بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
أين نحن من واقعنا اليوم؟ وأين ماضينا في حاضرنا؟
  10/03/2009

أين نحن من واقعنا اليوم؟ وأين ماضينا في حاضرنا؟

بشار طربيه

أود أن أستهل هذه المداخلة بتوجيه الشكر للصديق منير فخرالدين على مقالته التحليلية العميقة "نحو نهضة وطنية جديدة (في صراع الأرض والهوية)" التي اختار أن يصدرها عشية الذكرى الثامنة والعشرين للاضراب الكبير عام 1982. ومداخلتي هذه تستوحي موضوعها من مقالة منير وتهدف الى البناء على أسسها الغنية وتسليط عدسة التحليل الى جوانب إضافية وربما مكملة لما يطرحه منير بقوة وإلحاح.
وأرجو أن تقرأ هذه المداخلة فقط كمقدمة لأربع مقالات مقتضبة سأحاول أن أنشرها في المواقع المحلية في الأسابيع القادمة، الأولى تعالج الحياة الاقتصادية لمجتمعنا والتحولات التي مر بها منذ بداية الاحتلال وحتى الآن، والثانية تعالج البنى وأنماط العلاقات الاجتماعية السائدة اليوم في مجتمع الجولان والتحولات المفصلية التي مرت بها على مدار فترة الاحتلال، والثالثة تعالج تاريخ النشاط السياسي في مجتمعنا منذ بداية الاحتلال وكيف أثرت التحولات الاقتصادية والاجتماعية في قرانا على أنماط العمل والتنظيم السياسي التي انتهجناها في مراحل الاحتلال المختلفة، والرابعة هي قراءة للتحولات الثقافية العميقة التي يمر بها الجولان اليوم وعلاقتها بالاحساس بأن مجتمعنا يعاني من أزمة سياسية واجتماعية.
هذه المداخلة والمقالات اللاحقة هي أيضا دعوة لحوار جدي غير موتور أو محكوم بأي ممنوع من الطروحات، من أجل اعادة النظر في اصطلاحات وتحليلات هيمنت منذ أعوام في الخطاب السياسي في الجولان تقول بأن مجتمعنا يعاني من مجموعة أزمات: "أزمة تفتت اجتماعي" أو أزمة "وحدة وطنية" و"أزمة انحسار العمل الجماهيري" و"أزمة قيادة" أو "فراغ قيادي" وأن هذه الأزمات قد أنتجت تراجعا في الحالة الوطنية في مجتمعنا.
فمنذ بداية التسعينات سادت حالة عامة من عدم الرضى عن الواقع السياسي في الجولان وارتفعت أصوات كثيرة تقول بأن مجتمعنا يواجه حالة من "التراجع الوطني" يمكن تحديد معالمها في انحسار المشاركة الجماهيرية في المظاهرات السياسية وفعاليات المؤسسات التي كانت نشطه في حينه، وخصوصا رابطة الجامعيين والنوادي الرياضية. وبدون شك، يمكن القول بأن عقد الثمانينات هو العقد الذهبي من حيث المشاركة الجماهيرية الواسعة في مقاومة الاحتلال.
وبين بداية مفاوضات مدريد وفشل مفاوضات أوسلو تقلصت المشاركة الجماهيرية في النشاط السياسي في الجولان مما حدى بالكثير من النشطاء والمعنيين الى دق ناقوس الخطر بأن مجتمعنا على وشك أن يخسر الكثير من الانجازات التي حققها في الاضراب الكبير والسنوات الثمان اللاحقة. ومع حلول القرن الواحد والعشرين، وصل التوتر السياسي محليا الى درجة ارتفاع أصوات كثيرة تقول بأن مجتمعنا يعاني من "أزمة قيادة" أو "فراغ قيادي."
في ذات الوقت، شهدت التسعينات والعقد الحالي ظهور كم كبير من المؤسسات الجديدة حاولت بعضها أن تنشط في عدة تخصصات كالجولان للتنمية (الجمعية العربية للتطوير سابقا) ومؤسسة قاسيون، واخرى حددت فعالياتها بتخصص واحد كالمرصد – المركز العربي لحقوق الانسان ومركز فاتح المدرس للثقافة والفنون وجمعية آرام لتنمية الأسرة ومؤسسة تجمع الجولان السوري ومركز تواصل وغيرها. ومجتمعة، تنظم هذه المؤسسات في الجولان اليوم عدة فعاليات ونشاطات لمرة واحدة اسبوعيا، بالاضافة لنشاطات بعضها الدورية، اليومية والأسبوعية.
واللغز النظري والتحليلي هنا هو لماذا هناك احساس عام بأزمة سياسية في الجولان في الوقت الذي لم يشهد فيه مجتمعنا هذا الكم من النشاط السياسي بمجمله في أية مرحلة ماضية بما فيها عقد الثمانينات الذهبي؟ اللغز الثاني هو لماذا هناك إحساس عام بأن مجتمعنا قد فقد البوصلة في الوقت الذي تنشط فيه مؤسسات لدى كل منها رؤية واضحه نسبيا فيما يتعلق بتخصصها وماذا تريد أن تحقق اجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا من خلال نشاطها المتخصص؟
للأجابة على هذه الأسئلة لا بد أولا من تشخيص أهم التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية النوعية التي شهدها مجتمعنا منذ أواخر الثمانينات، لأن هذه التحولات شكلت البيئة المنتجة: أولا، للمؤسسات الجديدة، وثانيا، للصيغة الحالية لوعينا الجماعي لواقع الجولان ودرجة رضانا أو عدم رضانا عنه.
برأيي تندرج هذه التحولات تحت أربع عناوين عريضة هي: 1) البنية الاقتصادية، 2) البينة الاجتماعية، 3) الواقع السياسي، و 4) الواقع الثقافي لمجتمعنا. وهذه التحولات ليست منفصلة عن بعضها، وانما تفاعلت ولا زالت تتفاعل فيما بينها وأثرت ولا زالت تؤثر كل بالاخرى.
لكن وقبل الشروع بالقراءة التاريخية والتحليل، وبهدف تحقيق الشفافية في المنهجية، وهي مهمة هذه المداخلة، لا بد من ادراج الفرضيات والمبادئ الأساسية (بعضها مفهوم ضمنا، وبعضها قد يكون موضعا للتساؤل والاختلاف بالرأي من قبل البعض أو ربما الكثيرين) التي تحدد المنهجية التحليلية وأطروحات المقالات اللاحقة ، وهي:
أولا، الثوابت الاجتماعية والسياسية والوطنية هي ثوابت من حيث أنها تتوافق ومتطلبات اجتماعية وسياسية ووطنية محددة في زمان محدد ومكان محدد، وبالتالي فهي ليست مطلقة، وانما قابلة نظريا وعمليا للتعديل والاضافة مع تغير الزمان والظروف والأهداف التي انتجتها أصلاً. وفي حالة الجولان، لا يجوز أن تتحول ثوابت صاغها مجتمعنا قبل 29 عاما الى نص ديني غير قابل للاضافة أو التعديل بالرغم من التحولات السياسية والاجتماعية الهائلة التي حصلت خلال هذه الفترة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أليس جديرا وملحاً أن نرفع شعار رفض ومحاربة النزعات القروية الضيقة كواحد من أهم ثوابتنا الاجتماعية والوطنية باعتبار أن معظم أحداث العنف التي واجهها مجتمعنا في العقدين الأخيرين كانت نابعة عن خلافات ومشاكل قائمة على هذه النزعات وتوظيف الحرم الاجتماعي ضد كل من يبادر أو يشارك بمثل هذه الأحداث التي تفتت من وحدة مجتمعنا وتعمق الإحساس بالوحدة والاغتراب في كل واحدة من قرانا؟
ثانيا، ما يميز الاحتلال الاسرائيلي عن معظم غيره من أشكال الاحتلال في المنطقة وعالميا هو كونه استيطاني وعرقي، وهذا يعني أنه بطبيعته وبالضرورة لن يتوقف عن المحاولة للهيمنة على الأرض واعادة صياغة الهوية بهدف ترويض واخضاع الآخر لإرادته. ولا يمكن لأي مشروع مقاوم (سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي) أن ينجح اذا لم يتأسس أصلا على مبدأ التعامل مع هاتين الميزتين.
ثالثا، المقاومة هي وسيلة وليست هدفا. هي حركة تضامنية ائتلافية وليست حزبا. المقاومة لا تقتصر على النشاط السياسي المباشر (أي المظاهرة والاحتجاج والتظاهرة السياسية والمحاضرة السياسية، الخ) وإنما تتضمن النشاط الثقافي والاقتصادي والزراعي وكل نشاط يتنافى مع سياسات الاحتلال. المقاومة تتشكل من تيارات سياسية وهيئات شعبية ومؤسسات وأفراد، كل يقاوم من موقعه وبتخصصه وبطريقته، لكن ليس بالضرورة بمباركة من جميع أطراف المقاومة. وهي تمارس فعلها في مواجهة واقع ميزته الدائمة هي التوتر، وبالتالي فهي ذاتها تعاني من التوتر. وتغلب على معظم أشكال المقاومة نزعة الرد على ما يفعل بها (كما يوحي معنى المصطلح "مقاومة")، لكن سر نجاح أي مقاومة والتحدي الدائم الذي يواجهها يكمن في قدرتها على المبادرة، تغيير مسار الأحداث، واجبار الطرف المتسلط على اعادة النظر في استراتيجياته وتعديلها.
ولأن كل مقاومة تبني ذاتها اعتمادا على ثوابت ومبادئ وشعارات تأخذ طابع القدسية مع الزمن، فان كل تحول نوعي ومرحلي في أي مقاومة ينتج انقسامات جديدة وتيارات جديدة تتبادل فيما بينها ومع من سبقها الاتهامات والتشكيك كل بمصداقية الآخر وصحة منهجياته، لكن الانقسامات وظهور تيارات جديدة لا يعني بالضرورة تراجعا في الحالة السياسية. لذلك، فالعلاقة داخل المقاومة وبينها وبين الاحتلال هي علاقة جدلية، دائما متغيرة ودائما مرهقة لأنها غير مستقرة.
رابعا، استنادا لما سبق، كل مرحلة مقاومة في تاريخ الجولان حققت انجازات سياسية، لكنها أيضا انتجت تحولات اجتماعية جذرية تطلبت بالضرورة تعديل أشكال المقاومة في المرحلة التي لحقتها. ولأن التحولات التنظيمية والبنيوية في المقاومة دائما تحاول أن تلحق بالتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الطارئة، كان من الطبيعي أن تسود حالات تشكيك بنجاعة الاساليب الجديدة، بل وبالحاجة لتجديد هذه الأساليب أصلا.
خامسا، كل مقاومة تصوغ قصة تاريخها، وهذه الصياغة محكومة الى حد كبير بالحاجة للرد على قصة مشوهة وكاذبة صاغتها القوة المحتلة عنها. وبالتالي فإن تأريخ المقاومة لتجربتها هو عمل مقاوم بحد ذاته. وبدون أي انتقاص أو تقليل من أهمية هذا الشكل من المقاومة أو التشكيك بصحة قصة المقاومة بخطوطها العامة، لا بد من الاعتراف بأن هذا التأريخ، (وهذا برأيي ينطبق على كل نص تاريخي لكن بدرجات متفاوتة) مبني على الاختزال والتبسيط وإسقاط للتفاصيل، خصوصا تلك التي لا تنسجم وأحيانا تتناقض مع الخطوط العامة لقصة المقاومة. لذلك، فإن النص المنتج يتميز دائما بالمثالية، وينتج بحد ذاته حالة من التعطش والشوق لماضٍ لم يكن، وعدم رضى مبالغ عن حاضر مليء بالتناقضات لم ننجح بعد باختزال تفاصيله في قصة مقاومة متجانسة.
سادسا، لا توجد في التاريخ والحراك الاجتماعي أي حتميات مطلقة، وحركة المجتمع ليست محددة سلفا. أحداث الماضي أخذت المسار المحدد الذي أخذته ليس لأنه كان المسار الممكن الوحيد ولا لأنه المسار الأفضل أو الأسهل. وأهمية هذه الفكرة تحليليا تنبع من طاقتها التحريرية فهي تفتح المجال لتخيل أكثر من مسار مقاوم ممكن. المهم هو وضوح الهدف المستقبلي للمقاومة: ماذا نريد من أنفسنا ومن مجتمعنا؟ كيف نتخيل حياتنا وحياة أبناءنا وبناتنا وأحفادنا وحفيداتنا غدا أو بعد عشرين سنة؟ ما هي الخطوات التي يمكن أن نتخذها على صعيد فردي ومجتمعي ومؤسساتي لنحقق الغد الذي نريده لأنفسنا ونحبط الغد الذي يريده المحتل لنا؟ ...الخ.
سابعا، بعد اثنين وأربعين عاما من الاحتلال وسياساته وتدخلاته في كافة مستويات حياتنا ومقاومتنا لهذا الاحتلال، لم يعد مجتمعنا بتركيباته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قابلا للمقارنة بمجتمعات شبيهة تعيش مواطنتها في دولتها القومية. كذلك لا يمكن اختزال مجتمعنا اليوم بأوصاف جاهزة مفصلة على أنه ريفي أو تقليدي أو فلاحي أو ديني، لكن يمكن القول بأن بعض العلاقات الريفية والتقليدية والفلاحية والدينية تحكم جوانب محددة من حياتنا. ولا يمكن وصفه بأنه مجتمع "مدني" أو "حداثي" وإن كان من الممكن أن نميز أبعاد مدنية وحداثية في ممارسات مجتمعنا اليومية.
ثامنا، مجتمعنا ليس مجتمعا "متقدما" ولا هو مجتمع "متخلف" لأن كلا المصطلحين زائفان نظريا وتحليليا وعمليا. أوصاف التقدم والتخلف ابتدعها الاستعمار الأوروبي والغرب الرأسمالي لاضفاء مصداقية على مشاريعهما التوسعية والاستغلالية، ولذلك ليس غريبا أن هذين المصطلحين تحديدا يهيمنان على خطاب الدولة والمجتمع الاسرائيليين في تعريف صراعهما معنا على أنه صراع بين الحداثة والتقليد وبين التقدم والتخلف. ونحن تبنينا واستعملنا ونستعمل هذه المصطلحات بتأثير من الفكر الماركسي كما عرفه مفكرو الاتحاد السوفيياتي والصين وتبناه الماركسيون العرب، ومثلهم الفكر القومي العربي، وذلك لأسباب لن أخوض فيها لأنها خارج موضوع هذه المداخلة. نحن متقدمون بالنسبة لمن؟ ومتخلفون عماذا؟ وكيف يمكن لمجتمع متخلف أن يقاوم أو ينتصر؟ أو بصياغة اخرى، إذا كان مجتمعنا متأخرا أو متخلفا، فكيف كان له أن ينتج المقاومة السرية منذ اليوم الأول للاحتلال وعبر السبعينات أو ينجح في احباط مخطط فرض الجنسية الاسرائيلية في الاضراب الكبير عام 1982، ولماذا أراد أن يحبط هذه المخطط في الأصل؟
ومجتمعنا ليس دينيا ولا هو علمانيا، ليس عاطفيا ولا هو عقلانيا. هذه الازدواجيات الاصطلاحية زائفة ولا يمكنها أن تصف التركيبة الغنية والمعقدة لمجتمعنا، أو أي مجتمع إنساني آخر.
مجتمعنا هو مجتمعنا، بدون أوصاف مرفقة، يقاوم من أجل المحافظة على ما يمتلكه من كرامة انسانية (بعيدا عن المفهوم التقليدي للكرامة المرتبطة بالرجولة والملكية الخاصة)، ويطمح للارتقاء بإحساسنا بإنسانيتا وقدرتنا على ممارستها بأقل تدخلات ممكنة وضمان الرفاهية لذاتنا ولأجيالنا القادمة. فقط من هذا المنظور، يمكن أن نفهم عمق الحاجة لمواجهة محاولات مصادرة أراضينا وتدمير اقتصادنا المحلي والتعدي على هويتنا وثقافتنا. نحن نقاوم أولا، وقبل كل شيء، دفاعا عن الانسان فينا.
تاسعا، لا يمكن أن نصوغ مشروع مقاومة ناجح بدون الاعتراف بأهمية المسؤولية الفردية والجماعية. لا شك أن الاحتلال يتحمل مسؤولية أساسية في انتاج الكثير من المشاكل التي نواجهها، إما من خلال التخطيط المباشر أو عبر استثمار أحداث طارئة لتفتيت وحدة مجتمعنا. لكن لا يجوز أن نحول الاحتلال الى "قميص عثمان" ونعزي اليه مسؤولية الكثير من المشاكل التي ننتجها بذاتنا، أو التي يكمن حلها في أيدينا. الاحتلال ليس مسؤولا عن التمييز ضد المرأة في مجتمعنا ولا عن العنف الرجولي بشكليه الجسدي والنفسي المتفشيين فينا، ولا عن التمييز في الأجور بين الرجال والنساء. الاحتلال لا يحدد لنا كيف نربي ابناءنا وبناتنا ولا يجبرنا على استهلاك الشكليات. الاحتلال ليس مسؤولا عن النزعات القروية وأحداث العنف بين الشبيبية على أسس قروية (وإن كان يشجعها ويستثمرها)، وليس هو من يؤلف وينشر ويضحك على النكت السخيفة التي تصبغ أبناء وبنات قرى بكاملها بصفات سلبية كاذبة كـ"الغباء" أو "التخلف الاجتماعي" أو "الانحلال الأخلاقي" وهذه الظاهرة متفشية في كل قرانا بدون استثناء وهي بالأساس ما يغذي أحداث العنف المتكررة بين بعض فئات الشبيبة في قرانا. هذه المشاكل بمجملها هي العوائق الحقيقة أمام تحقيق وحدة متماسكة وعضوية في مجتمعنا، ومواجهتها هو الضمان الوحيد لصياغة مشروع مقاومة قائم على أسس صحية ومتينة.
عاشرا، آن الأوان للتخلص من فكرة الحاجة لطليعة سياسية أو ثقافية أو قيادية في مجتمعنا تتربع على رأس الهرم الاجتماعي وتأخذ على عاتقها تعريف "مهمات المرحلة" وأساليب تنفيذ هذه المهمات وتطرح شعارات "تثقيف" و"تفعيل" و"تنشيط" و"اشراك" الجماهير في مشروعها السياسي لأنها تمتلك "وعيا متقدما" و"بعد نظر" لا تمتلكه الجماهير. الاشكالية الأساسية في هذا النوع من النشاط السياسي الاجتماعي تكمن في فوقيته وعدم ديمقراطيته وتركيبته المبنية على فرضيات خاطئة أهمها أن الوعي الاجتماعي والسياسي متوفر لدى القلة ومعدوم لدى الأكثرية، وأنه إما موجود أو معدوم، وبالتالي فإن هذا النوع من التنظيم ينكر وجود تدرج في الوعي وتعدديه في أشكاله، ويفترض أن امتلاك الثقافة هو الشرط الوحيد لامتلاك الوعي مما يستثني غنى التجارب الحياتية للغالبية الساحقة من أبناء مجتمعنا (من مزارعين وعمال ونساء عاملات وربات بيوت وموظفين) والحاجة لتوظيفها في مشروع التغيير الذي نبتغيه. ويفترض التنظيم الطليعي أن النخبة محقة دائما بحكم وعيها "المتقدم" ويفسر كل الاخفاقات في تحقيق التغييرات المنشودة بأنها نابعة من عدم وعي وعدم فهم وعدم مشاركة الجماهير. وفي حين أن المجتمع يتغير دائما ويبرز نشطاء من الأجيال الشابة، تبقى "الطليعة" متجمدة وتنزع للانغلاق على ذاتها وعدم اشراك الأجيال الشابة في صياغة وتنفيذ مشاريع المقاومة السياسية والثقافية والاجتماعية ويتزايد الاحساس العام بنخبوية الطليعة واغترابها عن الواقع. ولأن مجتمعنا اليوم يتميز بتعددية لم يشهدها في أي وقت مضى حيث أنه لم تعد هناك جهة يمكنها الادعاء بامتلاكها القدرة التمثيلية لكل المجتمع على اسس عائلية أو دينية أو قروية أو سياسية، أو مؤسساتية فانه من غير الممكن تخيل مشروع مقاومة جماهيري ناجح اذا لم يبدأ تنظيمه من قاعدة البنيان الاجتماعي وعلى اسس التعددية والقرار الديمقراطي الجماهيري والقدرة على التعاون رغم الخلاف في الرأي حول منهجيات النشاط والتغيير، بل والرغبة بالتعاون تحديدا بسبب الخلاف.
أحدعشر، من بين العوامل المهمة التي تؤثر في صياغة النشاط في الحيز العام في مجتمعنا هو التفكير الرجولي الذي يفرز عقبات كثيرة كالعداوات والمنافسات الشخصية التي تعيق التعاون بين الأفراد والمؤسسات. والنقد القائل بأن ما ينقص مؤسساتنا هو الثقافة والنهج المؤسساتيان لا يمكن أن يكتمل إلا بإدراج المناداة بالحاجة الى محاربة وتجاوز التأثيرات الهدامة للتفكير الرجولي على وحدتنا كشرط ضروري لتأسيس ثقافة مؤسساتية. حيث لا تزال تؤثر في بعض قراراتنا، على مستوى شخصي وكنشطاء في المؤسسات والحيز العام، اعتبارات الدفاع عن "الكبرياء المجروح،" أو الانسحاب من النشاط أو المؤسسة بسبب الخلاف الشخصي، أو الحاجة الى الرد على الطرف المهين لنا بمنطق "العين بالعين." ولا زالت تطغي على العلاقات في مجتمعنا على مستوى أفراد ومؤسسات النزعة الرجولية الأبوية التي تستثني المرأة من تبوأ مراكز مؤثرة في المجتمع، بالرغم من الأشواط طويلة التي قطعتها المرأة في مجتمعنا باتجاه التحرر والمساواة نلمسها في مجالات التعليم العالي والاستقلالية الاقتصادية. ولا تزال المواقف الداعمة لتحرر المرأة في مجتمعنا عالقة في منطق "قاسم أمين" الرجولي الذي يقول بأنه على الرجل التقدمي أن "يحرر المرأة" وكأن الحرية هي شيء يعطى، بدلا من اعتبارها مسيرة كفاحية علينا نحن الرجال أن ندعمها بدون التدخل في تحديد أجندتها أو قيادتها وأن نتجنب الوقوف عقبة أمام محاولة إنجازها، وأهم من هذا كل أن نعمل جاهدين للتخلص من النزعات الرجولية في تفكيرنا ونهجنا على صعيد فردي وجماعي ومؤسساتي.
وبرأيي لا يمكن أن ننجز مشروع مقاومة نوعي بدون انضمام المرأة إليه كشريك متساوي وفاعل في تخطيطه وتحديد أجندته والمشاركة في تنفيذه.
إثنا عشر، ان صغر مجتمعنا وضيق الحيز المكاني الذي يعيش فيه يؤثران مباشرة على طبيعة النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي فيه ويشكلان مصدر قوة وضعف، يعزز ويشتت وحدتنا الاجتماعية في ذات الوقت. وتؤثر هذه الميزة على صياغة المواقف الفردية والجماعية، بين النشطاء وغير النشطاء على حد سواء، تجاه الأحداث اليومية في مجتمعنا. فمن جهة، تسهم المعرفة الشخصية والعلاقات الاجتماعية المكثفة بين غالبية أفراد مجتمعنا بتعزيز الاحساس بالمصير المشترك والرغبة بالتعاون للارتقاء بحالة مجتمعنا نحو مستقبل أفضل، ومن الأمثلة على ذلك اقامة المشاريع التعاونية الشعبية كالبرادات الزراعية، وحملات التبرعات الناجحة لدعم أفراد من المجتمع حلت بهم مصيبة مفاجئة أو حملات التبرعات الانسانية لأهلنا في فلسطين المحتلة. ومن جهة ثانية، وبتأثير مباشر للثقافة الرجولية المهيمنة، تقف هذه الميزة عائقا أمام حل الكثير من الخلافات الشخصية وتجنب الخطاب المتوتر والمصالحة بعد القطيعة والتعاون برغم الخلاف.
ثلاثة عشر، لا بد من نقد واقعنا لتطويره وتغييره. لكن ليس كل نقد قادر على تحقيق هذه المهمة. النقد المبتور الذي يتركز على حدث ما ويضيع في تفاصيله فيخرجه عن سياقه التاريخي والاجتماعي هو نقد خاطئ. والطرح النقدي الذي لا ينتهي باقتراح حلول للتغيير هو نقد ناقص. والنقد الساخر الذي يهدف الى "اثبات" أن مجتمعنا ليس سوى مجتمع "متخلف"، "غير قابل للتغيير" هكذا كان وهكذا سيبقى، هو نقد مستسلم ولا تاريخي. والعمل النقدي التحرري هو ذاك الذي يتجنب الشخصنة والتجريح والهزء بالآخر بغض النظر عن الاختلاف مع ذلك الآخر، ولكن يعمل بإصرار على تشريح الواقع ويخرج بحلول مقترحة لمشاكله حتى ولو ثبت فيما بعد أن هذه الحلول المقترحه غير ناجعة.
أخيرا، لا يمكن انجاز الحوار والتعاون المنشودين في مجتمعنا فقط من خلال الكتابة والحوار على صفحات الانترنت أو اللقاءات بالصدفة أو المبادرات التلقائية اليتيمة للتعاون بالرغم من أهمية كل ما سبق. وليس هناك من بديل عن اللقاء والحوار الدوري والمباشر وجها لوجه. وتبقى تفصيليات وشكل انجاز هذه الحوار مسألة للنقاش والتنسيق بين الأطراف المعنية في مجتمعنا من مؤسسات وأفراد وغيرها.
لا شك فإن كل طرح تحليلي ودراسة لأية ظاهرة اجتماعية أو غيرها يعتمد على فرضيات ومبادئ تؤدي بالضرورة الى استخلاص نتائج محددة دون غيرها. وهذه الفرضيات والمبادئ هي التي توجه قرائتي وتحليلي لواقع مجتمعنا اليوم، والتي سأنتهجها في المقالات اللاحقة.

أتوجه بشكر خاص للأصدقاء منير فخرالدين وإياد مداح وعاطف الصفدي على مراجعة المسودة الأولى لهذه المداخلة وتقديم ملاحظاتهم القيمة على مضمونها. بشار طربيه
تم ارسال هذه المداخلة الى جميع مواقع الانترت في الجولان

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات