بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
هنا رام الله
  10/11/2004

هنا رام الله
بقلم : ايمن أبو جبل

في دهاليز السياسة العربية الرسمية دفنت الرموز والشخصيات الوطنية والاجتماعية- في الساحات الخلفية لمراكز المخابرات، ولوحقت الأصوات الحرة الداعية للعدل والحرية، ورسمت مواقف التخاذل والخنوع والعمالة الرسمية، في الوقت الذي يعلن فيه، قبل اجتياح الفلوجة أن  عدد شهداء المقاومة في العراق تجاوز ألـ: 100 آلف شهيد من أبناء الرافدين، الذين سقطوا باسم الديمقراطية والحرية. ومع اقتحام الفالوجة يقتحم أبو عمار ضمير العرب المتبقي، في مرضه، ومماته فيما بعد، قبل أن يهتز هذا الضمير، أو يحرك ساكناً، لسنوات الاجتياح والحصار الإسرائيلي عليه، داخل غرفة مكتبه، في مقر رئاسته.
الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يتجسد مرة أخرى في أسطورة عربية جريئة، أسطورة جعلت العالم كله، من حوله، يتساءل عن مصير الشعب الفلسطيني، الذي حاول تغيب وتهميش قائده ورئيسه المنتخب ياسر عرفات، وتجاهلته كل الأوساط الرسمية عربية وأجنبية، بعد رفضه الإذعان لحكومة الاحتلال، والإدارة الأمريكية، بالتنازل، في كامب ديفيد، عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، في قضيتي القدس واللاجئين .

واليوم بعد تشييع جثمان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ومواراته الثرى الفلسطيني،  تبقى هناك غصة عميقة، في تلك الساحة التي تفتقد ساكنها، الذي بقي فيها أكثر من ثلاث سنوات متواصلة، يستقبل ويودع زائريه بيده، وابتسامته ووجهه الشاحب في مدخل الطابق الأرضي لمقر المقاطعة، الذي تحميه عدة أكياس رملية، وجنديين من الأمن الوقائي الفلسطيني.
كان لا ينسى  أبدا أن يودع كل زائر من زائريه بشكل شخصي، لا يخلو من حنان  أبوي دافئ، فيعتبر كل زائر لنفسه أن الرئيس قد خصه بشكله الشخصي، باهتمام قل نظيره في مثل هذه اللقاءات، التي تجمع رئيس دولة، وقائد ثورة، مع زائريه من المواطنين العاديين.
ياسر عرفات، هو رجل قل مثيله بين الزعماء والقادة. فهو من أولئك الرجال الذين عاندوا التاريخ والجغرافيا والواقع، فكان خير رجل لخير ثورة، وخير رئيس لخير شعب عربي عرفته امتنا، بعد فارسها المعاصر الأول جمال عبد الناصر. ربما نختلف حول إنجازات هذا الفارس الفلسطيني، الذي ترجل قبل أيام معدودة عن فرسه، ليبقي من ورائه ساحاته الفلسطينية والعربية تعيش المجهول  الغامض من بعده. وقد نتفق حول شخصيته ومكانته  ونهجه، وأسلوب عمله، وتميزه بكل الصعد، عن أي قائد أو زعيم عربي معاصر. وسيان اتفقنا  ام اختلفنا، تبقى الحقيقة الساطعة، أن ياسر عرفات هو إنسان ليس عاديا، استطاع أن يجعل الإنسان العربي والفلسطيني محط أنظار وتقدير العالم، لكونه القائد العربي الوحيد الذي غير مسرى التاريخ السياسي العربي والفلسطيني المعاصر، على الصعيدين العالمي والمحلي، وجعل من القضية الفلسطينية من قضية لجوء وتشرد وضياع  وتعويض، إلى قضية إنسانية ووطنية وقومية عادلة، تسحق حرية الأمم المختلفة، إن بقي حقها في الوجود والحياة وتقرير المصير، مسلوبا بقرار تلك الأمم.
حالفني الحظ والتقيت هذا الرجل عدة مرات، في مقره المحاصر في رام الله، التي زرتها اكثر من خمس مرات مختلفة، تتنوع بين زيارات التضامن وزيارت عمل، لكنها المرة الأولى التي اقف بها وسط بحر من الجموع البشرية المندفعة، باتجاه ساحات  المقاطعة الخارجية والداخلية، وعلى أسطح ما تبقى من أبنيتها المهدمة، وعلى أسطح البنايات المجاورة، التي قيل أن سعر الطابق الواحد منها بلغ حوالي1500دولارامريكي، استأجرتها بعض المحطات الفضائية ليومين فقط، لتطل على جثمان الرئيس الراحل.
هذه المرة كنت أحد أعضاء وفد الجولان العربي السوري، الذي  شارك في تشيع جثمان الرئيس الراحل. لم تستطع الحواجز الإسرائيلية هذه المرة  منعنا من الدخول الى مدينة رام الله،  وان كانت قد وضعت العراقيل أمام دخول  الاف المشيعين من مختلف أنحاء فلسطين والجولان،  في حاجز بلدة "حزمة"، والحاجز الأول في مدخل بلدة "الرام"، ثم يليه الحاجز الثاني  على أطراف البلدة، ثم حاجز مخيم قلنديا الشهير. أينما اتجهت وتطلعت ترى  حافلات تقل مسافرين، وسيارات خاصة تتسابق، لتأخذ لها موقفا خارج منطقة الحواجز الإسرائيلية.  الجماهير الوافدة  من كل مدينة وبلدة ومخيم، حتى من قطاع غزة دخلها المسؤولين الفلسطينيين راجلين أسوة  بنا نحن، وباقي أبناء الشعب الفلسطيني، رغم وثيقة (في–أي–بي) التي بحوزتهم.  تقدمنا سيرا على الأقدام  تارة، وتارة في سيارات السرفيس، من حاجز الى اخر، والجدار العازل لا يقطع أوصالنا واوصال بلدة الرام  ومداخل رام الله فحسب، وانما كان قد قطع  الطريق المدمرة تماما بين رام الله والرام، في ضواحي القدس، نتيجة التخريب الإسرائيلي المتعمد لأنابيب الصرف الصحي وشبكة المياه. 
تقدمنا وسط هذا الدمار والغبار، ووصلنا مدينة رام الله، إلى حين  تجمع الوفد السوري من الجولان، حيث كان العلم السوري هو الإشارة المتفق عليها بيننا تدل على نقطة تجمعنا، وسط هذا البحر الإنساني المتدفق. عدد من رجال الأمن الفلسطيني، وحملة الأعلام السورية والفلسطينية تتقدمنا، ولم يعلو صوت نديبنا على الرئيس الراحل، سوى أصوات الآذان المنطلقة من مساجد رام الله، يتزامن معها قرع أجراس كنائسها.
كان الجمهور الفلسطيني، المنتشر على جانبي الطريق، يقف شارداً وصاغيا إلى أصوات النديب، الذي اخترق القلوب والمشاعر. ولن أنسى  منظر تلك الصبية الفلسطينية "أنغام"، ابنة الأربع والعشرين ربيعا، من بلدة العيزرية، في القدس، حين اندفعت وسط مئات  الأشخاص  لتلامس العلم السوري، وتقبله، ودموعها اصدق تعبير عن مشاعر الحزن والحب والاحترام التي قوبلنا بها. لقد عمل منظم زيارة وفد الجولان، وهو أحد أبناء الجولان الذين احتضنتهم رام الله منذ سنوات، في سبيل كسب لقمة العيش،  كل ما بوسعه من اجل التقييد ببرنامج مشاركتنا في طقوس تشييع الرئيس الراحل الرسمية، المتفق عليها مع المسؤولين الفلسطينين،  لكن هذا البحر البشري المتدافع، جعل كل برنامج التشييع، الذي قرره القادة الفلسطينيون الجدد، أشبه بالمستحيل، واختاروا أن يشيعه شعبه كما يشييع كل الشهداء، بمشاركة تلك السواعد السمراء، التي غطت فلسطين كلها ببحر من الدموع والدماء.
في مدخل المقاطعة، حيث وصلنا بمسيرتنا الجنائزية، انضم إلينا الاف المشيعين الفلسطينين، يندبون معنا، بصوت واحد، الرئيس الراحل، الذي تعلو صوره، وهو يودع شعبه بالتحية والابتسامة، كل مكان، مرفوعة بين الأيادي، وعلى الجدران وأسطح البنايات، وعلى زجاج السيارات. تناثرنا وسط الجموع المحتشدة، أمام البوابة الرئيسية للمقاطعة، ولولا بعض الحذر لكانت هناك إصابات جدية، للعشرات من المحتشدين الذين يتدافعون لدخول المقاطعة، التي اضطر رجال الآمن إلى فتح بوابتها، لمنع حدوث كارثة إنسانية في هذا اليوم الحزين، الأمر الذي يعني انتهاء لبرنامج التشييع الرسمي للرئيس الراحل.
المسافة بين مدخل المقاطعة الخارجي، وساحتها الداخلية هي أمتار معدودة، لا تتعدى دقيقتين فقط، لكنها تحولت في هذا اليوم ووسط هذا الحشد من الناس، إلى مسافة طويلة جداً، استغرقت اكثر من 45 دقيقة. اقتحم كل من كان هناك البوابة، وتسلقوا جدران المقاطعة، وصولا إلى المكان الذي خصص مهبطا للطائرة، التي تقل جثمان الرئيس  أبو عمار.
رغم كل شئ، نجحنا في الدخول بسلام، واختفت أصوات نديبنا تماما، ولم يتبق أمامنا سوى التمعن في صور الرئيس، واختراق سماء رام الله في عيوننا ونظراتنا، في انتظار الطائرات المصرية. تقدمنا قليلاً نحو مدخل مقر الرئيس، وكان هناك في استقبالنا رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية المؤقت روحي فتوح، حيث شاركناه العزاء في فقيد فلسطين والعرب.
بعد انتظار ساعتين ونصف الساعة، أربع طائرات، تحوم في سماء رام الله: واحدة تحمل جثمان الرئيس، والأخرى تحمل أعضاء الوفد الرسمي المصري، وثالثة تابعة للسلاح الملكي الأردني، رافقت أبي عمار في أخر رحلة له، ورابعة إسرائيلية، تتأكد إن أبو عمار لن يخرج من نعشه، ولن يهدد الأمن الإسرائيلي بعد الآن. قبل هبوطهما حامت الطائرتان المصريتان في سماء رام الله دورتين اثنتين، لتعانق روحه هذه المدينة التي حولها الإسرائيليون إلى خراب. قوات الأمن الفلسطيني تبذل  قصارى جهدها للسيطرة على الموقف، وتؤمن محط هبوط الطائرة، الذي اقتحمته الجماهير المحتشدة. بعد مناشدات أليمة، لذكرى الرئيس الراحل، تهبط الطائرات، ويدوي هديرها أرجاء رام الله كلها، تنزل الوفود التي رافقت الجثمان، وتتقدم سيارة أخرى من إحدى الطائرات، لينقل جثمان الرئيس عليها، يعتلي أفراد الأمن الرئاسي السيارة، ويلتفون حول النعش، ويبدأون في السير باتجاه قاعة المؤتمرات، حيث سيسجى جثمان الرئيس، لم يكن سهلا على الإطلاق التقييد بطقوس التشييع الرسمية، لقد تفجرت كل العواطف الإنسانية في وداع أبي عمار، عاودت السيارة حاملة الجثمان حيث ورى الثرى هناك، ترافقه الدموع والأهازيج والزغاريد الفلسطينية. كان كل رجل أباه واخاه، وكل امرأة أخته وزوجته ووالدته، وكل طفل بكاه وكأنه أبوه.

مات أبو عمار عن عمر يناهز الخامسة والسبعين. لقد كان ياسر عرفات حاضرا كعادته،  وسط هذا الدمار الذي خلفه الاجتياح الإسرائيلي لمقره، كان بصوره الكبيرة، يتدلى من رحم هذا الدمار، وكأنه يشكرنا جميعا على هذا الحضور الكبير في وداعه،  ورائنا كانت سيارة من المفروض أن تقل جثمان الرئيس الراحل بعد وصول طائرته، لتجوب به بين المشيعين في أرجاء المقاطعة، مزينة بالأعلام السوداء والأعلام الفلسطينية وأكاليل من الزهور،  وأمامها يقف عباس، رجل الأمن الفلسطيني، الذي لم يفارق الرئيس منذ أن حاصره الإسرائيليون داخل مقره. اقتربت منه بعد تقديم العزاء، لمواساة دموعه المنهمرة من عينيه. كان يحمل رشاشه بيد، ويمسح دموع عينية بيده الأخرى، ويتطلع إلى صورة الرئيس المتدلية من إحدى مكاتبه، التي لم يتبق منها سوى جداريين اثنين والسقف في الطابق العلوي، حيث اعتاد قبل الحصار والاجتياح على عقد اجتماعاته داخله. عباس  قال انه لن ينسى أبداً، إن  الرئيس كان يسأله عن  أولاده وابنه المريض كلما رآه، "لم افقد الرئيس فقط وإنما فقدت صديقا عزيزا على قلبي، لن ينجب الشعب الفلسطيني إنسانا مثل أبي عمار، لا في هذا الجيل وليس في أجيال أخرى، كان بالنسبة لي الرئيس الصديق والإنسان، فقدناه ولا ادري ماذا سيكون بعد اليوم". قالها ونحيبه اخترق صدري، فهو رجل في الخمسينيات من عمره، اقترب منه زميل له، واحتضنه وسط بكاء الاثنين، وأنا بينهما مسحت دمعة، كانت قد سقطت حين خانتني عيناي.

حكايات وقصص  ودموع كثيرة، كانت تتجسد في مقر المقاطعة في رام الله. ولكل قصة وحكاية وجه جديد من وجوه هذا القائد. عن صداقاته وعلاقاتاته الشعبية والاجتماعية، مع أفراد عائلته الفلسطينية، ومع حراسه وجنوده وضباطه، الذين بقوا معه طيلة فترة الحصار الأول في منافية: من أيلول الأسود في عمان، مرورا في بيروت، وليس انتهاء في رام الله منفاه الأخير داخل وطنه الجريح.

شاركت في لقاء الرئيس الراحل عدة مرات، ضمن الوفود التي جمعته مع أبناء الجولان السوري المحتل، وفي كل مرة كان يبدي اهتمامه الشديد في نضال وصمود مواطني الجولان العرب الاقحاح، كما اعتاد أن يخاطبنا، ولم ينس، ولو مرة واحدة، أن يذكر انه كان قد اتخذ ارض الجولان مقراً له لبعض الوقت، أثناء التحضير لانطلاقة الثورة الفلسطينية، وعمل داخل أراضى الجولان، ليؤمن الذخيرة والسلاح والمساعدات، لهذه الثورة التي تخلدت  بفضل من هو صاحب الفضل الأول، في اختراق الشعب الفلسطيني الذاكرة والوجدان العربي والاممي، لتجعله يقف أمام مسؤولياته الأخلاقية والسياسية والتاريخية، تجاه قضاياه العادلة. ولم ينس أبدا  أن ينقل إلى كل فرد منا، الشعور والإحساس بأنه هو ضيفة الشخصي، وكان خير مضيف، ما يكاد ينهي حديثا إلا ويخوض في حديث أخر، من ذكريات ثائر عرفته الأرض العربية من محيطها إلى خليجها فدائيا فلسطينيا. همه الأول بعضا من الحرية لشعبه واهله ووطنه، في زمن الهبوط العربي. حتى ينتهي موعد الزيارة، لتشعر كم انك بحاجة إلى الجلوس اكثر مع هذا القائد  التاريخي الكبير .
رام الله عصر ذاك، هي الضمير الفلسطيني الحي، هي ضمير كل حر، ما زال يقاوم الرغبة ضد نسيان المقاومة، ونسيان الانتفاضة، ونسيان شلال الدم الفلسطيني، الذي تجسد في نضال هذا الرجل المسجى بين القاهرة ورام الله. عصر ذاك اليوم تحولت رام الله إلى لوحة وفاء وصمود وعز وكبرياء، تغفر لمن تقاعس، وتتساهل مع من سهى عن فلسطين، وتصرخ بأعلى صوتها ضد أولئك المارقين، الذين عاندوا "ختيارهم"، وتجبروا عليه، وعزلوه وحاصروه، حتى مات مسموما او مقهورا، فهو رمز الحياة الفلسطينية التي قهرت موتها المتكرر يومياً، على ارض فلسطين وشتاتها، وقهرت معها حياة ذلها وعارها وخجلها من أبناء جلدتها المستعربين العرب، وبقيت عربية أصيلة، كما عودتنا الحياة العربية، التي دفنت في باطنها كل المكائد والمؤامرات، التي ابتليت فيها، وبقيت حرة، بكل أوجاعها واحزانها وأفراحها.
رام الله: جرحنا لن يندمل، إلا حين يصبح الحلم واقعا، حلم أن تسافري إلى وراء الحدود والأسلاك، وتعودي إلى مسقط رأسك دون سؤال، ودون تفتيش وإذلال، وجدار عازل بين غرف هذا البيت الذي يتوق إلى دفء أحلام الرئيس الراحل في دولة مستقلة، وحرية دائمة، وتقرير مصير محمول بالكبرياء، وقبر صغير للأجيال الفلسطينية تحت تراب القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
 

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات