بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
  داوود الجولاني ..زهرة نيسان
  05/05/2008

 زهرة نيسان

موقع الجولان

 في هذا المساء يجلسان في مقهى بيتهوفن , مقهى لابد أن صاحبه قد سمع الموسيقى الكلاسيكية في غرب اوروبا وشرقها. جلسا يستمعان لا لموسيقى بيتهوفن. وإنما لعازف عود .وهما يرشفان نبيذا رخيصا بقدر ما تسمح جيبة طالب أنهى دراسته الثانوية.

قال احمد لرفيقه" قم بنا نذهب لإشعال شمعة على نصب الشهداء."

 فرد صاحبه: "دعك من هذه الترهات .. رحلت فرنسا وجاءت إسرائيل.. لقد ماتوا دون جدوى..."

وقام من مقعده منصرفا وهو يقول "نلتقي غدا الساعة الخامسة في ملعب كرة القدم." فرد أحمد" ولكن غدا ذكرى الشهداء." لكن صاحبه لم يجب وأسرع خارجا من باب المقهى.

أحس أحمد بخيبة وبأن حزنا سكن قلبه وهو يسمع عازف العود ينشد " يدي تحيات الزهور.. يدي جسر صباح مثقلا بالجروح.." رشف من كأسه قائلا لنفسه" ربما صاحبي لا يعرف أن جدي شهيد فلو كان يعرف فربما كان أشعل شمعة من أجلي." ثم رحل في ذكريات طالما سمعها من والدته وهو يرى فتاة تقترب منه.

"في سنة الثورة كانت جدتك حامل بأيامها الأخيرة, وكان جدك ينتظر بفارغ الصبر ليولد له صبيا يسميه أحمد مثل أسمك حتى جاء يوم بلغه أن الشيخ صافي استدعى شبان القرية إليه .وكان معروفا لدي الجميع أن الشيخ صاف قد اعتزل مخالطة الناس وتفرغ لعبادة الله ... وقد كان حدثا هاما الذي أخرجه من عزلته وجعله يستدعي شبان القرية." جلست الفتاة قبالته وسألت:

" لماذا أنت غارق في سكوت؟ ألا ترى كيف رواد المقهى يرقصون.. ثم أكملت هل تدعونني إلي الرقص ؟

" فأجاب " لدينا متسع من الوقت لنرقص..

ولكني سأحدثك أولا عن دبكة سبقت موت المئات "

 واستطرد مكملا وقد رأى موافقتها ترتسم على وجهها.

 قال الشيخ الصافي: "لقد أشعل الثوار في جبل العرب النار وهذا يعني أنهم يستغيثون بنا في رد الحملة الفرنسية وأضاف لقد رأى الرعيان في جبل الشيخ النيران.. حتى أنهم شموا رائحة الدخان .. " ثم أجهش في بكاء بلل لحيته البيضاء.

 في هذه الحظة قاطعته وقد غمرتها الدهشة "ولماذا بك الشيخ؟" أجاب وهو يدعوها للرقص "لأنه حين ابلغهم أن الرعيان شموا رائحة الدخان قفز الرجال من أماكنهم وأخذوا يدقون أقدامهم علي الأرض ويلوحون بعمائمهم البيضاء, كمن مسهم جنون الموت.. وقتها أدرك الشيخ أنها دبكتهم الأخيرة...".

 حثته على الكلام بعد أن بد لها انه عاود السكوت مستغرقا .ومدت يدها تلامس كفه يده اليسرى بينما كان يتكئ بخده على كف يده اليمنى " قل لي كيف تلقت جدتك خبر التحاقه بالثورة وهي حامل"؟

 أجابها: " عاد في أخر الليل أسرج حصانه, أيقضها من النوم قائلا:

" ضعي حملك في سلام وأرجوا أن تكون بنتا"

 فركت عيناها واقتربت منه, وضعت رأسها على صدره بينما عانقت يدها اليمنى رقبته وهي تقول:

" كنت أحسبك تريده ولدا ". ضمها إلى حضنه وتمتم بصوت ناعم لم تسمعه من قبل:

" أنجبي لي بنتا وسميها زهرة نيسان" قبلت دعوته للرقص وبينما اخذ عازف العود يغني أحست أنه يدق قدميه على الأرض مادا ذراعيه في الهواء وهي بدورها مثل غجرية أصابها مس من عشق.

رفعت ثوبها ما فوق قدميها ودقت بحذائها الصغير خشب المقهى.

 داوود الجولاني

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات