بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
نبيه عويدات ..بعد النفايات النوويّة، هل نحن جديرون بهذه الأرض؟
  03/12/2001

 

بعد النفايات النوويّة، هل نحن جديرون بهذه الأرض؟

بقلم نبيه عويدات - مجدل شمس


كنت دائماً أعلّل نفسي بالقول: تكفينا نحن سكان مجدل شمس هذه البيئة النظيفة التي نعيش فيها. صحيح أن مشاكلنا ومصائبنا لا تعد ولا تحصى، ولكننا لا نزال نتنفس هواءً نقيّاً ونشرب مياه نظيفة، وهذا أمر نُحسَد عليه في هذا العالم الذي لوّثه الإنسان مع سبق الإصرار. كنت أقف متأمّلاً، بيني وبين نفسي، في حظّنا نحن سكان هذه المنطقة الفريدة، التي تقع على ارتفاع يزيد عن 1300 متر فوق سطح البحر، وتزورها الفصول الأربعة بشكل دوري، كلّ فصل ينقلك إلى عالمه الخاص، فمن برد الشتاء وثلجه إلى خضرة الربيع ثم دفء الصيف واعتدال الخريف، وهذا مناخ خاص لاينعم فيه إلا المحظوظين على هذه الكرة الأرضية.

تقول القصص الشعبيّة التي تناقلتها الأجيال، أنّه قبل ثلاثة أو أربعة أجيال كانت الأشجار تغطّي جبل الشيخ وبلدة مجدل شمس، قبل أن يقطعها الأتراك ليجعلوها وقوداً لقطاراتهم التي سبت رجال هذه المنطقة في "السفر برلك". وتروي الحكايات أيضاً أن المنطقة كانت تعج بالحيوانات البرية، من الدب السوري الشهير إلى الذئاب والضباع والغزلان. وقد حاك السكان عنها قصصاً أشبه بالخرافات، كانت تُحَدّث حول المواقد في ليالي الشتاء الطويلة وعلى البيادر في ليالي الحصيد البهيجة. قصص عن العجوز نوفرة التي شقّت الضبع نصفين حين دخل بيتها ذات ليلة مثلجة، وهي نائمة بجانب أطفالها، فاستبسلت في الدفاع عنهم، وعن ضبع البويب الذي أرعب أهل القرية وافترس العديد منهم، إلى أن خرج ذلك الرجل الشجاع ذات ليلة، بعد أن تحدّاه رفاقه المتحلّقين حول الموقد في ليلة شتاء قارس، ليعود راكباً الضبع ويجوب عليه أزقّة القرية فيجمع أهلها في الساحة الرئيسية، وعلى أصوات الأهازيج وزغاريد النساء يقتل الضبع الشرّير ليخلّصهم منه.

وذهب الأتراك وأخذوا معهم الأشجار والبيئة البرية الطبيعية، ليصبح هذا الجبل أجرداً إلا من صخوره ومياهه وأهله المتجذّرين فيه. ثم جاءنا محتلّ جديد أشد مكراً وأكثر خبثاً من الذين سبقوه، فسرق المياه وحرق الأرض قرب البلدة وعلى الجبل، كي لا تنبت شجراً ولا ورداً ولا حتى شوكاً، فتبقى جرداء لتسهل عليه مراقبتها بصفتها منطقة حدودية.

وكنت أقول بيني وبين نفسي غداً يذهب المحتل فنزرعها غابة كثيفة، وتمطر السماء فتنبت الأرض الشجر والورد وتعود كما كانت. ولم يكن يخطر ببالي قطّ أن هناك أضرار قد تحدث للبيئة لا يمكن تصحيحها أبداً! فها هي المياه الجوفية قد تلوّثت بعد أن تسربت مياه المجاري إلى أعماق الأرض، فأصيب العشرات من سكان البلدة الذين شربوا منها بالتسمّم، حتى لم يعد أحد يجرأ على الشرب من مياه رأس النبع ولا عين القصب ولا عين الضيعة.

ومع هذا كنت لا أزال أعتقد أن هناك مجال للتصحيح. فغداً يزول الاحتلال فنبني مشروعاً لتجميع مياه المجاري الذي منع الاحتلال تنفيذه، فنوقف بذلك تلوث المياه الجوفية. لكنه لم يخطر ببالي أبداً أن هذا المحتل يضمر لنا هذا القدر من الشر! لم يكن يخطر ببالي أبداً أن تصبح هذه البقعة الجميلة من الأرض مقبرة للنفايات النووية الإسرائيلية! فهذا أمر لا يخطر ببال عاقل: أن تقلب قطعة من الجنة إلى مكبٍّ للنفايات النووية- أي عقول لهذه البشر؟!

لقد أطلق الفينيقيون على هذا الجبل إسم إلههم البعل حرمون، وذلك لجماله وعذوبة مائه ونقاء هوائه، فعبدوه وأقاموا عليه هيكلاً لا يزال قائماً حتى الآن، ويطلق عليه حالياً اسم قصر شبيب- نسبة إلى أحد ملوك تبّع اليماني الشهير من قصة الزير سالم، والتي دارت أحداثها في هذه المنطقة، فكان الملك شبيب يأتي من اليمن ليصطاف فيه. وكان الفينيقيون، قبل آلاف السنين، يحجّون إليه أواخر كل صيفٍ لتقديم القرابين، فيسكبون جرار الماء التي جلبوها من البحر على أرض المعبد، مستجلبين رضا الإله حرمون ليزودهم بالمياه العذبة حتى قدوم الشتاء.

كل الدلائل تشير إلى ان هذه الأرض كانت يوماً أشبه بالجنة، ولم نستطع نحن أبناؤها حمايتها من الأعداء. فها هم الأتراك قطعوا شجرها وقضوا على بيئتها البرية، ثم جاء المحتل الإسرائيلي فحرقها وسرق مياهها ولوّثها بالنفايات النوويّة. ولست أدري الآن هل لا زلنا محظوظين بالعيش على هذه البقعة من الأرض؟ وإذا تلوثت مياهها وتربتها وتلوّث هواؤها، فهل سيكفي وحده حبنا لها لإبقائنا هنا؟ وهل كنّا نحن جديرون بها؟! وهل كانت هي محظوظة بهكذا أبناء؟!
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات