بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
الغجر .. هنا باقون
  22/11/2005


الغجر .. هنا باقون

بقلم: أيمن أبو جبل


ما زالت قرية الغجر تعيش أجواء الحرب، حربا هم لم يتصورها يوما، حربا فرضت عليهم عنوة نتيجة لهذا الصراع التاريخي، وتسوية الحسابات الدولية، التي تحاول إسرائيل زج حياة الأبرياء فيها .. أبرياء لا ذنب لهم سوى تمسكهم في العيش بكرامة وحرية فوق ارض آباءهم وأجدادهم .. أهالي قرية الغجر ما زالوا محتجزين في بيوتهم، وملاجئهم درءا للقذائف والصواريخ والرصاص ، لكنها الحرب لا تأبه لصراخ أطفال المدرسة وخوفهم وبكائهم والآلام جوعهم وشوقهم إلى أمهاتهم أثناء القصف.. إنها الحرب التي تحرق وتدمر وتقتل وتجرح،وتسير فيها الحياة على عادتها دون الالتفات ولو قليلا إلى ما أحدثته من تشوهات وأضرار في النفوس  والممتلكات والاحلام.

قرية الغجر كانت قبل ايام قليلة فقط، تبحث هناك، في اتون النزاع عن صوت وضمير يلبي نداءاتها، في توفير المزيد من مياه الشرب، إلى بيوتهم بعد ان شحت كمية المياه المستحقة لهم من نبع الوزاني،بعد تقاسم مياه النبع مع  مختلف القرى والبلدات اللبنانية المجاورة، يحاولون عبثا إيجاد سندا دافئاً أو وجدانا، يكون صوتا لهم لصون حقا لهم في مياه هي في الأصل كانت لهم.. ولكنها الحرب فرضت موازين جديدة، واختلافات جديدة.. انها الحرب التي أبعدت كل الأنظار عنهم والتفتت إلى ترتيبات المنطقة الدولية الجديدة، ولكنهم وحدهم ما زالوا يتطلعون إلى تلك التصدعات التي حدثت بين وطنهم وأشقاءهم في لبنان أملين أن لا يكونوا هم أنفسهم جزءً من هذه الترتيبات وتلك التصدعات التي سيدفعون ثمنها من احتياجاتهم الأساسية، ومن بحر أحلامهم الكبير في العيش بهدوء وطمأنينة في حضن وطنهم...

يوم امس كانت سماء الغجر مضاءة بالصواريخ وقذائف الدبابات، لكنهم الأطفال والنساء والشيوخ في القرية امضوا ليلتهم في عتمة الملاجئ في برودة تشرين القارصة، لم يدفئهم سوى ايمانهم بحتمية انتهاء واقعهم المرير في ظل هذا الاحتلال الطويل، حين كانت نساء القرية يعدن طعام الغداء في انتظار عودة الرجال من أعمالهم في المستعمرات الإسرائيلية القريبة، وعودة الأطفال بعد يوم دراسي طويل في مدارس القرية، كانت دوريتين إسرائيليتين من نوع " هامر" تقتحمن الجزء الشمالي من القرية، في محاولة للفت الأنظار الدولية نحو دمشق، وتحميلها مسؤولية دعم المقاومة الوطنية، لتحقيق المزيد من الضغوطات الدولية عليها بعد افتضاح زيف تقرير المحقق الدولي في قضية اغتيال رفيق الحريري، وافتضاح امر شهادات الزور وشراء الذمم التي تضمنها هذا التقرير، لخلق وقائع دولية وعربية ومحلية جديدة، تضمن لإسرائيل الحق في ترتيب المنطقة بشكل يتلاءم واسترتيجية تعزيز هيمنتها وسيطرتها في المنطقة. ووفق الرؤية الإسرائيلية فان الحارة الشمالية من قرية الغجر، التي انسحبت منها في حزيران العام 2000، هي أرضا لبنانية، الأمر الذي أيدته الأمم المتحدة وتعاملت معه الحكومة والمقاومة اللبنانية، دون اي اعتبار لتطلعات وامال ورغبات سكان قرية الغجر العرب السورين، الذين يعيشون منذ اجيال واجيال فوق ثرى ارضهم العريقة. وحين تنتهك إسرائيل سيادة الأرض اللبنانية فان الرد الطبيعي للمقاومة الوطنية اللبنانية هو تصدى رجالاتها لهذا الانتهاك ، ولكنها إسرائيل كعادتها اتهمت رجال المقاومة بالبدء في المعركة، والتخطيط  لخطف جنود إسرائيليين من داخل قرية الغجر.

لا تحتاج المقاومة الوطنية اللبنانية إلى أي قرار أو توجيه من سوريا او إيران، او اي جهة كانت، في ممارسة حقها المقدس بالدفاع عن أرضها ووجودها، وكما لا ينقص المقاومة الوطنية الوسائل والأدوات النضالية والثورية، إن أرادت اسر جنودا إسرائيليين لمبادلتهم بأسرى عربا في السجون الإسرائيلية، بعيدا عن تعريض حياة الأبرياء إلى الخطر، وتعاملها السابق يثبت ان حرص المقاومة على حياة الأبرياء كان على الدوام في أولى الأولويات الوطنية والإنسانية.

الغجر بكافة أجزاءها وكافة حاراتها وأزقتها هي عربية سورية، هذه حقيقة غير خاضعة لأي جدل سياسي أو تاريخي، ولكنها لعبة مراكز القوى العالمية ومن بينها إسرائيل فرضت واقعا مريرا يدفع ثمنه الأبرياء من المدنيين العزل والرابح الأوحد ، إسرائيل وجشعها في طرد وتهجير سكان الغجر، للاستيلاء على أراضيهم التي تقدر بأكثر من 12 ألف دونم.. تلك الأراضي التي جهزت لها إسرائيل شبكة خطوط مياه تصل اليها وقت الحاجة، متجاهلة الحاجة الأكبر في توفير هذه المياه للسكان قبل الأرض..

الغجر صباح اليوم تلملم جراحها من جديد، وتختزن أحلامها ، وعيونها ما زالت تشع بريقا من الأمل والحياة والعيش بكرامة، فبلد أنجب هذه النفوس الغيورة، التي جازفت تحت القصف،وتبادل اطلاق النار من اجل إنقاذ الأطفال من مدارسهم وإعادتهم الى بيوتهم،بعد ساعات من البكاء والصراخ والخوف، والخروج ليلاً لتفقد أحوال الناس في بيوتهم وطمأنتهم، والعمل من اجل إعادة الخدمات الأساسية للسكان، من كهرباء ومياه وطعام، تستحق الحياة، وتقديم كل آيات الاحترام لرجالاتها وأبنائها..ولكنها تبقى حقيقة الواقع أقسى واكبر من كل الكلمات والأوصاف، واقع أن تحيا من اجل أن يبقى الوجدان حياً في الإنسان..
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات