بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
ما يقتضيه الواجب الوطني أن تفعله المعارضة اليوم قبل الغد
  25/12/2007

حول الديمقراطية بشكل عام وفي وطننا الحبيب سورية وما يقتضيه الواجب الوطني أن تفعله المعارضة اليوم قبل الغد..

 بقلم:أحمد علي القضماني

إن مفهوم الديمقراطية من المفاهيم الصعبة ذلك لأنه يرتبط بالمعايير الاجتماعية وبالقيم الانسانية السائدة في المجتمع وبطبيعة نظم ووسائل الانتاج بالاضافة لهوية السلطة الحاكمة، أعني الهوية الطبقية.
فقد مرت المجتمعات البشرية عبر تاريخها الطويل بمراحل اجتماعية متمايزة في نظمها الاقتصادية والسياسية وبقيمها الأخلاقية، وبات معلوماً أن القيم والمعايير الاجتماعية التي سادت المجتمعات الاقطاعية تختلف عن تلك التي توجد في المجتمعات الرأسمالية التي تلتها، والمجتمعات السابقة لها أي مجتمعات الصيد والرعي. ففي كل هذه المجتمعات تحددت معاني للمفهوم الديمقراطي مختلف بعضه عن البعض الآخر، فذاك الذي عند الرأسمالي غيره عند العامل والفلاح والموظف البسيط. لذلك بإمكاننا الجزم بأنه توجد أشكال ديمقراطية وديمقراطية الرأسماليين، وديمقراطية العمال والفلاحين وصغار الموظفين.
لهذا نجد الاقطاعي ضد الديمقراطية التي تخدم مصلحة الفلاحين والعمال، وكذلك الرأسماليين الممسكين بالسلطة ونظام الحكم. مع العلم أن الاقطاعيين والرأسماليين في كل الشعوب هم أقلية وليسوا اكثرية الشعب، مع أن الديمقراطية الحقيقية الصادقة تهدف الى المساواة في كل مستلزمات الحياة بين جميع مواطني الدولة، وهي بالأساس النظام الذي يجب أن يكفل تأمين المساواة مهما بلغ ثمن ذلك بدون تمييز بين المواطنين، وأن يسعى بشكل مثابر وصادق لتذويب الفوارق الطبقية وتأمين الحرية الشخصية التي لا تفيد الأعداء بحالٍ من الأحوال وتصب في مصلحة المجتمع.
هذا ولا زالت الديمقراطية في زمننا الحالي المعمول بها في الدول الرأسمالية تخدم فقط أو بالدرجة الأولى مصالح طبقة الأغنياء، أي أصحاب البنوك والمصانع والشركات التجارية الكبرى وما شابه من ملاكي أراضٍ مساحتها آلاف الدونمات، فجهاز الحكم يكون عادة في قبضتهم، وأكثرية النواب الذين يسنون القوانين والتشريعات غالبيتهم منهم أيضاً أو من أتباعهم الذين يبذلون جهدهم لاستمرار جهاز الحكم والسلطة في الأيدي المخلصة لمصالحهم الرأسمالية والاقطاعية وما شابه من مصالح.
من هنا وُجدت الحاجة الملحة لوجود أحزاب عقائدية تتبنّى بالدرجة الأولى مصالح المواطنين غير المالكين للثروات، أي العمال والفلاحين والجنود والموظفين الصغار. وهذه المجموعة البشرية هي في كل العصور الماضية وفي كل الأوطان تشكل الأكثرية الساحقة في كل الشعوب. ورغم وجود مصلحين وفلاسفة كبار وأصحاب أفكار نيرة وايجابية في كل الشعوب منذ قديم الزمان، طالبوا الحكام في بلادهم باصلاح الاحوال المعيشية لأبناء الطبقات الشعبية الميسورة وتحقيق العدالة الاجتماعية بانصافهم واعطائهم حقوقهم الكاملة، فإن جهودهم تذهب هباء بسبب بقاء السلطة الحاكمة بأيدي ملاكي الأراضي الكبار وأصحاب الرأسمال الكبير.
لذلك أصبح الاهتمام بالمسألة الديمقراطية يتزايد ويرتقي، وباتت تتصاعد موجات التوجه الديمقراطي في البلدان التي تحررت قبل غيرها من الاستعمار الأجنبي. ومنها بلادنا العربية، وأصبح الاهتمام بالمسألة الديمقراطية له أسبابه الموضوعية المتعددة والملحة. والديمقراطية تؤخذ بالنضال السياسي الواعي والعلماني ولا تعطى. وحين تؤخذ تكون في الغالب ديمقراطية صحيحة أكثر بكثير من التي تمنح من المتسيدين، وقد يكون ثمن تحقيق الديمقراطية كبيراً، لكنه مهما بلغ فهو يهون من أجلها. والتاريخ يبرهن على صحة ذلك. حيث حصلت في الأزمنة قديمها وحديثها ثورات شعبية وانتفاضات ونضالات سياسية عديدة وهامة من أجل الوصول الى أنظمة حكم وفية ومخلصة لمصلحة الجماهير الشعبية الكادحة. وفي زمننا المعاصر تألفت أحزاب كثيرة لنفس الغاية والسبب، وساعد على ذلك انتشار العلم والتراكمات الفكرية والثقافية. وبفضل ذلك برزت للوجود عقائد سياسية ذات هويات طبقية، وتألفت أحزاب عديدة على هذا الأساس في بلدان العالم أجمع، وظهرت للوجود أحزاب اشتراكية مناضلة من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية الحقة، والتحرر من التبعية للحكومات الأجنبية الامبريالية، ومن أجل الخلاص من الحكام الاتباع للأجانب، وعُرفت هذه الأحزاب بالأحزاب اليسارية، وبرزت بينها أحزاب شيوعية استطاع من قدمها أي الحزب الشيوعي في روسيا استلام السلطة والوصول للحكم في اكتوبر عام 1917. وبعدئذ جرى مثل ذلك في العديد من دول أوروبا الشرقية. ثم في الصين، وفي كوريا الشمالية، وفي فيتنام، وفي كوبا القريبة من الولايات المتحدة الامريكية زعيمة الدول الامبريالية حالياً. ورغم انهيار النظام الشيوعي السوفياتي في أوائل العقد الأخير من القرن الماضي. (يطيب لي ويسرني تقديم التحية مع بالغ الاحترام لثورة اكتوبر الاشتراكية هذه بمناسبة عيدها السنوي الـ 90 التي قامت في روسيا عام 1917 وحررت الاكثرية الساحقة من الشعب الروسي من حكم الاقطاعيين والرأسماليين والقياصرة المستبدين، وشكلت طوال سنوات عمرها سنداً قوياً لنضالات الشعوب الوطنية التحريرية ضد دول الاستعمار والأنظمة الفاسدة في العالم).
وفي بلادنا العربية تألفت أحزاب اشتراكية وشيوعية وصل منها للحكم حزب البعث العربي الاشتراكي في كل من سورية والعراق. وفي مصر تألف حزب الاتحاد العربي الاشتراكي في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس المرحوم جمال عبد الناصر. وفي اليمن الجنوبي قبل الوحدة مع اليمن الشمالي كان الحاكم لها الحزب الاشتراكي اليمني. وفي وطننا الحبيب سورية تألفت الجبهة الوطنية التقدمية عام 1972 وتضم الآن عشرة أحزاب سورية ذات برامج تقدمية وجميعها ممانعة للتذيل وللتبعية للدول الامبريالية، وتتبنى حقوق ومصالح الفئات الشعبية الكادحة، ومن هذه الأحزاب العشرة بالاضافة لحزب البعث العربي الاشتراكي القائد للجبهة. الحزب الشيوعي السوري، وحزب الاتحاد العربي الاشتراكي وحزب الوحدويين الاشتراكيين. وبالامكان التأكيد على أن الممارسة الديمقراطية في سورية هي نسبياً أوسع وأصح مما هي في أي قطر عربي آخر. وجميع أحزاب هذه الجبهة الوطنية التقدمية لا تضم في صفوفها أعضاء من الطبقات المعادية لمصالح الجماهير الكادحة، وهي تدين بالديمقراطية الشعبية التي تخدم وتصون مصالح وحقوق الجماهير الشعبية التي هي الأكثرية الساحقة من الشعب في وطننا السوري الحبيب.
وفي الوقت نفسه يوجد "معارضون" للنظام السوري ويعلنون من أماكن تواجدهم في العواصم الغربية أن سورية تفتقر للديمقراطية الحقيقية، ودليلهم على ذلك عدم وجود منظمات وأحزاب للمعارضة في سورية ولهذا هم يعلنون معارضتهم من خارج سورية. ولأن حوارنا السياسي في الجولان المحتل يتطرق لذلك رغبت بالكتابة حول هذا الموضوع. فطالما يوجد عشرة أحزاب ممثلة في الحكومة السورية وفي مجلس الشعب. وهذه الأحزاب غالبية أعضائها من مختلف الفئات الكادحة، أي من العمال والفلاحين والموظفين الصغار. والاحزاب العشرة هذه تمثل الغالبية الساحقة من الشعب في سورية. والأحزاب غير المسموح لها في سورية هي التي تتبنى مصالح الرأسماليين الطامحين لإلغاء قانون التأميم وارجاع عقارب الساعة الى الوراء والى جانبهم الاقطاعيون الحالمون بإلغاء قانون الاصلاح الزراعي ومعهم الفئات الحليفة لهم أي "الرجعيين" على اختلاف أنواعهم وأشكالهم. وهؤلاء جميعهم أعداء للنهج الاشتراكي والتقدمي المتفاعل مع الديمقراطية الشعبية التي تفيد وتنفع جماهير الكادحين، وتسعى لتذويب الفوارق الطبقية، وجعل المواطنين سواسية في نهاية المطاف طال الزمان أو قصر.
لذلك بامكاننا اعتبار المعارضين السوريين في هذه المرحلة من المتضررين طبقياً ويندبون مصالحهم المادية ومواقعهم المعنوية التي تضررت من انتقال السلطة الى أبناء الطبقات الاجتماعية الكادحة. والديمقراطية التي يتباكون عليها هي التي تخدم مصالحهم الطبقية المتعارضة مع مصالح الأكثرية الساحقة من الشعب، فهل انتصار هكذا معارضة يفيد ويخدم غالبية شعبنا السوري. من الواضح كل الوضوح أن انتصار المعارضة هذه يصب في مصلحة الجهات الرجعية، ويضر بمصلحة الجهات التقدمية. وبات واضحاً كل الوضوح أن مصالح الجهات الرجعية العربية تلتقي مع المصالح الأجنبية وبشكل خاص مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية واداراتها الجمهورية والديمقراطية المتصهينة المحتضنة كالأم الحنون لحكام اسرائيل التوسعيين غير المتجاوبين مع قرارات الشرعية الدولية ومرجعية مؤتمر مدريد للسلام ومقررات القمم العربية الأخيرة الجانحة للسلام العادل بين العرب واسرائيل.
ان المرحلة التي يمر فيها وطننا الحبيب تحتم توطيد التحالف الوطني بين القوى السياسية السورية التقدمية والشريفة. فلكل مرحلة مهماتها. وسورية اليوم لا تحتاج للترف الديمقراطي المزيف المرضي عليه من الرجعيين والأمريكان والذي ينسف الكثير من المكاسب الايجابية للجماهير في سورية. لذلك يقتضي الواجب تقديم الأهم على المهم. والأهم هو توسيع دائرة الوحدة الوطنية وتمتينها لكي يقتنع الأعداء المتربصون بأن أي عدوان على سورية سيتحطم على صخور الوحدة الوطنية الصلبة والقوية. فإن المخطط الأمريكي الصهيوني لاجتثاث النظام الوطني التقدمي الحاكم في سورية، يحتم على كل معارض سوري يعتبر نفسه وطنيا وشريفاً، أن يرمي علاقته بالجماعة المعارضة في سلة المهملات علانية على مسمع وتحت بصر الأعداء والمتأمرين والطامعين. فبذلك يصحح موقفه واتجاهه السياسي ويصّعب على الأعداء تنفيذ خططهم العدوانية.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات