بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
الغجر.. ألله حاميها
  25/11/2005
 


الغجر... الله حاميها

بقلم : أيمن أبو جبل


بين ظلمة الملاجئ وبرودة جدرانها، وغرف المنازل الأرضية في قرية الغجر، كانت صرخات الأطفال قد ملأت كل المكان، لا يعلوها سوى صوت الرصاص المنهمر على ثكنات الجيش الإسرائيلي وفوق أسطح المنازل وداخلها... بين زخات المطر ونيران المدافع كانت أصوات الأمهات تعلوا وتصيح وتصرخ وتبكي على مصير الأطفال المحتجزين في المدرسة، وهناك هناك خارج حدود القرية كان الرجال العائدين من عملهم ينتظرون، بلهفة وخوف وقلق، اجتيازهم الحواجز العسكرية الممتدة على طول الشارع الرئيسي المؤدي إلى القرية، في طريق عودتهم لاحتضان أولادهم ونسائهم في لحظات سيطر فيها الموت على كل البيوت...

ليل الغجر ذاك كان الاحلك والأطول والأفظع في ذاكرة كبارهم من الشيوخ والعجائز، ليل الغجر ذاك كان أشد قسوة من ليالي التقسيم في العام 2000 سيئ الذكر والصيت، وليل عام النكسة، حسبما تحدث به شبان وشيوخ القرية. أهالي الغجر اليوم أشخاص بلا وجوه وملامح فردية، أو شخصية، فحكاية بيت واحد تتجدد في كل البيوت، ودموع امرأة واحدة تستحضر لحظات الخوف والرعب. تلك كانت تفيض كلما غصنا أكثر في القصص والحكايات، ولكل قصة وحكاية دموعها المختلفة، وعذاباتها المتنوعة، لا تستطيع أن تعلم حقيقة ما يجري إلا إذا عشت هذه اللحظات الخائفة المهددة المرعبة العصيبة. يتضح هذا حين تستمع بصمت إلى تلك الدموع التي تنهمر من بين الكلمات والذكريات...

بين عتمة الليل في الغجر، وخوف الشوارع، كان رجالات المقاومة يمارسون شرعية وجودها، في ارض كانت دوما حية ممتدة في شرايين الوطن منذ أولى بدايات التاريخ. فهذه الأرض العربية السورية المحتلة كانت الحضن الدافئ على الدوام لصون الحياة داخلها، من ثروات وخيرات، وخارجها من كيانات تعلو سمواً بالإنسان فيها.. ليس مهما من أطلق هذا الرعب، ولكن الأهم أن الإنسان هناك تجاوز خوفه ورعبه وفرديته متمسكا أكثر بجذوره وشرايينه التواقة إلى الحياة...

إن أفظع الآلام هي تلك التي يستشعرها السجين الأسير أثناء التحقيق معه حين يستمع إلى صراخ الآخرين وعذاباتهم، ولكنه ألم فظيع أن تستمع إلى صراخ أبنائك يستغيثون بدموع الرعب والخوف من صوت الحرب القادم إليهم، وصوت القذائف ودوي الرصاص الرابض فوق رؤوسهم، ولا تستطيع حتى مجرد الخروج لاحتضانهم، ومسح دموعهم بأمان ودفء الأبوة المفقود داخلهم في تلك اللحظات.. مرة أخرى يداهم اللغز المكان، ويداهم الزمان. تساؤلات جمة تفيض بهاالاذهان، كيف حدث ذلك؟ ولماذا يحدث ذلك؟ وكيف كانت الحياة بالنسبة للعشرات من الأبرياء مجرد معجزة ابتعد فيها الموت المحتم عنهم.

أبو محمود  عمل في أحد المصانع الإسرائيلية، قبل ان يتم فصله منذ عام ونصف العام، كان جالسا برفقة ابنته فقط في البيت، فيما زوجته كانت تحلب البقرة في حظيرتها قرب الحاجز على مدخل القرية. كان يجلس أمام المدفأة بعد عودته من عمله، حين انطلقت زخات الرصاص، ودوي قصف قريب جدا، اهتزت منه كل جدران المنزل. هب واقفا ليرى ويشاهد العشرات من المقاتلين يسيطرون على الشارع، يمطرون بأسلحتهم الجنود والموقع الإسرائيلي القريب، حمل ابنته سريعا لحمايتها، فيما هاله منظر منزله في الطابق السفلي، تلتهمه النيران، ويخترق الرصاص زجاج نوافذ بيته الذي أنهى مؤخرا ترميمه وطلاءه، إذ تحول إلى ساحة حرب حقيقية. اجتمعت فجأة عليه الويلات، فالنيران تشتعل داخل بيته، وقلقه كان فظيعا على مصير زوجته وباقي أبنائه الذين كان ينتظر عودتهم من مدرستهم. كان يصارع وحده كثافة الرصاص وتسارع اشتعال النيران في بيته.. ومثله كانت أم منيف تنظر بحسرة وألم على مدخل منزلها، الذي أتت عليه إحدى الآليات العسكرية، وتصدعت أساساته الإسمنتية في نهاية يوم المعركة..أما محمود فما زالت صدمة الإصابة تراوده: "لم يكن بيني وبين الموت سوى لحظات، اخترق الرصاص كل شئ حولي، حتى أعمدة الكهرباء وجدران البيوت وزجاج النوافذ، ولكنني نجوت ولا اعرف كيف؟؟". وصفاء مع أختها ميساء التي لم تكن قد دخلت البيت بعد عودتها من زيارة خطيبها محمد في المعتقل، اختارت أن تواجه بكاء والدتها أم عماد وصراخها، وقلقها على ابنها في المدرسة، وقلق والدها على طلابه وأبنائه الثلاثمائة والخمسين طالباً، ودعوات جدها وصلواته، بقراءة القرأن الكريم بصمت وخشوع، ودعاء ما زال يشع من أعينهن. وخارج القرية كانت أعصاب الرجال هناك قد بلغت درجة من الغليان، كلما اهتزت الأرض من شدة المدافع والقذائف وانفجار الصواريخ. القلق سيطر على الجميع، وانقطعت شبكة الهاتف والاتصالات، والجيش لم يفعل سوى تأمين مكان لهم للانتظار الطويل. لم تسعف دعوات إخوانهم في باقي قرى الجولان لاستضافتهم والاطمئنان عليهم، كما لم تسعف ساعات الانتظار الطويل في ذاك المساء الطويل من إطفاء النار في صدورهم، نار قلقهم على عوائلهم وأبنائهم وبيوتهم..

وبين الدموع والخوف والقلق والانتظار، كان هناك من حمل روحه وسلم أمره وانطلق من مكانه، يؤمن الطعام والشراب للأطفال في ملجأ المدرسة، ويمدهم إلى جانب طاقم المعلمين ببعض الدفء المفقود، وإسكات الجوع النائم بالخوف في أمعائهم. كان هناك من يجاري الموت ويسابق الزمن والرصاص، فترك فرديته وذاتيته وقلقه على أهل بيته وخرج إلى هناك حيث كان البكاء والصراخ ينخر في الصدور.. لم يكن أحد قد استعد من قبل لمواجهة هذه اللحظات، لم يعتقد أحد من قبل أن شوارع وبيوت القرية سوف تتحول في غضون ساعات إلى ساحة مواجهة بالأسلحة الفتاكة، فركبوا سيارتهم ونقلوا الأطفال تحت جنح الظلام، في لحظات لن تمحوها الأيام والأحداث من ذكرياتهم. فأولئك كانوا بجدارة واستحقاق امتدادا لكبرياء وشموخ وسمو الإنسان فوق هذه البقعة الغالية من الأرض العربية السورية المحتلة...

تسع ساعات متواصلة من محاكاة الموت، هي لا شئ يذكر قياسا إلى سنوات من محاكاة الموت في فلسطين وجنوب لبنان وشماله. تسع ساعات هي لا تقاس بالنسبة إلى زمن الموت الرابض في بغداد والفلوجة وكربلاء والقائم في العراق. تسع ساعات هي زمن لا تقاس فيه حياة البشر والأبرياء. ولكنها تسع ساعات جولانية، لم يشهدها الجولان من قبل. لم تكن حرب شوارع في الجولان من قبل. لم تكن معركة حقيقية في الجولان من قبل، بين جنود في جيش نظامي وأي جيش أخر أو أي مقاومة أخرى. إنها تسع ساعات جولانية بكل إفرازاتها ومدلولاتها ونتائجها وانعكاساتها السلبية والايجابية، تستحق منا إيلاءها بعض العناية والاهتمام، وتقديم كل أشكال الدعم المعنوي والسياسي والاجتماعي والإنساني من أبناء شعبنا في كافة شرائحه وانتماءاته الدينية والسياسية والعائلية، لأن جذورنا الأصيلة تمتد في الإنسان فينا..

أربعة أيام مضت، لكنه اليوم الأول التي سمحت السلطات الإسرائيلية فيه دخول الغجر، التي ما زالت تحاكي مرارة واقعها. ما زال الأهالي يتفقدون بعضهم البعض، ويطلون من نوافذ بيوتهم على ما أحدثته تلك المعركة من أضرار في النفوس والممتلكات.. طلاب المدارس لم ينتظموا بعد في مقاعد الدراسة، والقليل فقط من العمال خرج إلى عمله، أما الباقي فاختار أن يعيد ترميم وتنظيف بيته من جديد قبل عاصفة الشتاء القادمة، والنسوة تنتقل من بيت متضرر إلى أخر، للمساهمة في التنظيف وتجميع الزجاج المنتشر على الشوارع وداخل الغرف وشرفات المنازل. وعمال المجلس المحلي ليلهم تحول إلى نهار في سباق مع الزمن لإعادة شبكة خطوط المياه والكهرباء والهاتف والصرف الصحي، التي تضررت من ليل الحرب، فيما تجمعت بعض وسائل الإعلام الأجنبية أمام الحاجز الإسرائيلي في مدخل القرية تطلب الإذن في الدخول. وسائل إعلام مختلفة، جميعها كأهالي قرية الغجر وأهالي الجولان، تبحث عن الوسيلة الإعلامية السورية مكتوبة أم مسموعة أم مقروءة في حدث يخص أرضا سورية.. ولسان حالهم يحمد ويبارك في سلامتهم وسلامة أبنائهم، رغم كل تلك الأضرار التي لحقت في ممتلكاتهم ومنازلهم وسياراتهم، ولا ينسون أبدا رغم جراحهم أن يتوجهوا بالشكر الجزيل لكل من شاركهم وحمل همهم بالسؤال والاطمئنان على سلامتهم..

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات