بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
مقالات في الفكر التربوي- الامومة
  26/04/2004

مقالات في الفكر التربوي
(1)
إعداد: يوسف السيد أحمد
الأمومة


تعريف التربية:
يعتقد Herbart أنَّ علم التربية هو : " علم يهدف إلى تكوين الفرد من أجل ذاته، وبأن توقظ فيه ميوله الكثيرة "
أمّا Durkheim فيرى فيها " تكوين الأفراد تكويناً اجتماعياً "
أمَّا الفيلسوف النفعي J. Mill فيرى أنَّ التربية هي " التي تجعل من الفرد أداة سعادة لنفسه ولغيره ".
ولكن John Dewey يرى أنَّ التربية " تعني مجموعة العمليات التي يستطيع بها مجتمع أو زمرة اجتماعية ، أن ينقلا سلطاتهما وأهدافهما المكتسبة بغية تأمين وجودها الخاص ونموهما المستمر . فهي باختصار" تنظيم مستمر للخبرة ".
1- وظيفة الأسرة :
إنَّ الوظيفة الأساسية للأسرة هي توفير الأمن والطمأنينة للطفل، ورعايته في جوٍّ من الحنان والاستقرار والمحبة، إذ يعتبر ذلك من الشروط الأساسية التي يحتاج إليها الطفل كي يتمتع بشخصية متوازنة، قادرة على الإنتاج والعطاء.
فمن حق الطفل أن يكبر في جوٍّ مفعمٍ بالمحبة ، وفي أسرةٍ يحكم علاقاتها التفاهم والثقة.
إنَّ التنشئة الاجتماعية ، هي عملية تربوية تقوم على التفاعل بين الطفل والأسرة. على هذا ، فالوظيفة الأساسية للأسرة هي تعليم الطفل على المبادئ الأساسية لثقافة الجماعة ولغتها وقيمها وتقاليدها ومعتقداتها. وهذا كفيلٌ بتهيئة الطفل للدخول في الحياة الاجتماعيَّة من بابها الواسع،ويمكِّنه من السلوك بطريقة متوافقة مع الجماعة، والتكيف مع الوسط الذي يعيش فيه.
وهناك الكثير من البحوث المختلفة التي أجريت، والتي تشير إلى أهميَّة الشعور بالاطمئنان في المراحل المبكِّرة من حياة الطفل، ليستطيع الوقوف في مواجهة المثبِّطات
والسلبيات في مراحل لاحقة من العمر. فالتعامل مع الطفل بإيجابية ومحبة ، واحترام فرديته ، يساهم في تفتح شخصيته، وتنمية قدراته الإبداعيَّة ، وهذا موكولٌ بالأسرة التي تستطيع أن تهيئ له فرصة التعبير عن أفكارٍ جديدةٍ وإيجابية، وتوفر له فرص القراءة والمناقشة وطرح الأسئلة.
2- أساليب التنشئة الاجتماعيَّة :

تختلف طرق التنشئة في كل المجتمعات، أما المجتمع العربي ، فتتميَّز فيه طريقتان:
أ ) النهج القائم على الحوار مع الطفل ، واحترام مشاعره وآرائه ، وأخذها بعين الاعتبار،والإصغاء إليه، وترك الحرية له للتعبير بحريَّة عن أفكاره ،فإذا ساد جو الأسرة نوع من الديمقراطية والتسامح ، كان السبيل ممهداً لإقامة علاقة أسرية صحيحة ومتماسكة، شرط أن يكون الطفل طرفاً فاعلاً فيها،مما يمكِّنه من النمو والتفتح، وتنمية الاستقلالية والاعتماد على الذات، وتعزيز الثقة بالنفس، على ألاّ تصل إلى الخضوع لرغبات الطفل ، والانقياد لأهوائه في ما يطلب ويرغب ، بل في مشاركته بالقرار الذي يتعلق به.
ب‌) وهناك طريقة الاستبداد والتسلط التي تعتمد على القمع والقسوة ، بحيث يتم توجيه الطفل، وفرض الأمور عليه ، وقتل روح المبادرة والاستقلالية في ذاته. وهذا من الممكن أن يؤدي إلى ثورة الطفل وتمرده ومعارضته المستمرة، لكل ما تريد الأسرة منه أن يفعله، وهذا النمط من التربية ي ترك آثاراً سلبية في شخصية الطفل التي قد تستمر إلى مدى بعيد ، بشكل عُقد نفسيَّةٍ تتحكم بسلوكه وتفكيره على المدى البعيد ، وقد تؤثر هذه الأساليب في قدرة المراهقين على التكيُّف وعلى صحتهم النفسيَّة . وقد خَلُصَ الدكتور سعد الدين ابراهيم _ الباحث التربوي الكبير _ إلى القول:
" إنَّ التنشئة الاجتماعيَّة في الأسرة العربية، بالرغم من أنَّها توفر بعض المقومات الضروريَّة للإبداع ، إلا أنَّها تُجمِّد أو تدمِّر معظم المقومات الأخرى. والمشكلة الأصعب هي : " اجتماع سِمَتي التسلطيَّة والتقليديَّة المحافظة وتفاعلهما معاً " وعلى هذا الأساس، تُعتبر الأسرة العربية نموذجاً مصغَّراً للمجتمع العربي ذاته ، ويُعتبر المجتمع نموذجاً مكبَّراً للأسرة . ومن ناحية أخرى نجد أنَّ مؤسسات المجتمع الأخرى _ وخاصة المدارس _ تُغذِّي وتدعِّم ما بدأته الأسرة مع أبنائها في مرحلة الطفولة المتأخرة ، وترسِّخ هذا النمط من التربية.
3- العلاقات الزوجيَّة وسلوك الطفل :

أظهرت الدراسات الكثيرة وجود علاقة بين اضطراب الطفولة ، وبين بعض خصائص الحياة الأسريَّة:
- كعدم التفاهم بين الأبوين.
- أو الانفصال بينهما.
- أو رفضهما للطفل .
ومن أكثر الأمور خطورة في تاريخ الأسرة والتي تسيء معاملة الصغير ، هو انتقال ظاهرة القسوة ، وإساءة معاملة الطفل من جيل إلى جيل.
ومن أهم العوامل المؤثرة في سلوك الأهل تجربتهم السابقة مع أهلهم، فالتجربة التي تتميز باللَّطافة ، وشعور الطفل بأنَّه موضع الاهتمام والمساعدة ، تبقى حاضرة في الذهن ومؤثِّرة في السلوك عندما يصبح الطفل بدوره أباً أو أمَّاً . ( دراسات قام بها المربي Sluckin 1983 ) فكلَّما ساد التفاهم والصداقة بين الزوجين ، وسيطر التناغم في العلاقات الزوجيَّة ، كلَّما اتَّسمت حياة الطفل بالاستقرار والسويَّة، فالتوتر والتأزُّم المتكرر في العلاقات الزوجيَّة يرتبط بمستوى منخفض من الكفاءة في أوضاع الطفل من قِبل الأم.
( دراسة الباحث Pedeson 1982 )
في غالب الأحيان يلجأ الأهل ذوو المشكلات الزوجيَّة الحادَّة، إلى استخدام العقوبات الجسديَّة، ونادراً ما يعتمدون الحوار المنطقي مع الطفل في استراتيجيتهم التربوية. وكثيراً ما تؤثر العلاقات الزوجيَّة المتوترة في ارتفاع نسبة جنوح السلوك عند المراهقين.
4- تأثير العوامل الاجتماعيَّة في سلوك الأهل:
يتأثر سلوك الأهل ( الأب والأم ) بشروط البيئة والثقافة والمعتقدات السائدة والقيم الاجتماعيَّة. فهذه العوامل في العادة توجِّه سلوك الناس في حياتهم اليوميَّة ، فيفرضه الأهل بدورهم على الأبناء. وهناك أيضاً الخصائص المهنيَّة لعمل الأب أو الأم، فالآباء الراضون عن عملهم هم أكثر نجاحاً من غيرهم بدورهم كآباء ، ويميلون إلى اتباع استراتيجيَّة الحوار والديمقراطيَّة مع الطفل بدلاً من استخدام العقاب الجسدي، وكذلك الأم العاملة تختلف عن الأم غير العاملة في طموحاتها وفي آمالها التي يكون الطفل موضعاً لتحقيقها. واختلاف الأساليب المتَّبعة من قِبل الأهل يؤدِّي إلى فروق نمائيَّة عند الأطفال.
5- ابتعاد الأم ، والعوارض الناتجة عنه:
في تقرير لمنظمة الصحَّة العالميَّة قدَّمه المربي الكبير بولبي Bowlby توصّل إلى النتيجة التالية: " إنَّ التوازن العقلي للطفل يرتبط بضرورة تمتُّعه بعلاقة حميمة ومستقرة وثابتة مع أمِّه أو مع المرأة التي تحلُّ محلها بشكلٍ دائم، علاقة تمكِّن الطرفين من العيش بسعادة ورضى "
ثمَّ قال : " إنَّ اضطراب الشخصيَّة والعصاب ، تكونان غالباً نتيجة الحرمان من غياب الأم، أو نتيجة لعلاقة منقطعة زمنيَّاً وغير دائمة بين الطفل والأم ".
ولقد أظهرت الدراسات أنَّ الطفل الذي ينفصل عن الأم عند عملها نهاراً خارج المنزل خلال السنة الثانية من العمر، يتأثر بطبيعة العناية التي يتلقاها في غياب الأم. إنَّ الأطفال الذين يكونون في رعاية أشخاص متغيرين ، يبدون أكثر قلقاً واضطراباً وأقل شعوراً بالأمن.لأنَّ الأطفال الذين يعانون من نظام مضطرب ، يشعرون بفقدان الأمل، وسرعان ما يفقدون التعلّق ، ولا يظهرون اهتمامهم بالآخرين، ولا ثقتهم بهم. وغالباً ما يتميَّز سلوكهم بالعدوانية، وعدم الطاعة ، والعناد المفرط. ( من دراسات الباحث Bowlby 1969 )
من هنا يتبين أنَّ دور الأم بالغ الأهميَّة في تربية الأطفال ؛ لأنها أكثر التصاقاً بالبيت
والطفل من الأب، ولأنَّ عاطفتها أقوى وأقرب إلى قلوب الأطفال، والأم مهيأة بدافع الأمومة - هذا الدافع العضوي القوي - لرعاية الطفل، والتضحية من أجله براحتها ونومها وهي راضية.
ونظراً لأهمية دور الأم في تربية الأطفال والتنشئة الاجتماعية، اتُّخذ في كثير من دول العالم المتحضِّر قوانين وتشريعات تركِّز على دور الأم . فمثلاً:
- في اليابان هذه الدولة الصناعيَّة المتقدِّمة ، اتخذت قراراً يُلزم كل فتاة مقدمة على الزواج، أنْ تدرس سنتين موضوع التربية وعلم النفس حتَّى يُسمح لها بالزواج؛ وذلك على أثر إجماع المربين على المقولة التربوية لأحد المربين :
" إذا أردت أن يكون لديك أطفالاً مثاليين، فعليك بتربيتهم قبل أن يولدوا بعشرين سنة " وعندما سُئل : وكيف ذلك ؟ قال: " ربُّوا أمهات الأطفال " .
وقد صدق الشاعر حين قال:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها أعددتَ شعباً طيِّب الأعراقِ
وعلى هذا الأساس لا بدَّ من إبراز بعض الظواهر التي تؤثر سلباً على تربية أطفالنا. وهي :
أ ) التسامح المفرط في الطفولة المبكِّرة مما يُشعر الطفل بالأمن والطمأنينة ، ثمَّ محاولة ضبط السلوك بطريقة قسريَّة في الطفولة المتأخرة، مما يؤدي إلى التمرُّد عند الطفل، وعدم التوازن في سلوكه فيما بعد.
ب) عدم المتابعة من قِبل الأبوين لمتطلبات الطفل بعد أن ينمو ويكبر ، وعدم معرفة الطريقة الصحيحة للتعامل، قد يخلق بعداً وانفصالاً بين الطفل وأبويه، ويعود بالسلب على سلوكه.
ج) المغالاة في تطبيق مقولة: " إن كِبر إبنك خاويه " قد تسيء في بعض الأحيان ، بحيث يكتسب الطفل في مراهقته سلوكاً غير سوي ، ولا تستطيع أن تردعه عنه فيما بعد.
د) محاولة بعض الأمهات التفلُّت من التزاماتها في البيت وفي تربية الأولاد ، والخروج للعمل أو لإكمال تعليمها الذي حُرمت منه لأسباب مختلفة، أو للقيام بأيِّ نشاط اجتماعي معيَّن ،أو لإيجاد نفسها وإرضاء ميولها، وقد يكون بدافع الغيرة من صديقاتها، أو للشهرة وإثبات الذات ، كلُّ ذلك يمكن أن يسبب البعد عن البيت والأولاد ، مما يسبب انحرافهم في بعض الأحيان ، وقد يؤدي إلى ابتعاد الولد نفسه ( إن كان ولداً أو بنتاً ) عن الأسلوب الذي وُضع له في البداية.
6- خلاصة القول :

يقول البعض: " لقد تساهلنا مع ولدنا ، وتركناه على حريته ، وها هو انتهى نهاية غير مقبولة
. فلم يكن فالحاً في دراسته، ولا ناجحاً بمستقبله .
ويقول البعض الآخر: لقد مارسنا الشدَّة على ولدنا، وراقبناه مراقبة شديدة ، وفرضنا عليه تربيتنا ، ولكنه، أصبح منعزلاً في البداية ثمَّ ما لبث أن تمرَّد وثار علينا ، فالأفضل دائماً أن لا ( تكن صلباً فتُكسر ، ولا ليِّـناً فتُعصر ) فعلى المربي أن يعرف متى يتشدد ، ومتى يلين أو يتهاون . ولكل ولد أو بنت طريقة مختلفة بالتربية،
لقد سمعت إحدى الأمهات _ وعندها ولدان ، كلٌّ منهما بطبعٍ مختلفٍ عن الآخر ، أحدهما ليِّن هيِّن لا يكاد يُسمع صوته ، والآخر متسرِّع عصبي ، ويستطيع الحصول على حقوقه بسرعة وبالقوة _ كانت هذه السيدة تقول: " غريب طبع ولديَّ ، فقد ربيناهما بنفس الطريقة، وبالمساواة ، ولم نحصل على نفس النتيجة.
من المؤكد أنَّك لن تحصلي على نفس النتيجة ، صحيح أنَّ المربي يجب عليه أن يلتزم بالمساواة بين أولاده ، ولكن الطبع ليس واحداً في كل الأولاد ، وبالتالي لكلٍ طريقته في التربية بناءً على طباعه ، إضافة إلى مراعاة مدى حساسيته واستجابته.
ــــــــــــــــــــــــ

7- المراجع:

1- قنطار ، د. فايز ( 1990 ) الأمومة نمو العلاقة بين الطفل والأم . عالم المعرفة . الكويت .

2- دوركهايم، إميل (1992 ) التربية والمجتمع . دار الوسيم للنشر . ترجم الدكتور علي وطفة.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات