بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
ذكريات لعمر قادم... وئام عماشة
  06/11/2005

ذكريات لعمر قادم

بقلم الأسير وئام محمود عماشة * - (06\06\2005)

وصل موقع الجولان رسالة مهربة من معتقل الجلبوع ، كتبها الأسير السوري وئام عماشة يصف فيها مشهدا متكررا من مشاهد المعتقلات الإسرائيلية، مشهدا لعله يحاكي العقل والوجدان فينا، ويحاكي أصحاب القرار...


كانت الساعة السابعة والنصف من صباح السابع عشر من نيسان، حين طرق احد أفراد الشرطة من ذوي الياقات الزرقاء باب زنزانتي، طالبا أن أقف وأتوجه نحو "طاقة الباب" واخرج يداي الاثنتين ليكبلهما بالسلاسل الحديدية. استجبت للأمر دون أي اعتراض. وفتح شرطي أخر الباب الحديدي، وخرجت إلى الممر تاركا أفكاري وأحلامي هناك جالسة مكاني على السرير. شرطي أخر كان يحمل ملفا مليئا بالاوراق الثبوتية، وقرأ اسمي ، وغرز نظراته في الأوراق والصورة الملصقة على إحدى زوايا الملف ليقارن بيني وبينها، ثم تقدم احدهم كان يحمل السلاسل ووضع القيد في أرجلي، يترقب تحركاتي وانفعالاتي.

لم يكن سوى الصمت وصوت رنين السلاسل يدب في الممر مع كل خطوة من خطواتي، خرجت من ممر القسم حتى وصلت إلى باب شاحنة حديدية زرقاء تسمى "البوسطة" وأدخلوني في قفصها. وقفت أتأمل من داخلها، لأجد مكان لي بينهم، "السلام عليكم يا شباب" قلتها بالعربية، وأخذت مكاني انتظر انطلاق البوسطة الى المصير المجهول.

استطعت أن أتلمس صفاء ونقاء الجو الجبلي الذي تتميز به سلسة جبال الكرمل الفلسطيني، حيث يقبع مركز التحقيق ومعتقل الجلمة للأسرى السياسيين. لم يبدد هذا الصفاء سوى رائحة الحقد والكراهية التي لفت الجنود وأفراد الشرطة الإسرائيلية، الذين كانوا ينظرون بتشفي ووعيد وتهديد وصياح مقصود تجاهنا نحن المتواجدين في قفص البوسطة. سجناء جنائيين ينتمون الى أصناف بشرية متعددة الألوان واللغات. فهناك عرب ويهود وأجانب امريكيين وأفارقة، لكل قصته وحكايته وأحلامه جمعتنا هذه البوسطة. وهذه العيون التي اخترق بريقها ظلمة القفص الحديدي، بقيت تنظر وتتساءل بحيرة وقلق وهي تتطلع الى حجم هذه القيود والسلاسل التي تقيدني بشدة وضرورتها في حين أن أرجلهم غير مقيدة وأياديهم لا يقيدها سوى زرد واحد من السلاسل...

أخيرا هدر محرك "البوسطة" بعد أن اخذ الحراس المدججين بالسلاح والهراوات أمكنتهم في المقاعد الخلفية للبوسطة، وانطلقت من داخل المعتقل الراقد في باطن جبل الكرمل، لتصل بعد دقائق معدودة الى الشارع الرئيسي الذي يربط مدينة حيفا بالناصرة، تتجاوز السيارات المارة أمامها، بعلو صوت زماميرها وهديرها الذي اعتاد عليه السائقون فيفسحون المجال لها لتتجاوزهم. استمرت البوسطة في التقدم مسرعة واتجهت بنا شرقا وهي تعبر أحراش "طبعون" الجميلة التي تعتبر من أجمل المناطق الحرشية في فلسطين. وقفت اتكئ بحذر على احد السجناء الذين تعرفت عليهم لأنظر عبر الفتاحات الصغيرة جدا لشباك البوسطة، لأرى منحدرات جبال الكرمل التي شهدت وقائع وأحداث بطولية في ثورة عام 1936، فاستحضرت في مخيلتي المجاهدين والثوار وزغاريدهم وصوت القسام ورجاله في معاركهم البطولية، وها أنا اليوم احمل جزء من أحلامهم في الحرية. لم أتمالك نفسي حين صرخت.. "أنا على موعد مع الحرية هذا اليوم"، لا تفصلني عنها سوى هذه المسافة وهذه القيود وسنوات ما زالت تحصد زهرة العمر. عدت الى مكاني أتطلع في وجوه السجناء، حين بدأت البوسطة، تتمايل يمينا وشمالا عند المنعطفات، "أننا على مشارف مدينة الناصرة" قلت لأحد السجناء بجانبي. عدت ثانية الى فتحات الشبك لم استطع الانتظار حتى الساعة التاسعة صباحا لأعانق الحرية، أردت أن اشتم هذه الرائحة العربية، تحدقت عيناي في خارج ذلك الشباك فرأيت امرأة في الثلاثين من عمرها تقف على شرفة منزلها تحاول الإمساك بحبل غسيلها الذي تراقصه رياح بحرية، وأمامها كانت طيور حمام بيضاء تصفق بأجنحتها حلقت نحو الأعلى، قلت لها في نفسي، طيري الى هناك احملي شوقي الى أهلي غرب "الشريط" وشرقه في الجولان المحتل، حيث الان بدأت احتفالات عيد جلاء قوات المستعمر عن بلدي سوريا، وانقلي سلامي لحبيبتي الجالسة هناك، تتقاسم معي دموع شوق وفرح وحب وثورة متقدة، وعودي إلي قبل الموعد، واجلبي لي بين ثنايا جناحيك حبا وكسرة خبز عربية... وأنا هناك واقف احمل سلاسل قيدي، عبر فتحات هذه الشباك، دخلت البوسطة زحمة المرور المعروفة في مدينة الناصرة العربية، وسائق البوسطة تملكه الرعب والخوف ونفاذ الصبر، فاخذ يشير بهدير سيارته وصوت زماميرها، ووميض أضواءها، فكان يتقدم بسرعة، ويتوقف بضربة فرامل قوية، كانت تهزنا وتوقعنا أرضا، والسيارات والمدينة غير أبهة له، لأنها معتادة على هذا الازدحام، وكان ضوء الشارة المرورية الأحمر بقدر ما يثير أعصاب السائق والسائقين بقدر ما يبعث في نفسي الفرح والحياة، فاللحظات القليلة هذه التي تقف بها السيارة "البوسطة" هي لحظات أكون بها مع الحرية، أتمعن بها.. أراها.. أحادثها.. أتمتع بها... خلالها كنت اعتذر من العامل الذي يسرع الى عمله والمهندس الى ورشته، والعاشق الى موعده مع حبيبته، أقدم اعتذاري الى كل هؤلاء لأنني أعيش متعتي مع الحرية عبر هذه الفتحات الصغيرة من ثقب الشبك. في هذه الزحمة التي تمنيتها ان تطول اكثر اشتممت رائحة القهوة العربية، ورائحة الخبز العربي الطازج، ورأيت طفلة تحمل حقيبتها المدرسية بتثاقل وحذر من السيارات والمارة، ما اثار انتباهي هو نظارة عينيها المحدقة في هذه البوسطة، وقفت تنظر اليها بعيون خائفة، وتشابكت نظراتي مع نظراتها الخائفة، فابتسمت اليها بشوق ولهفة وحب دفين، يعبر عن قهر المرحلة. كان وجهها الطفولي البريء ابيضا كلون الثلج، قابلتني بابتسامة ارتسمت على شفاهها ثم بكت خائفة، ربما تكون بطفولتها البريئة قد أدركت الحكاية. وبقيت في ذاكرتي أفكر بدمعتها وابتسامتها اللتان اخترقتا روحي وقلبي وبقيت وقودا في معركة صمودي وآلامي. لم يمزق هذه الأجواء سوى صوت محرك البوسطة الذي اطلقها مسرعة بعد التوقف عند شارة المرور الضوئية، وملامح وجه تلك الطفلة تؤجج مشاعري وكياني، أتساءل هل سألتقيها يوما ما، لأخبرها ان ذاك الشبح العربي الحزين ما هو الا إنسانا يتوق الى الحرية، سأخبرها عن حكايتي وحكاية الجولان وجبل الشيخ وتفاحنا العربي الحر. بقيت الطفلة هناك وتقدمت بنا البوسطة حتى وصلنا الى صف من البنايات الطويلة، والاشجار العالية التي تحيط بالشوارع المنتظمة جيدا في مدينة "نتسيرت عيليت" التي تسكنها الاغلبية اليهودية، حيث تتواجد المحكمة المركزية، التي تضم الرجال الذئاب تحت سقفها، ذئاب بشرية لا تعرف معنى للعدالة والحرية والقيمة الانسانية للحياة الحرة الكريمة. هناك يقررون مصير الانسان، ويتحكمون بحريته وكرامته وارائه وافكاره واحلامه.

ليست هذه هي المرة الاولى التي اقتاد بها الى مقر المحكمة مقيدا بالسلاسل، ولم تكن هذه هي المرة الاولى التي ادخل فيها الطابق الارضي من مبنى المحكمة، ولم تكن ايضا المرة الاولى التي اعبر فيها تجربة الارهاب والاذلال والصياح والضرب، حين يبدأ السجانون وافراد الشرطة باخراجنا من البوسطة كل وفق اسمه الذي يقرأه. ولم تكن المرة الاولى التي اشتم فيها رائحة هذا المكان الكريه في تلك الزنازين الكريه. جلست بعد انتهاء طقوس الاذلال تلك على مقعد اسمنتي في احدى زوايا الزنزانة في انتظار دوري في المثول امام طاقم "القضاة"، في حين توجه السجناء الجنائيون يبحثون كل واحد عن مكان له في انتظار دوره، احدهم توجه الي سائلا: "ابو البلد لماذا يقتادونك مكبلا بهذه السلاسل بخلاف تلك التي تقيدنا؟ ماذا فعلت حتى يستدعى التشديد في حراستك؟ أجبته مبتسما أحاول اختصار اسئلته وفضوله، قلت له: "انا من الاسرى المناضليين الامنيين، وبسبب النضال من اجل الحرية والعدل يضعون هذه السلاسل بيدي وارجلي...". ضحك بسخرية وقال: "هل يعقل انه بسبب ذلك؟ نحن في بيت العدل هنا، والقوانين في دولتنا تتيح لاي مواطن ان ينتقد ما يشاء، ويطالب بما يشاء، ويناضل لاجل ما يراه مناسبا..." أجبته بجدية وحزم:"كلامك صحيح، لو كنت مثلك.. لكنك من حيث لا تدري انت عبارة عن دمية، يحركونها على خشبة المسرح التي نسعى نحن وسوانا لقفل ستارها، وتأكد أن العدل والحرية لا يتحققان بالنواح والشكوى والتوسل والترجي، وانما بالنضال.. بالنضال العنيد والواعي، وها انا كما رأيتني أتخبط في مستنقع الشقاء مع الآلاف من رفاقي الأسرى الساسيين من اجل ذلك، لكن كن واثقا أن شقاءنا هذا سيزيل ستائر المسرح تلك لننشد مع الآلاف غيرنا اناشيد الحرية من جديد...". انتهى نقاشي المقتضب هذا حين دخل السجان وهو ينادي باعلى صوته على اسمي، تمعنت في عقارب الساعة فكانت قبل التاسعة صباحا بدقائق معدودة، خرجت من الزنزانة وهو يدفع بي بقوة كي اسرع، وكيف لي ان اسرع وهذه السلاسل تقيد حركتي، تقدم أمامي ومضيت خلفه في سرداب طويل تفح منه الرطوبة، ومن ثم وقفت أمام باب خشبي، لاطل مباشرة على قاعة المحكمة التي ستجري بها مداولات محكمة النطق بالحكم. دفعني الى الامام وتقدمت لارى مجموعة من الأصدقاء وعدد من الأهل جالسين داخل القاعة، رمقتهم بنظرات الحب والشوق سريعا، وسرعان ما تقدم بعضهم باتجاهي مستغلين البلبلة التي حصلت أثناء دخول عدد من الحراس إلى القفص حيث خصص مكان جلوسي فترة مداولات المحكمة، تعانقت النظرات والأحلام والأشواق هناك، وتعانق وهج الحرية والكبرياء والعزة فيما بيننا وهم هناك جالسون يتطلعون نحوي، وأنا هنا في قبضتهم اشحذ لنفسي قوة من زاد صمودهم وعزتهم وكبرياءهم..

هنا في مبنى المحكمة المركزية في الناصرة كانت شمس السابع عشر من نيسان تبعث دفئها في شراييني. حملها معهم الأهل والأصدقاء. هنا أيضا نحتفل بعرس وطني نضالي أخر، فالجولان فينا كما نحن فيه، وحيثما كنا أو نكون يكون الجولان فينا حرا أبيا، عربيا. هنا كان الجولان على موعد مع ناصرة الجليل الحزينة...

كان والدي هناك، وكان محامو الدفاع قد اخذوا أمكنتهم، وكذلك ممثلوا النيابة العسكرية. اقتربت عقارب الساعة من التاسعة تماما، تشابكت عيناي مع عيني والدي، سمعته يقول ويخاطبني: "توقع الأسوأ من هذا العدو، إياك أن تتأمل منه خيرا". فقلت له: "أيعقل ان يكون في حكمهم عدل؟ أيعقل ان يكون هؤلاء القضاة مستقلين عن أجهزة الأمن والمخابرات؟ اطمئن، أنا على قناعة إن هذا المحتل لا يمكن آن يكون عادلا أبداً". فجأة علا صوت احد الحراس، ودخل القضاة واخذوا فورا أمكنتهم المخصصة، ومن ورائهم علم دولة الاحتلال... لم تكن سوى كلمات قليلة مقتضبة، حين أصدر القاضي قرار الحكم: عشرون عاما.... نظرت إلى العينيين اللتان عشقتهما وعشقت الحرية من بحرهما، سمعتها تبوح بصمت قاتل.. ما أظلمك أيها المحتل، خمس سنوات وأنا بانتظار الموعد معه، فكيف لي أن اعد عشرون عاما أخرى، لموعد جديد؟ هل سأعيش إلى ذاك الزمن؟

لن ينالوا مني يا أبي بسنواتهم العشرين. أنا انتظر اللقاء القادم. أعدك أني لن أكون إلا عزيزا على شعبي، وشوكة تفقأ عيون المحتلين. سأصمد أيها العاشق. بلغ أمي تحياتي وقبلاتي، وانقل من دفء هذا اللقاء عناقا حارا إلى إخوتي الصغار أناغيم وميسلون وفداء. لديكم إخوتي في المنزل سند لكم...

الساعة لم تتجاوز الدقيقة الواحدة بعد التاسعة صباحا.. انتهت جلسة المحكمة وخرج القضاة مسرعين من حيث أتوا، وتجمع أفراد الشرطة حولي، يتقاذفون جسدي بقوة ويدفعونني إلى خارج القاعة بعيدا عن الأهل والأصدقاء. استطعت رفع يداي الاثنتين ملوحا لهم بقبضات شديدة تعانق عيونهم وأجسادهم ودموعهم التي انهمرت صامتة موجعة. أعادوني الى مكاني في زنزانة الانتظار أعيد ما شاهدته عيناي من وجوه كانت في القاعة، واستعيد كلمات نطق بها مجرم بلا أي رادع او وازع إنساني أو أخلاقي أو حتى قانوني. وأنا استحضر تلك الدقائق المعدودة، سمعت من داخل زنزانة الانتظار زغاريد وأهازيج فرح وحرية، تعيد إلي حاضر الجولان في مدينة الناصرة، التي ستبقى عربية، أعراس النصر في عيد الجلاء العربي السوري. لم يخفي صوت تلك الزغاريد سوى صوت أجهزة اللاسلكي التي استدعت امن المحكمة، حتى خيم السكوت والصمت من جديد، وبقيت أنا وحدي انتظر من جديد سفرا جديدا لكنه طويل جدا هذه المرة. سألتحق بركب الرفاق الذين مضوا قبل أكثر من إحدى وعشرين عاما، استجمع من ذكرياتهم ذكريات عمري القادم في سجون ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي. فهل ستبقى عجلة الزمن تسحق ما تبقى من سنوات عمرهم لتستكمل دائرتها السابعة والعشرين؟ أم أنها فعلا ستتوقف أخيرا، وتبصر من جديد شمس الحرية. ما زلنا ننتظر جوابكم أيها الأهل والرفاق والأصدقاء، قبل فوات الأوان؟؟

نستطيع أن نختلف، ونستطيع أن نتعارك، لكننا لن نستطيع أبدا فهم حاجة الإنسان للحرية ما لم تسحقنا هذه الحرية في ضريبتها وفرائضها علينا.....

معتقل الجلبوع
6/6/2005

* الأسير وئام عماشة: أسير من الجولان المحتل، يقضي حكما ثانيا بالسجن 25 عاما في السجون الاسرائيلية. تحفظت عليه أجهزة الأمن الاسرائيلية 5 سنوات دون محاكمة، متهمة إياه بالتخطيط لأعمال ضد إسرائيل من داخل السجن، أثناء قضائه محكوميته الأولى بتهمة مقاومة الاحتلال. أصدرت محكمة اسرائيلية حكمها عليه في 17\04\2005 بالسجن 25 عاماً، في جلسة محاكمة صورية استغرقت أقل من 5 دقائق

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات