بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
زياد خداش .... "لين زارتنا، وزرتنا أنت".
  08/08/2008

زياد خداش .... "لين زارتنا، وزرتنا أنت".

داوود الجولاني

لا سمة مميزة لهذا الطفل الذي اقترب مني فجرا، سوى أن في عينيه من السماء ارتاحت نجمتان
قال الطفل لي: "سيزور المخيم في هذي الليلة ضيفان من فلسطين، ولكنه ليس بمقدرة أحد رؤيتهما غيري."
التفت نحو طفل المخيم وأجبته "هل تحسبني أعمى أيها الشقي؟"، قلتها وقد غمرني فجأة نور طاف بدمي بعد أن لامست يدي شعره. فشعرت أن المحبة تسري بعروقي.
قالت نجمتا السماء: "لا... ولكنهما قادمان فوق صهوة الريح دون جسديهما... بعد أن غافلا تصريح المرور الذي أعده الجندي الاسرائيلي بحجة أن الشعر يؤسس للفرح".
نظرت حولي لأجيبه: "إن الجندي شديد الغباء، فكيف لشعر لا يجيد تحضير وجبة طعام لجائع، أن يؤسس لفرح ما.."
ولكنه اختفي مثل غبار المخيم.
انشغلت طول النهار بشرب القهوة والكسل، والهروب من أعين المرشدين وإدارة المخيم مختبئا بوهج الشمس، حتى فلشت ليلة جولانية شعرها الأسود فوق جسد، أثار شهوة الضباب والريح. فقدما صاخبان مثل عاشق مهووس بحبيبة..... ومر النهار وجاء ليل.
التفت إلي الوراء، كانت يده تهزني، وهو يقول "لقد جاءت لين أبو بكر من رام الله، إنها هناك تحت شجرة التفاح تقف حزينة... ألا تشعر بأن أغنية حنين طرية حطت هذا المساء علي كتفي ليلة جولانية." ثم أكمل: "أنها هناك وراء الجدار تخاف الخيم وتكره العراء مند عام 1948..". ثم حثني بعد أن لاحظ الاستهجان في نظراتي المنصبة عليه: "أرجوك.. صدقني... لقد جاءت،.. أدخلها المخيم وهدئ من روعها...".
لين أبو بكر تجلس في خيمة وسط أطفال من الجولان وتقول: "أنا من فلسطين جئت إليكم، الدبابات داست جسد أخي. والجرفات دمرت أشجار بيتي، وقسموا قريتي بجدار طويل. ولكني خبأت الزهور بثنايا قلبي، فقاموا بقية من أهلي بتفصيل الثياب وغطوا الزهور بحجة أنها مغرية وفاتنة مثل شفاهي".
ثم غلب لين البرد والنعاس ونامت.
قال طفل المخيم: "هل صدقتني الأن.؟"
قلت: "نعم... ولكن أين الزائر الأخر وما أسمه؟"
قال: "هو زياد خداش، ولقد ارتدى قميص من "فلسطين إلى الجولان" حاكته من أوراق التفاح والكرز والتين، أصابع شذى وشفاء ورندى.. وغيرهن.. وغيرهم كثر.... وهو يجلس الان في قاعة الجلاء يلقي نصا كتبه بحبر اللغة المنثورة في أزقة القدس القديمة.... فاذهب لتراه."
قلت: "أهو وحده؟".
قال الطفل: "معه نجوان درويش، وياسمين ظاهر، وداليا طه، وبشير شلش... ".
صافحني زياد وقال: "يا جولان أيتها العربية حتى الحزن، النظيفة حتى السماء، الجميلة حتى الجراح،....... هأنذا أقف بحزن على بابك..، أنا وشجرة زيتون صغيرة...".
خرجنا من قاعة الجلاء ثم جلسنا حول موقدة أشعلها حراس المخيم أمام خيمة، نامت فيها لين أبو بكر. بينما سهر طفل المخيم يكش ويبعد عن وجهها همسات الليل الباردة, بغطاء أخذه خلسة من جدائل ميس وخوله ويارا.
قال الطفل: "زياد لا تحزن.. سنزرع الزيتونة فوق أرضنا مثل الوشم. وسنلاحق الثلج ونبعده في الشتاء عن غصونها، وسنهديك شجرة تفاح لتصنع معجزتك الشعرية.. وسنطعم من ثمارها الزكية أعدائنا، لعلهم يشفون من وهم الوعود في كتب التوراة والتلمود.. وسنعلمهم أن يفرحوا بدلا من الوجل والخوف حين يشاهدون كيف ندبك ونرقص في فيلم "عرس الجليل لميشيل خليفة"...ِ وأضاف زياد لا تيأس: "هو الشعر محاولة لبناء زورق يسع الجميع، والشعر هو مقهى رواده راقصون ومغنون،.. وهم يا زياد.. عابرون مثل قول "محمود درويش".... وسيفوتهم الرقص والإبحار معنا.."
قال زياد الكلام لي الآن... وهم به.....
لكن برد ممزوج بنور الفجر، أقلق نوم لين، فحملها زياد فوق كتفيه، وانصرف ملوحا بيديه وهو يقول: "...لماذا يخيفهم أن نلتقي؟ ألهذا الحد يبدو رقصنا وشعرنا ورسمنا وأغنياتنا ... إشارة متماسكة وعلامة عميقة على قدرة الفنون على إرباك الغطرسة الاحتلالية وإقلاق نومها الأسود.."
قال الطفل: "............................" . الطفل لم يقل شيئا لأنه رحل مع شعاع النور القادم من الشرق.
ملاحظة :زياد العذر منك إن لم أوفق باستعارة سطور نصك "الوقوف بحزن على بابك يا جولان".
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات