بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
ايمن ابو جبل ...معتقل نفحة بين الحلم والحلم المقتول.
  24/08/2007

معتقل نفحة بين الحلم والحلم المقتول..

( رسالة الى  الرفيق سيطان نمر الولي )

موقع الجولان/ ايمن ابو جبل


لربما تستحضرك الذكريات في حاضر أحمق يفتك بأحلام وأمال كانت لك يوما، أنشودة نتلوها بعد الساعة العاشرة موعد إطفاء الأضواء في غرفتنا الصحراوية، في تصرف طفولي لاغاضة السجان.. ولربما يؤججك الحنين إلى اسم المكان وبقايا الزمان الذي يعود إلى عشرين عاما مضت حين كنت تتقدم بخطى متثاقلة تحمل بيديك المكبلة بالأصفاد "سرتك" وبقايا ملابسك التي فاحت منها بودرة الغاز المسيل للدموع، وعصا السجان تنهال فوق راسك غير أبهة ببقايا جسدك المثخن بجراح الليلة الماضية في غرفة الزيارة حين تسابقت تلك الوحوش الادمية في تجريد الانسان فينا من صورته الآدمية بالضرب والتنكيل .
لربما تستحضرك الذكريات يا رفيقي لمؤتمرنا التأسيسي الأول" لحركة المقاومة السرية" مؤتمر الشهيدة غالية فرحات، وتستحضر في وحدتك وغربتك القسرية وجوه رفاقا لك،مضوا في دولاب ذاك الزمن المنسي تحت رمال الصحراء التي قحلت شأنها شأن صحرائنا العربية في كل زاوية ومكان، وتستحضرك قصيدة رفيقنا محمود الغرباوي بجدلية أضداد مخيم البريج في غزة، حين استقدم إلى صحرائنا البعيدة ودون أي استئذان منا،خبز صاج ام فارس ووجاق أم ناصر ودفء دعاء أم فخري في برودة كانون الصحراوي.. ولربما تستحضرك دموع سمير القنطار وأحزان جبر وشاح حين غصت القصيدة بالأمنيات والأحلام التي حلقت فوق سماء بيروت والجولان وغزة هاشم على امل ان تبقى واقعا لا خيال.
ها نحن اليوم هنا، وأنت، ورفاق لنا ما زلتم هناك في غرفتنا القديمة المنسية تحت وطأة الواقع المجبول بدماء رفاقنا هايل وحسين وعمر، تجمع وحيدا في عالم الصحراء ما تبقى من أصداء تلك الأيام، وتلملم بقايا الذكريات المختبئة في زاويا المعتقل بهمس وحسرة وأمل وألم مكبوت ومخنوق بين ثنايا صدرك الذي ما عاد يتسع إلى سكينة الانتظار والانتظار الطويل..
بين نفحة والجولان يا رفيقي يمر شريط طويل من الذكريات التي ما زالت تتقد في الذاكرة، ذكريات اشبعتها الصحراء الفلسطينية صلابة وقسوة وعنفوان مجبول بصوان هذه الصخور الجولانية التي عهدتها يوما الصحراء فينا كما عهدتها رطوبة الزنازين في الساحل الفلسطيني من حيفا إلى عسقلان. ما زال هناك متسعا من الذكريات يا رفيقي، كي أستحضرك اليوم هنا فوق هذا الثرى الذي أحببت وعشقت وكبرت، ومن اجله مضيت في رحلة الالام الطويلة، استحضر انفعالك حين أبلغك رفيقنا المشاكس صدقي بأنني تعرفت على مجموعة سرية من خلايا العمل الوطني وانضممت إليهم سعيا لتجنيد آخرين في عملنا السري هناك في عمق الجبال وأقاصي السهول وبين أنقاض البيوت المدمرة، وفي داخل المستعمرات. وبعد أن التقينا واجتمعنا واتفقنا وأعلنا ولادة حركة المقاومة كنت تقسو علينا وعلى ذاتك بهذا الانفعال والعصبية التي لم نجد مبررا لها سوى هناك، حين كانت سياطهم تخترق أجسادنا التي لم يكتمل نموها بعد، ونحن في قبضة الجلادين في عكا والجلمة، لم ندرك أن عملنا يجب أن يكون جماعيا متكاملا حادا كحد السيف كما كنت تقول، وبعيدا عن فوضوية الأطفال فينا، رغم اننا قد امتلكنا ذاك الشعور الطفولي بقوة ذاتنا وأهمية عملنا، حين اقتحمنا مواقع الجيش الأمنية. اذكر حين قلت ونحن نقتلع ألغام الموت من تل الريحان" لقد كبرنا قبل الأوان أيها الرفاق، اختيارنا إننا لسنا عاديين كسوانا، نحن اخترنا السير على الأشواك لأزالتها من داخلنا ومن محيطنا.
عشرة أعوام مضت منذ لقاءنا الأخير، حين خرجت الى عالم الحرية التي حلمنا بها طويلا فوق هذا الثرى الذي عشقناه فرحا وحزنا وألما. أقول لك ليست وحدها نفحة التي تغيرت، وليس وجوه مئات نزلائها الحاضرين الغائبين في وعينا وإدراكنا تغيرت، وإنما نحن تغيرنا، كما انتم هناك تغيرتم ، كما جولاننا تغير بخلاف جولانكم الذي لم يتغير فيكم، حيث بقي دافئا في أذهانكم وبقى معه الوطن كاملا كبيرا حبيبا جميلا في صدوركم. ووحدها الذكريات بقيت في ذاكراتنا ،لم تتغير .لا شركاء لنا في ماض بعيد ، ولا شركاء لنا في حاضر سوى تقيحات هذا الحلم الغائب المكسور المقتول بين ثنايا صدوركم وصدورنا، الذي ما عاد قادرا على احتمال هذا الحاضر المحتضر.
ثلاثة وعشرين عاما بقي جولانكم كما تعهدونه في أذهانكم انتم فقط، إلا أن جولاننا نحن فهو مختلف تماما، نعيش في "بحبوحة" المعنويات وهموم لقمة العيش الحر الكريم، ما عاد الجولان طفلا بريئا تتلاعب فيه عواطف الشعارات والخطابات الجياشة وأحلام التحرير القادم، وما عادت الساحات ساحات موقف ومواجهة سوى مع ذواتنا التي غزتها من جديد قيم القبيلة والعنترية وشرف العائلية، وما عادت الأغنيات ولا القصائد تصدح سوى بين الجدران المغلقة، ما عاد شئ يشبهكم سوى ذكرياتكم وبقايا ذكريات ما زالت تلوح في الأفق البعيد كلما شاركنا أنفسنا الإحزان والبكاء على الأطلال، لم يعد هناك متسع من الوقت، حتى للتفكير سوى بكيفية تأمين مستلزمات بيوتنا اليومية وكسب لقمة خبز كريمة ولعبة صغيرة لابناءنا خوفا من جوع وحاجة قد تعترضنا قريبا، بعد عجزنا المستمر عن تسديد فاتورة الهاتف وفاتورة المياه والكهرباء والبنزين وضريبة الأملاك واقساط المدرسة،والقروض البنكية والمديونية وعشرات الشيكات المؤجلة التي تنتظر بيأس رصيدا لها في البنوك الإسرائيلية قبل التعرض للاعتقال والمحاكمة الجنائية. حتى تطلعاتنا بالعيش الحر الكريم يا رفيقي غدت عبئا علينا وعلى محيطنا الاجتماعي الأضيق ،فلم نعد كما عهدنا أنفسنا بان نكون، انهكتنا تناقضاتنا وأنهكتنا خلافاتنا وأنانيتنا وأنهكتنا أحلامنا الوردية والثورية التي تتكسر على عتبة منازلنا . جولاننا ما زال فينا يا رفيقي الا اننا غدونا غارقين في حالة من الحنين الى المكان والزمان لربما تكون محاولة لشفاء جروحنا او محاولة استشفاء قسرية هي مجرد هروبا من حاضر يحاصر أحلامنا اليومية.

اقرأ أيضا.. انا من الجولان

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات