بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
د. مجيد القضماني ..وجهة نظر حول الواقع الجولاني الراهن!
  19/05/2001

وجهة نظر حول الواقع الجولاني الراهن!

د. مجيد القضماني ، مجدل شمس (19\05\2001)

إذا كانت السياسة الرسمية الإسرائيلية الرامية إلى " أسرلة " السكان العرب الجولانيين ودمجهم بالحياة المدنية الإسرائيلية عبر الوسائل المباشرة ( فرض الجنسية الإسرائيلية، انتخاب المجالس المحلية حسب التشريعات والقوانين الإسرائيلية...الخ ) قد فشلت فشلا ذريعا، فإن فكرة " احتوائنا " بطرق التفافية غير مباشرة ما زالت قائمة وتحظى بمكانة هامة عند أصحاب الشأن والقرار في الدوائر الاسرائيلية. الجديد بالأمر هنا، أن هذه الدوائر الإسرائيلية باتت تدرك خطورة الصدام المباشر والمكشوف مع الأهالي، حيث الصور الرائعة والبطولية للسكان ابان ما بات يُعرف بـ " معركة الجنسية " عام 1982 ما زالت عالقة بالأذهان، وتشير بوضوح إلى أن مجتمع الجولانيين لا يؤخذ بالقوة ولا يكترث لسياسة الترهيب خاصة عندما تُمس مشاعره الوطنية والقومية أو يُعتدى على شرفه وانتماءه...
هنا لا بد من طرح التساؤل التالي :
ما دامت السلطة المحتلة تدرك أن العودة مجددا إلىغناء " موالها القديم " ليس مجديا وأنه سيلقى رفضا جماهيريا، فما هي إذن الأهداف الحقيقية التي تصبو إليها المؤسسة الاسرائيلية عبر محاولاتها - تارة علنية وتارة أخرى بالخفاء - تنفيذ ما فشلت به عام 1982 ( تجنيد حفنة من الشباب بصفوف الشرطة وأجهزة الأمن المدني، الاستمرار بتسويق فكرة الانتخابات للمجالس المحلية ، محاولة الدفع ببعض العملاء للمشاركة بالقوائم الانتخابية للكنست...الخ ) خاصة وأن هذه المشاريع والسياسات لا تملك على أرض الواقع رصيدا اجتماعيا يركن له والسلطة على دراية بهذه الحقيقة.


حسب وجهة نظرنا، أكثرية القادة الإسرائيليين يعترفون " ضمنيا " بفشل مشاريعهم التوسعية وبأن هذه المشاريع وصلت إلى طريق مسدود، وعليه فهم يسلمون بحتمية عودة الجولان لربوع وطنه، مما أفقد بالتالي خططهم السلطوية اتجاهنا بعدها التكتيكي، ولعل السبب الكامن وراء تظاهرهم بعدم المبالاة كثيرا بما يقوم به " هؤلاء الـعشرون ألف نسمة ! " من فعاليات ونشاطات ذات مضامين وطنية وقومية وعدم " تجاوبهم " مع " استفزازاتنا " المتكررة لهم كما كان يحدث في السنوات القليلة الماضية، يعود إلى هذا الأمر تحديدا والى رغبتهم القوية عدم السماح لنا " باستثمار إعلامي جديد " خاصة وأن البعد الإعلامي كان وما زال أحد أهم المحاور الذي تراهن عليه إسرائيل لخدمة مطامعها المعلنة والخفية.
اسرائيل ومنذ انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991 ومشاركة سوريا فيه، باتت تتعامل معنا بصورة مغايرة قوامها الرغبة بالانتقام والاساءة الى سمعتنا العامة، فهي لا تريد التسليم بالهزيمة التي لحقت بها على يد هذه القلة القليلة من السكان العزل الا من سلاح الايمان وعزيمة النضال ، وما محاولاتها استدراجنا مجددا لفراش الخطيئة إلا بهدف الإساءة إلينا إعلاميا فنحن اصبحنا هنا كالشوكة في عنقها غير قادرة على بلعنا وليس بمقدورها تركنا على فيالنا كما يقال...


انطلاقا من هذا، نحن لا نستبعد أن مراكز القرار الإسرائيلي تخطط - بكل جدية - لضربة إعلامية تقوم على فبركة وافتعال عدد من " الفضائح السياسية " أو " الفضائح التجسسية " على شاكلة ما خططت له ونفذته عام 1952 بهدف التآمر على سمعتنا ... حيث تأمل إسرائيل من خلال هذه الضربات الإعلامية المؤلمة في حال حدوثها، التصيد في المياه العكرة وزلزلة أركان " البناء الوطني الجولاني الجميل " الذي بُدء بتشيده مع بدايات الاحتلال على يد مجموعة قليلة من المناضلين الصادقين المفعمين بالمحبة للوطن والإخلاص للعروبة، والذي أخذ بالاتساع سنة بعد سنة حتى وصل ذروته ابان فترة الإضراب المفتوح ومعركة الجنسية وقانون الضم المشؤوم.


إسرائيل تلقت عام 1982 صفعة قوية من الجولانيين . السلطة المحتلة فوجئت حقا بردة الفعل العنيفة آنذاك، إذ كانت تشك بامكانية الاهالي الوقوف ضد مشاريعها، معتقدة بأن نسبة كبيرة من الجولانيين لا تملك المقدرة بل وحتى الرغبة في رفض الجنسية الاسرائيلية، وما المواقف الوطنية للناس إلا بهدف الكسب الإعلامي لا أكثر... هذا الموقف الاستعلائي اتجاه مشاعر السكان، المبني على الغطرسة، ليس غريبا بشيء فهو منطق المحتلين والمستعمرين أينما كانوا، ناهيك عن ان الدولة العبرية تقوم أصلا على نظرة استعلائية فوقية اتجاه الآخر- غير اليهودي، ومشروعها " الدولتي " محكوم منذ بداياته بمنطلقات زائفة ...


التاريخ يؤكد لنا مرة تلو المرة حقيقة أن الدول المحتلة - مهما ادعت وتبجحت -بقدرتها على معرفة " بواطن الأمور " في المجتمعات التي تحتلها، ستبقى بعيدة جدا عن امتلاك ناصية الحقيقة، لأنها أصلا غريبة ودخيلة على هذا المجتمع ولن تستطيع استيعابه وسبر أغواره . المستعمرون- كما يبدو - غير مؤهلين للاستفادة من التاريخ ودروسه، ومن هنا تأتي قناعتنا بأنهم - مهما بدو للوهلة الأولى أقوياء - إلا أنهم في حقيقة الأمر وفي المنظور التاريخي، ضعفاء مصيرهم الاندثار، وما ادعاءاتهم الرنانة بمعرفتهم " الدقيقة " لما يجري على أرض الواقع وبأنهم يمسكون بخيوط اللعبة بإحكام، إلا مكابرة وإدعاء فارغ.... وخير دليل على هذا، الأخطاء ذاتها التي يقع بها كل احتلال...


من جهة أخرى، الإيمان بمصداقيتنا التاريخية وبتفوقنا الأخلاقي وبحتمية زوال الاحتلال، لا يعفينا - نحن السكان العرب في الجولان المحتل- من ضرورة الوقوف للدفاع عن أنفسنا ليس فقط من منطلق الواجب الوطني - مع ما لهذا الأمر من أهمية - وإنما لأن التاريخ ذاته الذي يقول بحتمية انتهاء الظلم والقهر، يقول أيضا بضرورة أن تقوم الشعوب المحتلة والمضطهدة بدورها وأن تقدم ما بمقدورها دون كلل أو تعب،حتى يتم النصر المنشود ويطرد الغاصب .


هنا يفترض أن تقوم الشريحة الاجتماعية التي تعتبر نفسها أكثر وعيا وتفهما وقدرة على التضحية من الآخرين، بتحمل مسؤولية قيادة النشاطات الجماهيرية وتوجيهها، وهذا لا يعني احتكارها للعمل، وإنما يعني استعدادها النفسي لدفع " الضريبة " أكثر من غيرها، ويعني بنفس الوقت، قدراتها على تفعيل الجماهير وتوحيد صفوفهم بهدف المحافظة على الثوابت الوطنية...و نحن في الجولان، للأسف الشديد، نفتقر حاليا لهذه الشريحة المنسجمة مع نفسها والمؤهلة لتقوم بدورها على أحسن وجه، حسبي إلا بالقضايا العامة التي بمعظمها تأتي كردة فعل على قرارات سلطوية فجة...!! الخوض بمسببات هذا " الوضع المتراخي! " و " الفقر القيادي !" يحتاج إلى نقاش هادئ فهو موضوع متشعب، ولكن لا ضير من التذكير هنا بان تجربة الرعيل الأول من المناضلين الجولانيين غنية وقد تفيدنا إذا رغبنا حقا تجاوز هذه العثرات والانطلاق للأمام.
نحن بحاجة ماسة إلى انطلاقة جديدة للامام وعدم التوقف طويلا أمام " اشكاليات الماضي وخلافاته " ...هذا الماضي المؤلم الذي استنزفنا بما يكفي. نحن بحاجة ايها الاخوة والاخوات لتحديث نضالنا السياسي، لتحديث أدواته، ليتحول إلى مهمات يومية وليس موسمية كما هو الحال عليه الآن. وهذا الأمر يتطلب من الجميع التركيز على المستقبل وعدم " المترسة " والعودة إلى قضايا كنا قد اتخذنا بصددها قرارات سابقة، بل الانطلاق لتنفيذ مهمات مشتركة جديدة علنا نصل إلى ما هو أشبه بـ " فريق العمل النضالي الجولاني " الذي من المفترض أن يكون بمثابة " العقل الجماعي" للمنطقة إلى حين عودة الجولان إلى احضان الوطن الغالي.
نحن بحاجة الى " حوار جولاني " جاد وصريح، بحاجة لنتجادل بموضوعية وثقة بالنفس وشفافية... فالحوار الجاد والمسؤول يشحذ الهمم ويُنشط العقل ويوسع المدارك.. وحوارنا ليس حوارا فلسفيا مجردا مغيبا عن زمانه ومكانه ... فهو حوار وطني، حوار بين الوطنيين ولمصلحة العمل الوطني، يقوم على ترتيب سلسلة لقاءات بشكل دوري حسب برنامج مُعد سلفا ومتفق حوله لنتدارس من خلاله " الزوايا المظلمة " من حياتنا اليومية، ونخلُص بتقديرات صحيحة عن ما يُحيط بنا من امور...


ربما هناك ايضا حاجة ملحة لفحص الأداء السياسي الحالي، فحص إذا كان العاملون في السياسة يركزون على الثانوي على حساب أمور أساسية يتم غالبا تناسيها أو تغيبها بصورة غير مقصودة كما نأمل...!
بكلمات أخرى، هل نظل نراوح مكاننا في رقي مظهري وشكلي ليس إلا، أم سنحاول أن نرفع من هامة إنساننا فكريا واجتماعيا وثقافيا ليصبح هذا الإنسان قادرا على معارضة كل ظلم وإهانة بروح نضالية أقوى وأنجع. هل بوسعنا التخلص من إطلاق الشعارات الكبيره، لننطلق نحو أهدافنا فعلا بدل أن ندخل أنفسنا في إحباط الإدراك بأن بعض الشعارات هي للاستهلاك الرخيص وغير قابلة للتنفيذ.
أخيرا، لا بد من التطرق لموضوع كثر حوله الحديث في الماضي غير البعيد، يتعلق بالتعددية السياسية والحريات الفكرية والنقاشات الدائرة في مجتمعنا حول هذا الموضوع والتي تبدو غالبا مشحونة بالتوتر ، لنضم رأينا إلى جانب القائلين بضرورة الإقرار بحق الجميع بالتمايز والاختلاف... إن نظرة واقعية ومنفتحة على تجارب الغير تساعدنا على أن نتفهم واقعنا اكثر، ويكفي إن ننظر من حولنا لنرى بأن أي تجمع بشري مهما قل تعداده، ومهما كانت ظروفه احتوى على العديد من الآراء والرؤى المختلفة ابتداء من زراعة الحقل أو إقامة الفرح أو تعين السايس أو الناطور... فما بالكم عندما يجري الحديث عن توجهات فكرية وقناعات سياسية ! فمن المستحيل أن نكون متماثلين على صورة واحدة، بل أنه من الغلط والخطير أن نكون نسخة واحدة، فالتنوع هو أساس الكون والحياة وضمانة تطورها فلولا الاختلاف في الطبيعة لكانت فُنيت منذ أمد ولولا التنوع البشري لضعفت مناعته واندثر ولولا التنوع الفكري لفقدت الحياة لذتها ومتعتها وانعدم الاجتهاد وهو الدافع للتقدم وقوام التطور...
الوحدة بدون اختلافات ليست بوحدة أصيلة وهي بالضرورة قسرية وزائلة، ومن جهة أخرى التنوع والاختلاف خارج إطار عام موحد هو أيضا طريق سهل للزوال والاندثار وطريق للتحارب والصراع... فلنعمل ايها الاخوة والاخوات على خلق وحدتنا التي لا بديل لنا عنها فهي مثل الثوب الذي تشعر بقيمته عندما يصيبك البرد وتهمله أيام الدفء ولأيام الدفء ما زال أمامنا الكثير الكثير، ولكي تكون وحدتنا قوية وقابلة للاستمرار، يجب السماح بالاختلاف والتنوع.



د. مجيد احمد القضماني
مجدل شمس/ الجولان المحتل

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات