بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
الرجل الذي فقد ظله
  01/11/2008

الرجل الذي فقد ظله

داوود الجولانيِ
لم يعبث بجسده أي مرض، يفسر سبب هذا الشحوب في وجهه والوهن الذي يسير مع ركبتيه. وكانت فكرة أن هذا اليوم هو يومه الأخير أبعد من أن تمر بمخيلته.
انتعل حذائه وهو يجيب زوجته لسؤالها: "ألا تتناول الغداء مع الأولاد اليوم؟."
-"هل نسيت أن ابن فلان سيتزوج؟.. فمقابل الخمسين شاقل التي سأضعها في الصندوق الأبيض هناك غداءً دسما."
ثم خرج من منزله متجاهلا قولها: "ألا بنفع أن تأكل مع الأولاد وتنقط دون أن تأكل على مائدة والد العريس..؟".
أوسع والد العريس تقبيلا، وحتى العريس الذي لا يعرفه والذي بدا متأففا من كثرة التمجيق والقبل الذي حصل عليهم دون رغبة منه. وأخذ يراقب المائدة الطويلة الممتدة فوق الشارع والتي منعت حركة المارة والسيارات. وحين لاحت له الفرصة ورأى كرسيا فارغا قفز مثل جندب. لكن رجلا أكبر منه سنا سبقه فتراجع إلى الوراء وهو يبش ببسمته مثل أي رجل متحضر وفي داخله تشتعل الشتائم.
أخيرا أكل... ثم أكل حتى سال الدهن من بين شفتيه، ولم يعد قادرا على التهام أي قطعة لحم، لضأن أو عجل. ثم قذف في فمه قطعة من الكنافة, ثم تلفت حوله وكأن أحدا لا يراه، ابتلع قطعة ثانية ألحقها بقرن موز غليظ.
وانصرف دون أن يغسل يديه رامقا والد العريس بنظرة تمنى فيها أن يكون النقوط قليلا وأن يرمى ما بقي من لحم في المزبلة.
اقترب حلول المغيب فقرر المشي قليلا في شوارع القرية. لم يكن يعرف أن تجواله سيقوده إلى
حقيقة كان يشعر فيها. ولكنه لا يقدر فهمها وتحديدها بكلمات واضحة.
فأن شعوره أنه تحول إلى اسطوانة هواء تقودها قدمان. وانه صار لا يؤمن بأي هدف أو مغزى لحياته. لم يكن ليشكل لديه انزعاجا خاصا، مقارنة بما اكتشفه لاحقا.
شاهد في تجواله امرأة تشطف بالماء أمام منزلها. فرأى وهي تنحني وهو يراقبها من الخلف فخذين يلمعان من الجمال والصبا. فتوقف وبادرها الكلام وهو يركز عينيه في قميصها المفتوح قليلا: "أين فلان؟."
فأجابته: "انه نائم.....أدخل لشرب القهوة وسأنبهه من نومه."
ولكنه اعتذر معللا بأنه في عجلة من أمره وانصرف بينما بقيت في عينيه ملامح فخذي زوجة صديقه.
ثم التقى في تجواله عجوزا مسنا يستند على عكاز خشبي. فتقدم منه وقبل يده ثم انصرف عنه وهو يدعو في سره: "ليت هذا العصا ينكسر، فيقع ويحطم انفه وقدميه حتى يسيل دمه.. جزاء ما اقترف بحقي عندما شهد ضدي بأني المعتدي على أرض جاري."
أستمر في المشي والصمت. حتى التقى بسيارة شرطة تقف بجانب شاب من القرية وكان واضحا من حركات يدي الشاب انه يناقش الشرطي بمودة. فتبادر إلى ذهنه ما سمعه في أخبار الجزيرة عن وساطة تركية لإحلال السلام بين الجمهورية العربية السورية وبين المستوطنة الإسرائيلية، فأحس فجأة بحقد شديد على الأتراك جميعا لم يعرف سببه. وحلله ربما لأن جد جده مات في السفر برلك. ولكن هذا التحليل لم يقنعه كثيرا فقال: "المهم أني لا أحب تركيا وسأبحث عن السبب لاحقا."
واستمر في المشي وكان الظلام قد حل وأنيرت المصابيح الضوئية، فقال وهو يشاهد طفلا يركض نحوه: "لقد فعلها أخيرا المجلس المحلي وأنار الطرقات.".
وقف تحت عمود الكهرباء وهو مقتنع أن هذا الطفل الراكض من بعيد يتجه نحوه.. انتظر ولم يصل الطفل.. ثم انتظر ولم يصل الطفل... تلفت حوله فعرف أنه فقد شيئا..... فأحس بضيق في التنفس وكأن اسطوانة الهواء بدأت تنفذ.. وحين مر الطفل من أمامه ولم يتوقف خرجت من فمه كلمات مبحوحة وغير مفهومة رافقها نحيب جلس في عينيه.
"قد كنت أشبهه... والان فقدت ظلي..".
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

الشاعر زكريا العمري

 

بتاريخ :

04/11/2008 08:50:18

 

النص :

في منتهى الروعة تحياتي لك zakariaalomari@yahoo.com