بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
العكوب والغزالة
  02/04/2010

العكوب  والغزالة

تراقبه زوجته في فجر كل يوم من بدايات صباحات الربيع كيف يرتدي ثيابه المكوية الملونة وينتعل حذائه الاسود بعد أن يكون قد حلق ذقنه وعطرّها ومشط شعره بمشط له القدرة على محو الشيب، لا يكاد يخرج من الباب وهو يحمل مخلاة على كتفه حتى تقول بصوت شرخته السنين: "تبدو أصغر سنا ومعافا كأن لا مرض فيك".
ثم تسأله مازحة : "هل أنت ذاهب إلى البرية أم للقاء أمرأة غيري"؟
فيرد : "أ نت تعلمين أن لا لسواك في قلبى مكان".
فتتركه ينصرف وهي تقول" كذبك حلو"، ثم تعاود الاندساس في فراش مازال يعبق برائحة جسديهما.
يسافر بسيارته إلى البرية النضرة المطلة على القرى الواقعة من جهة الشرق خلف الأسوار السلكية وهو يقول في نفسه :"الحلم يراود رأسى كل ليلة ولن يتحقق إلا بالذهاب إليه".
جل ما يفعله في البرية هو إلتقاط نبات العكوب الطري، ذو الشكل الاسطواني الرفيع واللون الأخضر الممزوج بالبياض. ثم يدسه في مخلاته بعد أن تكون القمم الشوكية للعكوب قد أدمت رؤوس أصابعه. ثم يجلس ليستريح ويتناول خبزا ويشرب نبيذا، منتظرا أن يرى حلمه يتجسد في النهار المشمس الدافئ، لكن في هذا الصباح حدث ما لم يتوقعه ، فأثناء قطفه للعكوب قفزت من بين الأشجار الباسقة
غزالة ارتفعت في الهواء أكثر من مترين ووقفت أمامه بعيونها الواسعة يغطي ظهرها لون أحمر مائل الى اللون البنيّ، ذيلها قصير وقرونها حادة قصيرة.
أذهله حضورها وانتصابها امامه دون خوف منه وقال في نفسه:
"إنها الغزالة العربية فمن أين أتت في هذا الصباح.... حسبتها إنقرضت".
مشت أمامه مثل ملكة فلحقها حتى توقفت تحت ظلال شجرة وارفة. ثم قفزت تركب الريح واختفت.
حمل الغزال الصغير بين يديه وعاد إلى مجلسه ، أخرج من مخلاته بعض العكوب وصار يطعم الغزال الصغير الذي بالكاد يقوى على الوقوف على قدميه.
لم يفهم لماذا الغزالة دلته على طفلها، ولكنه استرسل في شرب النبيذ ومضغ الخبز حتى ثمل. فقال: "سأعطي هذا الغزال إلى شرطة حماية الطبيعة فلعلهم يغضون الطرف عن قطفي للعكوب".
تمدد على ظهره يرقب شعاع الشمس الذي ينحدر إلى عينيه فيفركهما بيده فيشتم أنفه رائحة زهور البرية . كان يغمض عينية تارة ثم يفتحمها حين يسمع خشخشة الأعشاب وصوت تكسُر أغصان الأشجار، ورأى فرسا بيضاء تنطلق مثل سهم أفلت من قوسه، تركبها أمرأة تضع على رأسها خوذة روميه وترتدي ثوبا إرجوانيا مرصعا بالحلي والجواهر ، ذراعها مكشوفتان لدخول الريح إلى جسدها
وتحمل على كتفها قوس وسهام وتتجه نحوه فقفز مذعورا راكضا نحو سيارته تاركا طفل الغزالة والخبز والنبيذ والسهل النضر، طالبا النجاة إلا أن صوت الفارسة الجهوري أوقفه حين سمع أنا حلمك في الليالي فانتظر، تسمر في مكانه وإلتفت إلى الوراء فشاهد أمرأة شعرها طويل وغزير، عيونها سوداء لامعة مزينة بأهداب سوداء طويلة، علي وجهها ترتسم ابتسامة وأسنانها بيض كأنهن لؤلؤ، وفي جبينها تحدي وجبروت المليكات ، كانت فائقة الجمال فيها وقار الهة قديمة.
بادرته بالكلام بعد أن ترجلت عن فرسها: " أنا الخبز وأنا النبيذ ، فاسكب لي من دمي كأسا ومن جسدي أطعمني خبزا ".
ففعل ..وبعد أن هدأ قال: "انت تشبهين حلمي كثيرا ولكن المرأة التي تزورني تدخل فراشى مختالة في ثوب حرير دون خيول وسهام وخوذ الجند. فمن أنت" ؟
لم تجب وبصقت من فمها الخبز وقالت نبيذك مر وخبزك مالح فمن أين أتيت بهما فرد دون أن يعي مغزى جوابه:
"نبيذي من عنب المزارع الممتدة حتى الجنوب وخبزي من طحين المراكز التجارية".
ثم كرر السؤال: "من أنت أيتها القادمة إلى هذه السهول المنسية؟ ومن أنت حتى تدقي بابها المهجور"؟.
أجابت : "أنا طفلة صغيرة من مدينة في الصحراء. أراد أبى وأدي خوفا من سبي الروم والفرس لي، فخبأتني أمي اليونانية في دغل ،أنا وإخوتي ، فتعلمت القنص والصيد والمبارزة لأن أمي أمنت بما قالته لها العرافة - أن ابنتك من سلالة كليوبترا المصرية سيصير لها شأنا وستصير ملكة - وكما قالت العرافة صرت ملكة تدمر والشرق فهل عرفتني الان "؟
-نعم عرفتك فأنت زنوبيا ..
-بل أنا الزباء سموني العرب لطول وغزارة شعري.
أنا زينب سموني العرب لأن رائحتي مثل نبات عطري . اما زنوبيا فأطلقه الروم علي بعد أن قيدوني في سلاسل الذهب.
فأجاب :
-هذه نهاية كل من يستولي على الحكم بالخديعة والجريمة وهذه نهاية كل من يزج بشعبه في معارك مستحيلة فلو كنت راجحة العقل فطينة لبقيت ملكة حتى مماتك وورثت العرش لأحفادك.
يبدوا أن هذا الكلام قد أغاضها فوقفت منتصبة ورنت بنظراتها نحو الشمس وقالت:
- هي الشمس الازلية تشهد أن الروم قتلوا زوجي ليحل مكانه حاكم مأجور.
فأما أنا فالشعب إختارني واعطيته فرصة أن يزرع الأرض وينبت طعامه وأن يكتسي من قماش بلاده واطلقت للشعراء والفلاسفة حرية الكلام وتركت للناس حرية العبادة والتجوال في مملكتي الكبيرة ولكن الروم طمعوا ببلادي فحاربتهم واتتصرت وحاربتهم وخسرت ولكني لم أهزم أبدا.... ولو وددت العرش لتزوجت قيصر الروم "إورليانوس"، ولكنه طلب مني الخنوع وحرق المزارع وزج الفلاسفة والمغنين في السجون.. ولكنى أخترت حبيبي زبداي قائد جندي فواجه شعبي الحرب بأختياره ولكن بعض الجنرالات في قصري خدعوني وأخرجوني من تدمر لأطلب نجدة الفرس الذين خذلوني، فأسرني الروم ومت بإمتصاصي للسم فلا تشبهني بملوك اليوم المهزومين وهم فوق عروشهم، فالزمن يمضي ولن يبقي منهم خالدا ولن يبقي كرسي. فأما تدمر مازالت باقية إلى اليوم في خاصرة الحياة باقية
.... ثم سكتت ..
فقال بخشوع بعد أن رمى النبيذ على الأرض ووضع الخبز فوق صخرة صغيره "أكملي يا ملكة الشرق .. " ولكنها لم تتمم.. فقد عادت الغزالة تركض نحو طفلها
فقالت الزباء: "ها هي غزالتك قد عادت فاستقبلها واحضنها وطفلها، ولا تخشى شرطة حماية الطبيعة فاما أنا فحانت عودتي للمدينة"، وبلمح البصر قفزت فوق فرسها وانطلقت فصاح سائلا أي مدينة تيمين؟
لكنها لم تجب....
داوود الجولاني

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات