات أو الأمسيات إلا ببازار شرقي.. حالة من الفوضى والضياع.. وكل ينادي على بضاعته، وكل يفاصل الآخر.. فلا علاقة لذلك لا بالأدب ولا بالثقافة ولا بأي شيء آخر غير تلك الفوضى.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات