بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
للغجر رب يحميها ،كما للكعبة رب يحميها
  29/11/2005
 

للغجر رب يحميها ،كما للكعبة رب يحميها

بقلم: مواطن من قرية الغجر (2005- 11-26)

بعد ايام من القلق المستمر والخوف من كل ما هوآت، لا تزال قرية الغجر العربيه السوريه في الجولان المحتل تلملم جراحاتها الوطنيه والانسانيه، وجراحاتها النفسيه التي دخلت في كل بيت، واعتصمت بكل وجدان وطني، وتجذرت في كل نفس أبيه، صمدت ووقفت في وجه كل مخططات الاستيلاء على الارض، وتهجير السكان، وتهميش الموقف الوطني الذي تربى عليه ونشأ في أحضانه جميع سكان البلدة.

الغجر تحاول أن تلملم جراحاتها الأليمة، ولكنها ولليوم الرابع، لا تزال تئن تحت وطأة تلك اللحظات المريرة التي تخللتها اصوات المدافع والصواريخ وأزيز الرصاص، هذا الرصاص الذي ملأ الشوارع وحيطان المنازل والشرفات. الأطفال والنساء، والشيوخ وحتى الرجال، الكل مصاب بالذهول مما حدث، صحيح أن البلدة مرّ عليها العديد من الحروب والمعارك العسكرية، ولكنها لم تعان في يوم من الأيام كما عانت يوم انفجار الزلزال الصارخ، الذي هز كيان الجميع، جميع من كانوا في القرية، وجميع من شاهدوها حتى ولو من بعيد.

حرب الشوارع لم يعتد عليها سكان القريه مذ وجدوا فيها، ولكنهم اليوم يروون لبعضهم بعض تفاصيلها، هذه التفاصيل المريرة التي لم يمض وقت طويل على حدوثها، ففي كل زاوية، وفي كا مفترق طرق، تجد قصة من الصعب تصورها، وفي كل بيت تجد رواية تصلح ان تكون فلماً سينمائياً من أفلام الرعب التي لا تصدق.

صحيح ان المعركة قاسية، ولكن الأقسى منها ما حدث لسكان البلدة أثناء المعركة وبعدها، لم يكن أحد يتوقع حدوثها على الشكل الذي حدثت فيه، لم يكن احد يفكر في يوم ما انه سيرى بأمّ عينه حرباً حقيقية في شوارع القرية ومركزها، وبجانب المدرسة التي لم ينته دوامها بعد، والتي تضم بين جناحيها 350 طفلا وطفلة من الصف الأول وحتى السادس. هذه المدرسة التي كانت وما زالت منارة العلم للشباب الوطني المثقف الذي حمل ولا يزال يحمل هموم أمته وشعبه، والذي خط بدمه مبايعة قائد الأمة وحامي الوطن ورافع علم الصمود والإباء فخامة الرئيس الدكتور بشار الأسد حفظه الله ورعاه.

منذ اللحظة الأولى التي مرت على اطفالنا كان أملهم كبيراً بأن ما يحدث لن يطالهم، (ولم يطالهم بعون الله وحمده)، ولكنها مأساة حقيقية مرت عليهم، فقد نزلوا إلى الملاجئ التي لم تكن مهيأه ،والتي تفتقد إلى الإضاءة والمياه، وإلى المساحة التي تتسع الجميع، مما حدا بالمعلمين الذين نقدم لهم الشكر والامتنان على ما قاموا به من جهود جبارة، وعلى تحملهم المسئولية في حماية أطفالنا ونقلهم الى ملجأ المدرسة الثانوية، وعلى تقديم جميع المساعدات الانسانية لأطفالنا الذين كانوا يرتجفون ويصرخون، تحت أزيز الرصاص، وصوت الصواريخ التي لا تبعد عنهم سوى بضعة امتار.

لقد حاول الجميع الوصول الى اولادهم، ولكن بدون جدوى ، فالشوارع غير امنة، وخطر التجول كان سائداً، ودموع الأمهات والأخوات والأهل كانت تروي وجنات زادتها ذبولاً على ذبول، وأخيراً وبعد ساعات استطاع المجلس المتمثل برئيسه وعماله وموظفيه، الذين اّووا الى الطابق الأرضي ولم يستطيعوا ان يساعدوا احداً خلال ساعات القصف الشديدة، ولكنهم اخيراً استطاعوا الوصول إلى ملجأ المدرسة الذي لا يبعد عن بناية المجلس البلدي سوى 50 متراً تقريباً، وصلوا إليه وعرّضوا انفسهم للخطر، وصلوا إليه واطلاق النار لا يزال مستمراً، وحملوا لأطفالنا الطعام والماء والحلوى، وهدأوا من روعهم، وساعدوا في تقديم العون لهم، فلهم جميعاً شكر وأمتنان أهل القرية، وأولياء أمور الطلاب.

بعد ان قضى اولادنا في ملجأ المدرسة اكثر من سبع ساعات على التوالي، قام عمال وموظفو المجلس البلدي مشكورين بنقلهم إلى بيوتهم، وقد ساعدهم في ذلك بعض الأولياء الذين تواجدوا بجانب المدرسة في تلك اللحظات، والذين فضلوا الموت في الشوارع، على أن يموت أولادهم في زحمة الأخطار التي كشرت عن أنيابها في تلك اللحظات العصيبة.

كان لنا لقاءات ولقاءات مع بعض معلمي المدرسة ومع بعض الطلاب الذين حبسوا في الملجأ لساعات طوال، فأفادنا هؤلاء: ان دموع الأطفال لم تجف للحظة، وأن صراخهم كان يملأ ارجاء المكان، وان بعضهم اصابه الإغماء، وغيره وغيره... تصوروا معي اطفالاً صغاراً، لا يعرفون الا البسمة والدلال، واذ بهم محتجزون في مكان ضيق مظلم، والرصاص والصواريخ تنهمر من فوق مبناهم، وأصوات الانفجارات تهز المكان حتى ولو كان ملجأ سميك الجدران، تصوروا تلك اللحظات العصيبة التي مرت على اطفالنا الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة، والذين لا عيش بدونهم ولا حياة... الله اكبر، الله اكبر...

الجميع كانوا ينتظرون الفرج الذي يسألون عنه فلا يجدوه، وكانت المكالمات التلفونية (من التلفون الجوال) تنهمر على المعلمين كل يسأل عن اولاده، والمصير الذي اّلو اليه، وكانت النتيجة كما كنا نتوقع والحمد لله، لم يجرح احد، ولم يصب احد، كل هذا بفضل الله ورعايته وعنايته بأهل الغجر وأطفالها، ومن يتكل على الله لن يخيب له أملاً، وصدق الله العظيم عندما يقول: "ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

لقد نسينا اّلامنا وأوجاعنا، لأن قلوبنا كانت مرهونة مع فلذات اكبادنا. كل شئ توقف في تلك الساعات، حتى مجرد التفكير بما يحدث، لقد أصاب الناس الذهول، فكانت الأمهات يركضن من نافذة الى اخرى يفتشن عن بصيص امل ينقذهن وينقذ اطفالهن ولكن ما العمل؟!

الاباء غائبون عن البيت بسبب أعمالهم لتأمين رزقهم ورزق عيالهم، ومعظم الأمهات كنّ وحدهن في بيوتهن ينتظرن ازواجهن واولادهن بعد ان نضج طعام الغذاء الذي كان لا يزال فوق نار هادئه، لقد كنّ ينظرن الى الطعام ودموعهن تبلل وجناتهن، وتسقي تراب الأرض الذي سينبت عليه يوماً ما وردة جورية حمراء، تكون ذكرى لتلك المأساة الأليمة، لتقص الى الأجيال القادمة حكاية قد لا يصدقها أحد.

بيوت كثيرة اصيبت بالقذائف الصاروخية، ونوافذ كثيرة اصيبت بالرصاص، ولكن اكثر ما شدني لهذا وأخافني، أن صلية من الرصاص اخترقت احدى النوافذ ووصلت إلى سرير طفل لا يتجاوز الأشهر. رأيت السرير بأمّ عيني، ورأيت الطفل، تلك الزهرة اليانعة، وضعت يدي على رأسه، ابتسم، وكأني به يقول: أنا طفل من الغجر، والغجر الله حاميها. وبدت على محياه علامة سؤال! هل لنا ظهر يحمينا؟ وهل لنا سند ومعين؟ أجبته على الفور: نعم نعم، أننا في قلب سوريا الأسد، في قلب الوطن الأم، في قلب القيادة الحكيمة، لك جدود هناك، وأهل هناك، هم ظهرك، وهم من سيحمونك من عوادي الأيام وغوائل الأحداث والآلام، وفوق هذا وذاك لك رب كريم جواد، ولي حليم، كبير رحيم، هو الذي سيحميك ويحمينا جميعاً يا بني.

بكى الطفل ولم يضحك هذه المرة، فعلمت ان لبكائه الف معنى ومعنى، وأظنه بكى بكاء الفرح والإطمئنان لحاضره ومستقبله، فربت على كتفه، وغادرت المكان ولسان حالي يقول: أليست الغجر جزء من سوريا، وسوريا الله حاميها.

هموم والآم وأحزان اصابت كل فرد في القرية، لم نستطع استيعاب ما جرى، لقد اصابتنا هذه الأحداث في الصميم، واذكر انني لم اصادف شخصاً الا وكان كالتائه في صحراء لا ماء فيها ولا شجر، حتى الاطفال الصغار، الذين لم يستطيعوا التعبير عمّا حدث، لقد عبروا عن ذلك بطريقتهم، فرفضوا تناول الطعام، ولا زالوا يرفضون.

ولم ينته الامر عند ذلك الحد، فعندما سكن الليل، وسكتت افواه المدافع والبنادق، استيقظ هؤلاء الأطفال وقد اصابهم الرعب والهلع على هدير الدبابات الاسرائيلية التي جابت شوارع القرية، وعلى اصوات فرق التفتيش العسكرية التي دخلت الى كل بيت، وفتشت في كل زاوية، واستمرت في ذلك الى الصباح. مأساة تضاف الى مأساة والشعب الأعزل يئن تحت الجراح، جراح الخوف والألم، ينتظر كلمة من منظمات حقوق الانسان، او موقفاً من الهيئات المحبة للسلام، ولكن ما من مجيب.

أيها الأهل في هذه البلدة الحبيبة، الصامدة بابنائها، بنسائها، بشبابها، بشيوخها واطفالها، أيها الأهل والاحبة في كل مكان:

ان الظروف والأحداث التي مرت علينا ليست بالسهولة بمكان، فهي مريرة قاسية، ولكننا معتادون على ذلك منذ وطأ الاحتلال ديارنا، فكم من مرة تعرضت القرية للقصف، وكم من مرة دمرت البيوت وجرح الأهل، ولكننا استمرينا في طريقنا ونهجنا لحماية هذه القرية الحبيبة، وارضها المعطاءة، التي ربتنا في الحياة، وسترتنا في الممات، فحياتنا منذ عشرات السنين لم تعرف طعم الهدوء والراحة، ولكننا اعتصمنا بحبل الله وصبرنا، وسنصبر وسنصابر، ان الله مع الصابرين.

صحيح أن هذه المعركة هي الأشرس مما مرّ علينا، ولكننا بفضل الله ونعمه لم يصب أحد منا، ومن جرح كانت جراحه بسيطة، أما الأضرار المادية، فإن عوضنا على الله، وبالتعاون نستطيع أن نصلح ما أفسده الدهر، فكلنا باذن الله يد واحدة في مواجهة الصعوبات الانسانية والاقتصادية.

ان اهلنا في الجولان المحتل بقراه الأربع، متضامنون معكم، مؤيدون لمواقفكم وهذا ما عبر عنه بعض مشايخهم ووجهائهم وشبابهم، أثناء زيارة وفودهم ، ومن خلال الاتصالات الهاتفية التي اعربوا فيها عن رغبتهم في استضافة شبابنا البالغ عددهم 200 شاباً والذين كانوا خارج القرية أثناء المعركة ولم يتح لهم الدخول للقرية، فلهم شكرنا وتقديرنا على هذه المواقف الوطنية المشرفة التي تنم عن الأصالة العربية وعن الآلام والآمال المشتركة.

بقوة الايمان والعقيدة نستطيع أن نصمد كما صمد أجدادنا، وبقوة الارادة نستطيع ان نبني ما خربته الأحداث، فكونوا قلباً واحداً في مواجهة الاخطار المحدقة بنا من كل جانب، فأنتم عرب سوريون ما اعتدتم الركوع والخنوع إلا لله عز شأنه. عشتم أيها الأهل ،وعاشت هممكم العالية، ولتمضوا الى البناء، ولتتركوا ما مر عليكم وراء ظهوركم، فأنتم من الغجر، فللغجر رب يحميها كما للكعبة رب يحميها.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات