بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
حول محاولات تغريب لبنان طوال عدة قرون
  21/01/2006
 

حول محاولات تغريب لبنان طوال عدة قرون مضت والفشل المستمر لذلك بفضل مواطنيه وزعمائه العروبيين

بقلم: أحمد علي القضماني
نشر سابقاً في الاتحاد بتاريخ 20/1/2006

حسبما ذكرت المصادر التاريخية، فان محاولات تغريب لبنان وتشويه هُويته العربية بدأت منذ عدة قرون مضت، عندما كانت البلاد العربية تحت الاحتلال والحكم العثماني. وصفقات الامتيازات الفرنسية بدأت تتوالى للافادة من بعض الاوضاع اللبنانية الدينية والطائفية والاجتماعية، وتوظف لخدمة مخطط فرنسا للسيطرة على المنطقة الساحلية لبلاد الشام الواقعة شرق البحر الابيض المتوسط. وفي سنة 1771م كتب قنصل فرنسا في الاسكندرية الى حكومته في باريس، يوضح اهمية وضع يد فرنسا على بلاد الشام والاستفادة من وضع الاقليات الدينية آنذاك. وجاءت بعد ذلك الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت وبعد ان سيطرت على مصر، توجهت الى فلسطين وكانت تبغي الوصول الى لبنان وكامل بلاد الشام لولا استعصاء عكا وافشالها الحصار الذي ضربه حولها، وبالتالي اضطراره للمغادرة الى فرنسا وانكفاء جيشه الى مصر من جديد. وحصل منذ عام 1798-1801م.
وفي مؤتمر دولي اوروبي انعقد في العاصمة الالمانية برلين عام 1887م قبل الحملة الفرنسية تلك، اكدت فرنسا رغبتها في السيطرة على لبنان بعد تدخلها في اوضاعه اثناء الحوادث الدموية التي جرت فيه عام 1860م. وبعد ذلك جاءت الفرصة التي خدمت الاطماع الاستعمارية لفرنسا وحليفتها بريطانيا اثناء الحرب العالمية الاولى فكانت اتفاقية "سايكس بيكو" سنة 1916 ، واخذت الاتفاقية طريقها الى التنفيذ مع بعض التعديلات في مؤتمر "سان ريمو" الذي انعقد في نيسان عام 1920، وقرر تجزئة بلاد الشام أي سورية الطبيعية الى اربعة اقطار هي سوريا الحالية، ولبنان، وفلسطين وشرق الاردن. وتم فرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، والانتداب البريطاني على فلسطين وشرق الاردن مضافا لهما العراق، فسهّل ذلك تنفيذ وعد بلفور البريطاني وتحقيق ما تريده الحركة الصهيونية من مكاسب اسست لقيام دولة اسرائيل عام 1948 بدعم من جميع الدول الغربية الاستعمارية ويشمل خاصة بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية.
هذا وبعد ان رسخت فرنسا سيطرتها على دمشق وقبل ذلك على بيروت، اصدرت قرارها بالحاق عدد من المناطق الواقعة في الجهة الغربية من سوريا بلبنان منها راشيا وحاصبيا وجديدة مرجعيون وبقية جنوب لبنان. فبات لبنان يعرف في حينه "بدولة لبنان الكبير". مع العلم ان ما كان يعرف بلبنان في زمن الحكم العثماني كان مؤلفا من منطقة الشوف والمتن وكسروان، والبترون، والكورة، وجزّين، وزحلة. لكن لبنان استمر رغم ذلك متفاعلا دوما مع القضايا العربية عامة وقضايا بلاد الشام خاصة. وهو من مؤسسين الجامعة العربية ويسير تحت مظلة المصير العربي الواحد ولم ينكر يوما هويته العربية رسميا. لكن وُجد بين جنباته على الدوام من يسعي الى لبننته ومن يذكّر بهويته وبهوية بلاد الشام قبل ظهور الاسلام وقبل ان تصبح دمشق عاصمة الخلافة الاموية التي امتدت الى الحدود الصينية شرقا والى الحدود الفرنسية غربا.
نعم فقد وجد على الدوام في لبنان من يبث بان العروبة جاءت غازية الى لبنان ابان الفتح العربي الاسلامي لبلاد الشام بعد الانتصار على الروم في معركة اليرموك الخالدة، ووجد من يعنيهم ان يذكّروا اجيال لبنان الطالعة باستمرار بلبنان الفينيقي ويدعون لاحياء القومية السورية بديلا عن القومية العربية. مع انه لا يوجد لغة سورية في لبنان واللغة الوحيدة فيه هي اللغة العربية، فضلا عن بنيته العربية انتماء ومصيرا واسمتراره عصيّا على رغبات اللاعروبين وعصيا على المحاولات الاجنبية الكثيرة لاعطائه صبغة خاصة وجعله امتدادا للحضارة الغربية. لكن مع ذلك اصبح لبنان مرتعا للافكار العربية القومية التحررية منذ بدايات التباشير باليقظة العربية في العقود الاخيرة للحكم العثماني. وظهرت في بيروت جمعيات سياسية سرية وعلنية تناصب الاحتلال العثماني العداء. ولقي المشروع النهضوي لحاكم مصر (محمد علي) الذي دعا لقيام امبراطورية عربية متحررة من حكم العثمانيين كل تأييد من تلك الجمعيات ومن الشرائح والفئات المتنورة في لبنان. وعندما تأسست سرا "الجمعية العربية الفتاة" في باريس سنة 1911 شارك الاحرار اللبنانيون في تأسيسها امثال: عبد الغنى العريسي ومحمد الحمصاني من بيروت، ومحمد رستم حيدر من بعلبك، وانضم اليها ايضا من لبنان بشير قصار، ورشيد الحسامي، وبشير نقاش، وعمر حمد... الى جانب الاحرار السوريين امثال: فخري البارودي، ونسيب وفوزي البكري، ورضا الركابي، واحمد مريود وخالد الحكيم، واحمد قدري. وفي عام 1913 قامت الجمعية السرية هذه بنقل مركزها الى بيروت. ثم فتحت فروعا لها في مختلف مدن بلاد الشام. وأكد اعضاء تلك الجمعية في مؤتمرها الاول، وحدة العرب جميعا مسلمين ومسيحيين من بلاد ما بين الرافدين شرقا الى بلاد المغرب العربي، واكدوا في كتاباتهم وبياناتهم وخطبهم ونشاطاتهم السرية والعلنية، ان العرب امة واحدة تجمعهم وحدة اللغة ووحدة التاريخ المشترك والعادات، وطالبت ادبياتهم وشعاراتهم بالنضال من اجل تحرر العرب من حكم العثمانيين وقيام الوحدة السياسية العربية التي عجزت عن ايجادها بالشكل العادل والصحيح الرابطة الدينية في ظل الخلافة العثمانية، التي استمرت مخيمة على البلاد العربية اربعمئة عام ونيف.
وفي مواجهة ظلم واستبداد جمال باشا السفاح الحاكم العثماني لبلاد الشام في العقد الثاني من القرن الماضي، تعرض قادة النضال العربي التحرري لاحكام قضت باعدام اكثريتهم وكانوا من جميع انحاء بلاد الشام. وكان في عداد قوافل الشهداء يوم السادس من ايار عام 1916 عبد الغني العريسي، وعبد الحميد الزهراوي، وشفيق مؤيد العظم، وسعيد عقل، وجرجي حداد، واحمد طبارة وغيرهم من انحاء سوريا الكبرى "الطبيعية" واظهروا وهم يصعدون الى المشنقة ويوضع حبلها حول اعناقهم شجاعة فائقة غير خائفين ولا وجلين وكانوا يصيحون: فلتحيَ تحيا الامة العربية وليسقط العملاء والخونة.
وبينما كانت الثورة العربية ضد الحكم العثماني في اوج نهوضها من اجل فجر جديد يعيد للعرب استقلالهم وحريتهم ووحدة بلادهم السياسية. وكانت مؤامرة المستعمرين الانجليز والفرنسيين تأخذ طريقها نحو تغيير الخريطة الجغرافية والتاريخية والسياسية لبلاد الشام والعراق بموجب اتفاقية "سايكس بيكو" السرية التي تم كشفها علانية بعد عدة سنوات كما ذكر سابقا ونزلت على الساحل السوري الممتد حينذاك من الاسكندرونة شمالا الى رفح جنوبا قوات فرنسية احتلت بيروت في السابع من تشرين الاول عام 1918 وتابعت تقدمها شمالا واحتلت طرابلس واللاذقية والاسكندرونة، وقسم آخر منها توجه جنوبا وسيطر على الساحل ما بين بيروت ورأس الناقورة جنوب مدينة صور. ولاقت هذه القوات الغازية مقاومة شعبية باسلة من المقاومين اللبنانيين العروبيين في عدة انحاء من لبنان، وارسل رئيس وزراء فرنسا آنذاك رسالة الى الامير فيصل ابن الشريف حسين وكان ملك في دمشق اكد فيها رفضه لمقررات حكومة دمشق الرافضة تقسيم سوريا. واثار في رسالته مسألة الاقليات الدينية والطائفية في لبنان وبان فرنسا تعتبر نفسها راعية لهم ووكيلة عنهم، جرى ذلك بينما كانت غالبية الشعب في لبنان تواجه الاحتلال الفرنسي وتعتبره عدوانا واستعمارا اجنبيا. وفي 31 آب عام 1921 اصدر الجنرال غورو قرار تشكيل دولة لبنان الكبير وعاصمته بيروت، واعتبار اللغة الفرنسية لغة رسمية موازية للغة العربية في لبنان، وعلل ذلك انه جاء بناء على مطلب الاقليات الدينية في لبنان. وتم بذلك فصل لبنان عن سوريا فيما عدا النقد والجمارك، ولم يلاق ما اقدمت عليه فرنسا التأييد من غالبية الشعب في لبنان. وعندما قامت الثورة الوطنية الكبرى في سوريا عام 1925 بقيادة سلطان باشا الاطرش انطلاقا من جبل العرب، شملت تلك الثورة انحاء واسعة من سوريا وامتدت ايضا الى لبنان، ولم يقتصر نضالها على مقاتلة الفرنسيين داخل حدود سوريا الحالية، بل التف اللبنانيون حول الثورة وعضدوها، مما اجبر الفرنسيين على الانسحاب من عدة مواقع عسكرية كانوا يتمركزون فيها. وقدم الثوار اللبنانيين نماذج رائعة في الحرب الشعبية التي طالت غالبية انحاء لبنان. وشكلت معركة راشيا الوادي اروع المعارك التي خاضها سويّا الثوار السوريون واللبنانيون. واعلن المجاهدون اللبنانيون والعديد من الزعماء السياسيين من كافة انحاء لبنان في بيان ارسلوه الى عصبة الامم ومجلس الامن الدولي مطالبتهم بإلغاء فصل لبنان عن امة سوريا. ايضا ذكّروا الجنرال غورو في رسالة ارسلوها له بان فصل لبنان عن سوريا لا يليق بفرنسا التي لم تسلم بفصل الالزاس واللورين عنها.
هذا وقامت في سوريا ولبنان تنظيمات قومية عربية رائدة طالبت بجلاء الاستعمار الفرنسي عنهما. وبرز عدد من المفكرين العروبيين القوميين في مقدمتهم ساطع الحصري، ألفوا العديد من الكتب ونشروا في الصحف الكثير من المقالات التي دعت للنضال بمختلف الوسائل ضد الاستعمار ومن اجل الاستقلال وتحقيق الوحدة العربية. وتألفت احزاب سياسية مشتركة في بيروت ودمشق ترفع شعار الوحدة العربية الى جانب الشعارات الاخرى المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية. منها "عصبة العمل القومي" ومن مؤسسيها البارزين علي ناصر الدين من لبنان، وزكي الارسوزي من لواء الاسكندرونة، وعبد الرحمن الشهبندر من دمشق وفي عام 1924 تألف "الحزب الشيوعي السوري اللبناني" الذي استمر موحدا الى منتصف العقد السادس من القرن الماضي. وفي العقد الرابع من القرن الماضي ظهرت في دمشق حركة البعث العربي وعلى رأسها زكي الارسوزي، وحركة الإحياء العربي وعلى رأسها ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وتوحدتا بعدئذ في حزب واحد هو حزب البعث العربي الذي امتد الى لبنان واقطار عربية اخرى، وظهرت "حركة القوميين العرب" في بيروت وامتدت الى سوريا وغيرها من بلاد العرب. ومن مؤسسيها قسطنطين زريق من لبنان، وجورج حبش من فلسطين وجهاد ضاحي، وهاني الهندي من سوريا، وبفضل الكفاح الوطني المشترك السوري اللبناني تم استقلالهما والجلاء الفرنسي عنهما في عام 1946. وبفضل مواطني لبنان الشرفاء والاحرار والمخلصين لامتهم العربية وقضاياها المصيرية، سيستمر لبنان في جبهة العرب الصامدين والمقاومين لاعداء الامة العربية وضد المتآمرين عليها في الوقت الحاضر وفي المستقبل، ولن ينجح اللاعروبيون في حرف لبنان عن المسار العربي مهما كانوا مدعومين من الاعداء والجهات الاجنبية.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات