بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
المعارضة السورية هل هي ورقة أمريكية، أم حقيقة وطنية..
  31/05/2005

المعارضة السورية هل هي ورقة أمريكية، أم حقيقة وطنية...

بقلم ايمن ابو جبل- مجدل شمس، الجولان (31\03\2005)

لا يختلف اثنين بعد اليوم على إن النظام العربي الرسمي بات قاب قوسين او أدنى من الانهيار التام، إن لم نقل من اعلان وفاته رسميا أيضا بعد فقدانه للمصداقية الشعبية منذ عشرات السنوات، مع احتفاظ كل نظام وحسب ظروف كل بلد على خصائصه تبعا لظروفه السياسية والاقتصادية، وتبعا لاستيفائه الشروط الأمريكية، التي قدمت الدعم الكامل للأنظمة العربية الاستبدادية الشمولية أم العسكرية والدينية، التي استاثرت بحكم البلدان العربية بعد انتهاء فترة الاستعمار الرسمية. حيث واقع اليوم، وبعد غزو العراق وتحكم الولايات المتحدة بمصير ومستقبل الشعوب والعالم ولا سيما دول العالم الثالث الغنية بالخيرات والثروات، لم يعد ينسجم مع متطلبات الواقع الأمريكي الجديد المفروض قسرا نتيجة سياسة العولمة، وأكثر من هذا فقد أصبحت هذه الأنظمة تعرقل تطور النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وغدت عبئا شديدا على المصالح الأمريكية الأوربية، وعاملا من عوامل زعزعة الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي للنظام العالمي الجديد.
لقد وضعت التغيرات العالمية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وتداعيات الحرب الأمريكية على أفغانستان واحتلالها للعراق، وتغيير نظامه السياسي والاقتصادي والثقافي، هذا النظام العربي المشلول، في مواجهة معارك ازماته الداخلية والخارجية التي اصبحت تهدد استقراره واستمرار بقائه في الحكم، وعكست نفسها على مجمل الجوانب الاجتماعية في هذا البلد أو ذاك، حيث استمرت السلطة بنهجها وتفكيرها، وأدوات حكمها القديمة، رافضة التأقلم والتغير الطوعي استجابة للحاجة والمطلب الشعبي المحقون، وفشلت في قراءة الخريطة السياسية الدولية الجديدة، بشكل يضمن لها المناورة والحياة في ظل هذه المتغيرات. وفي المقابل بقيت المعارضة في هذا البلد أو ذاك، التي من المفروض أن تكون البديل الاخر لانظمة الحكم، تراوح مكانها وتستجمع قواها وتلملم جراحها، بعد أن فتكت بها أجهزة هذا النظام أو ذاك على مدار سنين طويلة. كان الدعم الأمريكي غير محدود لهذه الأنظمة، وبقيت المعارضة العربية وخاصة اليسارية والقومية غير قادرة على تجاوز أزماتها الداخلية والسياسية، وخسائرها التنظيمية والجماهيرية والسياسية، وإعادة تأهيل كادرها الذي أنهكته السجون والمنافي.
وسوريا اليوم في ظل الجوار الأمريكي لها في العراق، والإسرائيلي في الجولان المحتل، والتركي في لواء الاسكندرون، وفقدانها لورقة اللعب السياسية الرئيسية في لبنان، تقف أمام هذا المفترق الخطير على أمنها وسيادتها ومكانتها المحلية والدولية. فمن جهة، إن الخضوع لمعادلات السياسة الأمريكية والأوربية واملاءاتها ودفع فاتورتها السياسية والأمنية والاقتصادية يعني انتهاء دورها الإقليمي، وضعضعة مكانتها، وتدهور اقتصادها، إن لم نقل انهيار مركباته الاساسية نتتيجة عملية الانسحاب المفاجئ من لبنان، وازدياد اعبائها الاقتصادية، وانسحاب رؤوس الاموال والاستثمارات الاجنبية من حدودها الجغرافية، والتدخل الامريكي الاوربي السافر في شؤونها الداخلية في المطالبة بإجراء إصلاحات سياسية جوهرية، ومحاربة الفساد المستشري في مؤسسات السلطة، وإجراء انتخابات دستورية تشريعية، مما يعني انتهاء احتكار حزب البعث العربي الاشتراكي للحكم في سوريا، قبيل إقرار قانون مجلس النواب الأمريكي الذي يعتبر الحزب منظمة ارهابية، كما حصل في العراق، وقبيل اعلان قرار تجميد ارصدة المسؤولين السورين في البنوك الاجنبية، ومن جهة ثانية، بقاء واستمرار السلطة في المراوحة مكانها، دون الاخذ في عين الاعتبار للاحداث والمجريات التي تعصف بالمنطقة، وتعصف في عمقها ايضا، واعتقاد السياسيين في سوريا ان كل شئ بخير، وما يحصل مجرد عاصفة وتزول، وكأن ما يحصل هو تظاهرة لمجموعة من المعارضين والمحتجين سرعان ما تنتهي حين تتدخل قوى الامن واجهزة المخابرات صفوفها لتفريقها، كما حدث في مظاهرة المعارضة السورية في مدينة دمشق.
لقد خلق الواقع العالمي الجديد، وتأثيره على الواقع السوري، سلطة حاكمة ومعارضة منقسمة ومشتتة، معظلات حقيقية اتسعت بعد عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، وتداعيات هذه الجريمة على الساحة السياسية والاجتماعية في سوريا ولبنان والمنطقة برمتها، حيث حاولت السلطة في سوريا مباشرة إعادة تأهيل ذاتها، والاستجابة الى بعض الاشتراطات الأمريكية على الحدود العراقية السورية، من اجل انطلاق مشروع الشراكة الاوربية السورية "المجمد حاليا"، وفي اجراء بعض الإصلاحات الداخلية، من الإفراج عن معتقلين سياسين، والسماح ببعض الحريات الديمقراطية، ومنح تراخيص لبعض الصحف والمجلات الخاصة، وعدم ملاحقة بعض الاصوات من المثقفين التي وقعت على بيانات تطالب بالاصلاح ومكافحة الفساد، وسماحها لبعض المنتديات الثقافية والسياسية في العمل العلني لبعض الوقت بعد خطاب قسم الرئيس بشار الأسد امام مجلس الشعب، ولبعض جمعيات حقوق الإنسان ولجان احياء المجتمع المدني بالعمل دون ترخيص رسمي من وزارة الداخلية السورية.
من الجانب الاخر، ما زالت الأحكام العرفية وقانون الطوارئ المعلن في العام 1963 سيفا مسلطا على الجميع، وما زالت الملاحقات الأمنية والسياسية لبعض المعارضين، وما زالت السجون السورية، رغم إعلان السيد غازي كنعان وزير الداخلية السوري وقف التعذيب، تشهد قصص بعض المفرج عنهم من السجون، وما زالت التعددية السياسية والفكرية محصورة في إطار أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية المؤتلفة مع حزب البعث في الحكم فقط، وما زالت الأقليات القومية تطالب السلطة بالاعتراف بحقوقها القومية والثقافية، واعتبارها جزء من النسيج الاجتماعي والسياسي السوري، وما زالت المؤسسات القضائية والقانونية والتنفيذية والتشريعية والاقتصادية تحت رقابة الأجهزة الامنية وفروع أجهزة الاستخبارات السورية، ورغم ان هذه الصورة القائمة ترافقت مع مشروع الإصلاح والتطوير الذي اطلقه الرئيس بشار الاسد بعد توليه السلطة في سوريا، واعترافه بوجود فساد وخلل اجتماعي واقتصادي وسياسي، وضرورة تغير الواقع القائم، الا ان الواقع كان مختلفا وبعيدا عن حجم الآمال والتوقعات، الامر الذي جعل الولايات المتحدة ومن خلفها فرنسا وبريطانيا بشكل خاص تمسك بهذا الواقع الداخلي السوري، وتستغله كذريعة مجانية، لتحقيق المزيد من الضغط على قرارات سوريا السياسية، وتحجيم تاثيرها ودورها، لافراغ دورها القومي وتحييده تماما في العراق وفلسطين ولبنان، تحت ذريعة الإصلاحات الداخلية، وانتهاء "احتلالها" لأرض لبنان...
ولم يكن غريبا على الادارتين الامريكية والفرنسية ان تخرجا عن الاعراف الدبلوماسية والسياسية المتبعة في السياسة الدولية والعلاقة بين الدول ذات السيادة، وتصدران اوامرهما وتعليماتهما عبر سفرائهما المعتمدين في سوريا ولبنان، وتعملان على تأجيج عواطف اللبنانيين واستغلال مساوئ سوريا الامنية والسياسية في الساحة اللبنانية التي اعترف بها الرئيس الاسد، وقبلها استصدار القرار الدولي 1559، ومطالبتها بالانسحاب، وانهاء دورها العسكري والأمني والاقتصادي، الذي شكل سيفا في وقت من الأوقات على رقاب معظم اللبنانيين، كما يقول زعماء المعارضة اللبنانية. ثم جاءت أخيرا عملية اغتيال رفيق الحريري، خدمة للمصالح الأمريكية الأوربية الإسرائيلية دون طائل، وتضع لبنان وسوريا أمام مساءلة قانونية دولية لدور اجهزتها الأمنية الفاشل في لبنان، وتامين الحماية والامن والسلامة للبنانيين، وتسليط الأضواء على دور هذه الأجهزة الأمنية السورية اللبنانية في إنهاك الاقتصاد اللبناني، وانتشار الفساد في مؤسساته الاقتصادية والسياسية والأمنية.
ان مشروع الإصلاح في سوريا، شئنا ام ابينا، أصبح من الضروريات والمسلمات التي لا يختلف اثنان عليها، وانجازها يحتاج إلى وعي وإدراك بالمسؤولية الوطنية، والى مصداقية الشعب نفسه، واحترام قراره من خلال أحزابه وتنظيماته وقواه السياسية المختلفة، واجراء انتخابات تشريعية حقيقية ورئاسية، بعيدا كل البعد عن التدخلات الخارجية والضغوطات الأجنبية التي تريد الإساءة إلى هذا الشعب وتاريخه وماضيه، والتحكم في مصيره، كما يحدث الآن في العراق وأفغانستان. والمتتبع للإحداث في لبنان يدرك حقيقة المخاطر الكامنة وراء المواقف الأمريكية الأوربية الإسرائيلية ضد سوريا، التي عليها الان ان تحدد مرة واحدة والى الابد، قرارها الطوعي بتحصين الجبهة الداخلية أولا وقبل كل شئ، وانفتاح السلطة على الراي الاخر من معارضة سياسية داخلية ورموز كبيرة من المثقفين الداعيين الى الإصلاح، والبدء في مرحلة جديدة من إعادة النسيج الاجتماعي والسياسي السوري على اختلاف مشاربه الفكرية والسياسية، وبناء دولة المؤسسات والقانون والعدل، وبناء العلاقة اللبنانية السورية ضمن الضوابط والقواسم التاريخية والثقافية والسياسية، في اطار من الاحترام والاعتراف المتبادل لما فيه خير الشعبين.
المعارضة السورية، ان صح التعبير، وعلى حد وصف احد رموزها: "تتحمل مسؤولية كبيرة في تقاعس دورها، واختصاره بمنتديات شكلت هنا او هناك، بعد سنوات من القمع والملاحقة والاضطهاد، حتى درجة التصفيات الجسدية والمعنوية، وغاب عن تفكيرها ان معركة الحريات تحتاج إلى المزيد من التضحيات، فهي غير قادرة على صياغة برنامج وطني شامل ينال مصداقية الشعب، وهي لم تستطع بعد أن تخترق جدار الصمت والخوف من "البعبع" والخوف الامني المنتشر بكثافة في تفاصيل الحياة السورية، وهي لم تستطع بعد توحيد صفوفها لاختلاف برامجها وتنوع فكرها وتشعب أهدافها، الأمر الذي فتح المجال لبروز معارضات هزيلة مرتبطة أمريكيا وأوربيا، قد تصبح في المرحلة المقبلة عنوانا لاي تغيير قسري في سوريا، كما حدث مع المعارضة في العراق، والمعارضة في فغانستان. ان المعارضة السورية في الداخل السوري والمتمثلة باحزاب التجمع الوطني الديمقراطي، وحزب العمل الشيوعي، والتنظيم الشعبي الناصري، إضافة إلى بعض الفعاليات المعارضة من المثقفين ورموز النقابات المهنية، والإخوان المسلمين، وبعض رموز المعارضة الأخرى الموجودة في الخارج قسرا وقيامها ببعض النشاطات السياسية العلنية، ودعواتها المتكررة للسلطة وقيادة حزب البعث إلى الحوار فربما يفتح الباب أمامها للمرة الأخيرة، للخروج من دوامة الضغوطات الأجنبية، وتفويت الفرصة أمام أولئك الذين يطالبون اليوم الإدارة الأمريكية والسوق الأوربية بشن حربا على وطنهم وشعبهم من اجل تغير نظام الحكم، ودخولهم سوريا على ظهر الدبابات الأمريكية".
قد يتساءل سائل: إن المعارضة السورية بالضرورة تحمل مشروعا انقلابيا على نظام الحكم، وبناء سلطتها البديلة، لانها تستقوي بالاجنبي. لكن ليس هناك ضرورة ولا حقيقة في ذلك، فالمعارضة السورية هي معارضة تضم خيرة المثقفين والمفكرين والكوادر السياسية والاجتماعية، التي لها باع طويل في المسيرة النضالية لابناء الشعب السوري، وهي بذات الوقت صاحبة رسالة وطنية واجتماعية، وهي ان استطاعت وبالحوار السلمي مع السلطة، وقيادات أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها حزب البعث، ان تطرح برنامجا وطنيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا واضحا، يناقشه الشعب في انتخابات ديمقراطية نزيهية دون أي تدخلات أمنية، ليستطيع الشعب اختيار ممثليه كما يريد بنفسه، وليس كما تمليه الأجهزة الأمنية المتنفذة اليوم، أم تمليه الإدارة الأمريكية المستعدة لفرض ممثليها على رقاب السوريين واللبنانيين، فلا هذا ولا ذاك ما تحتاجه سوريا او لبنان اليوم.
سوريا تحتاج الى معارضة قوية فاعلة تستمد شرعيتها من حضورها وبرامجها ونضالها السلمي والعلني، رغم اختلاف توجهاتها، واختلاف أدواتها. وتحتاج إلى وعي مسئول أيضا من قبل السلطة بإدراك حجم الأخطار المحدقة بسوريا ولبنان على السواء، ويدعو المعارضة والمثقفين الى هذا الحوار بروح وطنية مسؤولة تعبر عن فهم عميق للمخاطرالتي تحيط ليس فقط بحدود الوطن جغرافيا وانما بمستقبل الوجود العربي في المنطقة.
أمام هذا الوضع يبقى السؤال: هل تمتلك الإدارة الأمريكية خيارات التدخل العسكري في سوريا عبر أدوات لها تسمي نفسها "المعارضة السورية" واستبدال نظامها القائم بتلك الاحزاب التي تشكل معظمها بعد الحرب على العراق؟ يخطئ من يظن ان سوريا لم تكن ضمن الخيارات الامريكية، التي تراجعت قليلا، بعد اتساع رقعة المقاومة العراقية وتكبد الامريكيبين خسائر فادحة بين جنودهم، الأمر الذي أدى الى تباطأ المشروع الأمريكي والاستعاضة عنه بتدبير أعمال تضعضع الاستقرار والسلم الداخلي في سوريا عبر خاصرتها الاضعف في لبنان. وما الاجتماع الذي عقد في منتصف تشرين الثاني 2003 بين فصائل من المعارضة السورية ومسؤولين أمريكيين برعاية وزارة الدفاع الأمريكية، ونفي "ادم ايرلي" نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية لرسمية هذا الاجتماع، الأمر الذي اظهر هذه المعارضة مجرد اضحوكة أمريكية بتصريح لاحد أعضاء المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا، وهو مجلس مشكل من معارضين سوريين خارج سوريا، الذي أكد أن اجتماعات احزاب المجلس لم تتوقف مع الأمريكيين، وأورد أسماء التنظيمات التي اجتمعت مع قادة عسكريين أمريكيين وهم: زعيم حزب الإصلاح السوري فريد الغادري، حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا بزعامة فراس قصاص، الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة توفيق حمدوس، الحركة السريانية بزعامة جان عنتر، المنتدى الديمقراطي بزعامة حمدان العاصي، ممثل العشائر السورية بزعامة الشيخ محمد الغيدا، رابطة المرأة السورية والطفل بزعامة بدرية خليل، رابطة الجاليات السورية سوريا لكل السوريين بزعامة مالك عساف، الرابطة السورية لحقوق الإنسان بزعامة سلام أمير.
الإدارة الأمريكية من جانبها، بعد غزو العراق لجأت إلى التلويح بالتهديد العسكري المباشر على سوريا، ان لم تتجاوب حكومتها مع الواقع الجديد، وتعيد أموال المسئولين العراقيين السابقين إلى البنوك العراقية، وتسلم رموز النظام البعثي السابق إلى حاكم العراق الجديد "بول بريمر" وتمنع تسلل المقاتلين السوريين والعرب من أراضيها إلى العراق، وتضبط حدودها مع العراق، وتوقف دعمها للمنظمات "الإرهابية" على حد تعبيرها، وتوقف حربها الإعلامية ضد حكومة العراق المؤقتة التي عينتها الإدارة الأمريكية. وزادت من لهجتها التصعيدية ضد سوريا بعد إصدار القانون 1559 لتواجه سوريا موقفا دوليا وعربيا أكثر حدة، بعد عملية اغتيال رفيق الحريري وانطلاق الدعوات من المعارضة اللبنانية بسحب القوات السورية من لبنان، وكف الوصاية واليد الأمنية السورية عن الحياة اللبنانية، كما نص عليه القانون الدولي 1559، ونزع سلاح المقاومة اللبنانية، وإبقاء حزب الله دون غطاء عربي أمام الحملة الأمريكية الإسرائيلية، لإخراجه تماما عن الخارطة السياسية اللبنانية.
فهل أدركت سوريا أبعاد المخططات الأمريكية والإسرائيلية، بعد جريمة الاغتيال، وتزايد مظاهر العداء والعنصرية ضد المواطنين السوريين المدنيين في لبنان، ومقتل العشرات منهم لكونهم سوريين فقط؟ وهل فعلا أدركت القيادة السورية قوانين اللعبة الأمريكية الجديدة في المنطقة بعد موجة التفجيرات التي شهدتها الساحة اللبنانية بعيد انتهاء المرحلة الأولى من انسحاب القوات من لبنان، رغم إن بعض أوساط المعارضة حملها مسؤولية محاولة اغتيال مروان حمادي، و اغتيال رفيق الحريري، ووقوفها وراء موجة العنف الأخيرة في لبنان؟
إن المتتبع للإحداث يدرك إن الإدارة الأمريكية وعملائها هم المعنيون بالدرجة الأساسية من ضعضعة الأمن في لبنان وسوريا، والتفاصيل التي نشرت حول لقاء "المعارضة السورية الأمريكية" الذي عقد في واشنطن يدرك تماما، ان سوريا قد وقعت في فخ نصب لها كما حصل أبان غزو صدام حسين إلى الكويت. ولعل تفاصيل هذه اللقاءات تعكس فعليا مكانة وموقع هذه المعارضة التي تتحدث عن تمثيلها للسوريين، بعد المباركة الأمريكية لها التي اعتبرت ان هؤلاء السوريين يمثلون شريحة عريضة من الشارع السوري متنوعة الديانات والأعراق، احد أعضاء الوفد الذي شارك في الاجتماع يتحدث حول اللقاء: “تقدمنا بطلب للقاء المسئولين الأمريكيين، وتم التجاوب بسرعة مع هذا الطلب. فذهب وفد مكون من فريد الغادري وهو رجل أعمال سوري أمريكي والدكتور حسام الديري وهو طبيب أسنان يملك 13 عيادة في شيكاغو، والدكتور موفق بن المرجه وهو يملك جريدة اسمها “الزمان” والدكتور محمد خوام (طبيب) والدكتور زهدي الجاسر (طبيب) والدكتورة سلمى الديري الحاصلة على دكتوراه في الهندسة المدنية، وبسام درويش (كاتب) والدكتور نجيب غضبان من جامعة اركانسو. في المقابل خصص الجانب الأمريكي وفدا ، ضم ليز تشيني من وزارة الخارجية (ابنة نائب الرئيس) وسكوت كاربتنر وجون هانا من مكتب نائب الرئيس ديك تشيني (مسؤول من الشرق الأوسط) وديفيد شينكر من وزارة الدفاع (مكتب نائب الوزير بول وولفويتز) ومسؤول شؤون ““اسرائيل” وسوريا ولبنان، وسبق ان قام بإعداد “خريطة الطريق”. وحضر الاجتماع روبرت بنين من مكتب اليوت ابرانر مساعد مستشار مجلس الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط. إضافة الى ميليسا راسل التي كانت تسجل كتابة محضر الاجتماع. حيث خصص جانب مهم منه الى الاستماع الى مطالب اولئك التي تمثلت" بمحاكمة مجرمي حقوق الانسان من البعثيين في سوريا والتوجه للمحكمة الأمريكية لمقاضاة البعثيين وفق قانون تعويضات الأجانب (الصادر عام 1989) الذي يسمح بنظر المحاكم الأمريكية قضايا تعويض يرفعها أجنبي ضد جهة أجنبية. وبمطالبة الادارة الامريكية بالعمل على خلق سوريا جديدة وديمقراطية تمثل جميع القوميات والطوائف والعقائد، فريد الغادري تحدث عن السلام والطموحات والترتيبات الجديدة: “نريد ان نعيد الأموال التي سرقها البعث من السوريين، لو حدث هذا فإن السوريين سيرفعون صور الرئيس بوش بدلاً من صور الأسد. وعن السلام مع اسرائيل اضاف " : نحن نعتبر ان قضية شبعا قد حسم امرها بقرار من مجلس الأمن الدولي، اما الجولان فهي ارض سورية نريد ان نسترجعها كلها ونحن في الوقت ذاته نعتقد ان السلام مع “اسرائيل” لمصلحة سوريا من أجل الاستقرار.
ردا على تلك الاجتماعات، اعلن في دمشق :" إن بعض تيارات المعارضة السورية في الداخل قامت بزيارة عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري، لرفض أي ضغط خارجي على سوريا"، وفي تصريح لمصدر حزبي بعثي يعمل سكرتيرا في احد مكاتب القيادة القطرية " أن نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام استقبل الأسبوع الماضي ، بشكل منفصل، عددا من قيادات المعارضة السورية من التيار الناصري واليساري الذين أعربوا عن رفضهم للضغوط الأميركية على سورية بشأن الملفين اللبناني والعراقي.
وأكد المصدر البعثي على أن " ضيوف عبد الحليم خدام أكدوا له وقوف المعارضة الوطنية ـ الديمقراطية الداخلية مع المواقف الوطنية والقومية التي اتخذتها سوريا تجاه لبنان ، واستعدادهم لأن يكونوا جنودا للدفاع عن سوريا إذا ما تعرضت البلاد إلى خطر خارجي ، وقرارهم النهائي بعدم إقامة أي نوع من الاتصال مع المعارضة والمعارضين في الخارج باعتبارهم مشبوهين ومطعونين في وطنيتهم ، سواء تستروا تحت شعارات ومواقف إسلامية أو ديمقراطية" وقال المصدر الذي اطلع على محضر الجلسات بين خدام وضيوفه " المعارضين " ، والذي تم توزيع مضمونه على أعضاء القيادة القطرية في حزب البعث الحاكم ،" أن خدام أكد لهم ثقة القيادة والرئيس بشار الأسد بهم وبوطنيتهم مهما كان من خلاف في وجهات النظر بين الطرفين حول بعض القضايا الداخلية".
إذن نحن اليوم أمام" احمد جلبي سوري" جديد متمثل بالسيد فريد الغادري، ربما لم نسمع عنه نحن السوريين لكننا بالتأكيد، سنصم أذاننا قريبا لكثرة ما سيتردد اسمه على مسامعنا، فهو وبخلاف الجلبي غير متورط ماليا مع البنوك الاردنية لغاية الان، ولكنه بلا شك استفاد من تجربة نظيره ألجلبي، فهو رئيس اللجنة التنفيذية لحزب الإصلاح السوري، وانشأ بالتعاون مع إذاعة المشرقية وريثة جيش لبنان الجنوبي العميل بزعامة انطون لحد إذاعة خاصة اسمها" صوت سوريا الحرة" والملفت للنظر ان الإذاعتين المشرقية وصوت سوريا الحرة تخضعان لضابط مخابرات اسرائيلي " افي ليختر، وهما ملكا لشركة كرمل نيوز، وقد استطاع لغاية ألان تجنيد 500 مقاتل عربي سوري تحت امرة جنرال باسم محمد الغيدا.
فهل نستطيع الابتعاد عن رسم سيناريو حرب العراق يتكرر في سوريا، خاصة وان السلطة في سوريا تمر في اشد اوقاتها العصيبة، بخلاف الوضع الذي عايشه النظام العراقي السابق، فالقرار السوري بالانسحاب من لبنان، رغم انه جاء تلبية للضغوطات الأجنبية، الا انه يبقى شجاعا وجريئا، لكن هل ستنتهي الأزمة السورية وتداعياتها في لبنان والعراق وفلسطين أمريكيا، أم نحن على أعتاب سلسلة طويلة من المطالب والضغوطات، التي لن تنهي طبعا بتشكيل لجنة تحقيق دولية في عملية اغتيال رفيق الحريري، وإنما ستتعدى إلى المطالبة بتقديم المسئولين السورين واللبنانيين سياسيين وأمنيين إلى "سيف العدالة الدولية"، في محكمة جرائم الحرب في لاهاي كما حصل مع ميلوسوفيتش وصدام حسين.
مما لا شك فيه ان الإدارة الامريكية تعمل وبشكل دؤوب على ايجاد بدائل سياسية في سوريا قبل توجيه الضربة الاخيرة لها، مستفيدة من اخطائها في العراق، الامر الذي يتطلب من السلطة في سوريا، وحزب البعث، فتح الباب على مصراعيه لاجراء حوار شامل مع احزاب التجمع الوطني الديمقراطي وحزب العمل الشيوعي، والاخوان المسلمين، وكافة الرموز الوطنية والمهنية والثقافية التي لها باع طويل في المسيرة النضالية، والافراج عن معتقلي الراي السياسيين، والسماح بعودة المنفيين ومنحهم المواطنة كاملة دون نقصان، والغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وتحديد دور الاجهزة الامنية بالدفاع عن سلامة الوطن والمواطنيين فقط، وإجراء الانتخابات الديمقراطية الحرة التي تعبر عن رأي السوريين قبل فوات الأوان.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات