بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
نبيه عويدات ..رحيل المحطة
  04/02/2001
 


رحيل المحطة

بقلم نبيه عويدات - مجدل شمس (02\04\2001)

إنه لأمر ممتع أن تقرأ رواية لشخص تعرفه، فإنك تعيش أحداث القصة وكأنك تعيش قصة حقيقية حدثت لك- فأنت تعرف أشخاصها وأحداثها وأماكنها. ويزداد الأمر خصوصية إذا عالجت الرواية موضوعاً حساساً يمثل حقبة تاريخية، بآلامها وآمالها، من حياة شعبك، وطنك، منطقتك، بلدتك... وهذا ما حدث لي، عندما قرأت رواية "رحيل المحطة" للشاعر والكاتب معتز أبو صالح، ابن بلدتي مجدل شمس، والتي صدرت عن دار الشروق في عمان عام 2000.

لقد وردت في الصفحات الأولى من الرواية هذه الأسطر:

"الوطن ليس مجرد فكرة. الوطن أن يكون في ترابه جزء منك..
الوطن أن تعرف صباحه ومساءه أباً عن جد..
الوطن أن يعيش فيك قبل أن تعيش فيه..."


ولعلها تلخّص الفكرة المنشودة من وراء هذا العمل، أو ربما تلخص مرحلة من حياة الكاتب وحياتنا جميعاً نحن في الجولان.

أنا لست ناقداً أدبياً وليس بمقدوري نقد هذه الرواية، ولكني أحاول ترجمة مشاعري، التي راودتني خلال قراءتي لها وبعدها. فهذه الرواية توثيق لجانب مهم من حياتنا في الجولان، تلخيص لمعاناة شعب وقع تحت الاحتلال وعاش أهوال الحروب والدمار، وجرت عليه المآسي التي فرّقت الأهل: فمنهم من دفن حياً تحت أنقاض بيته، ومنهم من قطعتهم الحدود نصفين، وآخرون، وبكل بساطة، فقد بعضهم آثار بعض. فالأحداث والأشخاص أقرب ما تكون إلى الحقيقة، وكأنه تنقصها الأسماء الحقيقية فقط. ولشدة قرابتها من الواقع كنت أندمج مع أحداث الرواية وأركّب صوراً حقيقية لأشخاصها، حتى أن عينيّ اغرورقت بالدمع أكثر من مرّة.

أكثر ما أعجبني في الرواية، بعد واقعيتها وقرابتها مني، هو لغتها العربية السلسة والعصرية الخالية من أي تعقيد، والتي توصل الفكرة إلى القارئ مباشرة، مع العلم بأن "رحيل المحطة" هي باكورة أعمال الكاتب الروائية، وهذا ما يبشر بالخير. ولكن شعور راودني، أثناء قراءتي لها، أن أحداثها ينقصها التفصيل، وأن الكاتب، خاصة في نصفها الثاني، قد استعجل الأمور واختصر الأحداث. ربما لأنني أرى الموضوع الذي تتناوله الرواية كبيراً جداً، وأعرف عشرات القصص الأليمة من جهة والبطولية من جهة أخرى، التي كان لها مكان فيها. كقصة أم غسان، تلك الزوجة، التي فاجأتها الحرب وزوجها ضابط في الجيش. وعندما دخل الغزاة مجدل شمس، لم تكن تدري ما هو مصير زوجها- لا أدري لماذا تنتصب هذه القصة أمام عيني كلما تكلمت عن تلك الحرب المشؤومة؟ ربما لأنها من الأشياء القليلة التي شاهدتها بعيني أثناء الحرب، إذ كنت عندها في الخامسة من عمري. ويمكن حتى أنني لم أشاهدها، وإنما رواية أمي المتكررة لها بشكل درامي، عن جارتها الرائعة أم غسان، جعلتني أعتقد أنني رأيتها فعلا! فعندما دخلت قافلة الدبابات الإسرائيلية البلدة خلت الطرقات من الأهالي، وتجمعوا كلهم على سطوح المنازل- وأغلبهم نساء رجالهم جنود في الجبهة، تلك الجبهة التي لم يعد أحد يعلم أين هي، أو هل لا زالت قائمة أصلاً! وكانت الأخبار عن بطش المحتلين ووحشيتهم قد وصلت القرية، والشائعات صارت تنبت في كل مكان، وعلى الأغلب أن مصدرها كان المحتل ليرهب الناس ويجبرهم على ترك بيوتهم والهرب... ووقفت أم غسان، مع ابنها غسان الذي لم يبلغ الرابعة من العمر، على سطح الجيران تنظر وتبكي. وبكى غسان على بكائها. ولشدة ما كان بكاؤهما مريراً رأى ذلك أحد الجنود الإسرائيليين، وكانت لا تزال فيه ذرة من الإنسانية، فتقدم من غسان ورمى له كيساً فيه سكاكر، وأمسك غسان الكيس وكف عن البكاء. وأم غسان تفكر: هل ما زال أبو غسان حياً أم استشهد؟ فهي تعرف أبا غسان جيداً- لن يتراجع وأرضه تًحتَل، حتى ولو أُمِرَ بذلك. وهي غارقة في هذا التفكير رأت الجندي يرمي الكيس لابنها، ولم تصدق ما رأته عيناها: تقتلون الآباء وتحتلون الأرض ثم ترمون لأبنائنا السكاكر.. أبناء الـ... وتحولت أم غسان إلى جندي في المعركة.. وأطلقت صرخة اقشعرت لها الأبدان- هؤلاء قتلوا أباك، لا تلمس السكاكر، لا بد أنها مسمومة. واختطفت الكيس من غسان، وتحولت السكاكر إلى قذائف، وتحولت أم غسان لمدفع، وراحت تقصف الجنود... وعندما عادت أم غسان إلى بيتها، قالت لابنها: إنها بضعة أيام ويعود أبوك وجنوده ليحرروا البلدة، فلا تجزع يا بني...

وبعد عدة أيام عاد أبو غسان تحت جنح الظلام، ولكن وحيداً، في عملية أشبه ما تكون فدائية، لا ليحرر البلدة بل ليأخذ غسان وأم غسان معه. وقال أبو غسان لجيرانه، الذين أتوا لتوديعهم: انتظرونا، إن التحرير قريب... ولا زال الجيران ينتظرون... منذ أكثر من ست وثلاثين سنة، منهم من قضى نحبه فلن يروا التحرير أبداً، وآخرون لا زالوا ينتظرون...

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات