بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
لمحة عن العرب الدروز الفلسطينيين قبل وبعد قيام الدولة العبرية
  21/06/2010

لمحة عن العرب الدروز الفلسطينيين قبل وبعد قيام  الدولة العبرية

أحمد علي القضماني

ألعرب الدروز الفلسطينيون كان عددهم قبل العام 1948 وقيام دولة اسرائيل حوالي عشرين الف نسمة موزعين على ثماني عشرة قرية والغالبية في منطقة الجليل واثنتان في منطقة الكرمل، وهي قرى جبلية وفقيرة الموارد، وكان مصدر عيش سكانها من الزراعة البعلية وتربية المواشي. واعتناقهم لمذهب الموحدين الدروز حدث عند انتشار هذا المذهب في بلاد الشام في اثناء الحكم الفاطمي ولم يسد النظام الاقطاعي بينهم بمفهوم الاقطاع المعروف، وانما برزت بينهم عائلات تمكنت من ممارسة القيادة الدينية والاجتماعية ذات النفوذ الذي له تأثير على النفوس لدى اغلبية الدروز الفلسطينيين. وبرز في قراهم وجهاء يتصفون بالصفات المحمودة. لكن نقطة ضعفهم تمثلت غالبا بالاعتماد على الحاكم الممثل للسلطة في سائر العهود الماضية والحالية. ودائما كانت السلطة في فلسطين غير عربية الى ايامنا الحالية، ولذلك ترسخت لدى اكثرية الوجهاء عادة دخيلة وغريبة على تقاليد العرب الدروز حيث لم تكن عادة التزلف للسلطة الاجنبية الحاكمة من عاداتهم. فان ويلات النعرة الدينية الموجهة ضدهم من شريحة كبيرة من السكان في فلسطين طوال القرون الماضية، اسهمت بدوام حاجتهم للتقارب من السلطة الحاكمة، والحكام الاجانب من مصلحتهم توسيع دائرة الخلاف الطائفي ليسهل عليهم بسط نفوذهم وسلطتهم.
وهذا الواقع الموروث منذ اجيال عديدة سهّل مهمة الحكام الصهاينة بعد قيام دولتهم فاخذوا تواقيع عدد من الوجهاء الدروز في الجليل والكرمل لتطبيق الخدمة العسكرية على الشبان الدروز في الجيش الاسرائيلي، مع ان الاغلبية الساحقة من المواطنين العرب الدروز الفلسطينيين رفضوا ذلك ووقعوا على العديد من العرائض التي سلموها للسلطة الاسرائيلية معلنين فيها رفضهم الشديد والقاطع لتطبيق الخدمة الالزامية على ابنائهم، ومع ذلك لم تستجب السلطة الحاكمة الاسرائيلية لذلك، ولا يزال هذا القانون مطبقا على الشبان العرب الدروز في الجليل والكرمل مع ان ذلك يتعارض مع تسويق الحكومات الاسرائيلية لذاتها بانها الدمقراطية الوحيدة في المنطقة وتفاخر بذلك كثيرا.
ولم يطل الوقت حتى نشأت في القرى العربية الدرزية في الجليل والكرمل "لجنة المبادرة العربية الدرزية" واخذت على عاتقها مواصلة المطالبة بالامتناع عن تطبيق قانون الخدمة الاجبارية على الشبان الدروز، وبرز من بين الجمهور المطالب بذلك الشيخ المرحوم "فرهود قاسم فرهود" اول رئيس لهذه اللجنة والى جانبه مناضلون آخرون من الشباب الدروز التقدميين الذين كان لهم من قبل والى الآن دور كفاحي ملموس في ساحة الفلسطينيين داخل اسرائيل، وفي مقدمتهم الشاعر الكبير سميح القاسم، والكاتب محمد نفاع الامين العام الحالي للحزب الشيوعي الاسرائيلي، والاستاذ المرحوم سليمان شحادة، وكل من الاساتذة سلمان الناطور وحسين مهنا، ونور عامر، وسعيد نفاع والمرحوم عاصم الخطيب اول سكرتير للجنة المبادرة والشاعر نايف سليم. والناقد الادبي نبيه القاسم، والمربي نمر نمر وغالب سيف وجهاد سعد سكرتير لجنة المبادرة العربية الدرزية حاليا، والاستاذ جمال معدي رئيس اللجنة سابقا، وحاتم اسماعيل حلبي، وشفيق الزاهر، وقاسم غانم، ونهاد ملحم، وسليمان مرزوق، وفرج خنيفس وحسن قاسم وفواز ابو الزلف وسلامة حمود وحمد صلالحة ونهاد الفارس وسهيل قبلان وآخرون لا احفظ اسماءهم لاسفي الشديد.
هذا ولم يقتصر نضال لجنة المبادرة العربية الدرزية على معارضة الخدمة الالزامية في الجيش الاسرائيلي بل تضمن ايضا النضال لايقاف مصادرة الاراضي واعادة ما صودر منها لاصحابها، ومكافحة ما يسمى بالتراث الدرزي كمادة تدرس في المدارس بقصد تدريز الاجيال الطالعة واضعاف ارتباطها القومي بأمتها العربية وشعبها العربي الفلسطيني وحيث معركتها هي جزء لا يتجزأ من معركة الجماهير العربية في اسرائيل.
هذا وفي زمن الانتداب البريطاني شارك العديد من العرب الدروز الفلسطينيين بالنضال الوطني المضاد له بما في ذلك النضال المسلح وفي الانتفاضات والهبّات الشعبية المناوئة وشاركوا في (عصبة الكف الاخضر) التي اسسها وقادها المجاهد
الوطني العربي الدرزي الفلسطيني "احمد طافش" كما اشتركوا في ثورة عام 1936 ومن شهدائهم، "سليمان قاسم الغضبان" ومحمد علي الغضبان ويوسف صالح خير وفارس سليم نخلة وسليم محمود سعيدة والثائر الملقب بالاصبح وقاسم ذبيات ومحمود الصالح وحمدان ابو حمدان ومحمود حسن عامر ومزيد فارس خير واحمد صالح مداح ومحمد ابراهيم بكرية ودوخي حسين معدي، وسعيد احمد معدي ومهنا يوسف خيزران ويوسف سلمان الحبيشي وسلمان رزمك قويقس وسلمان عويضة ومهنا ابو حمدة واحمد يوسف طربيه ومحمد حمدان وسليمان حمدان وسليمان حبقة وشهداء آخرون التعرف على اسمائهم جميعا يتطلب جهدا ووقتا لم تسعفني الظروف على القيام به.
وفي حرب عام 1948 انخرط مئات المقاتلين العرب الدروز الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين في جيش الانقاذ، وخاضوا عدة معارك في سبيل الحق العربي الفلسطيني، كانت معركة "الهوشي والكساير" في الجليل قريبا من مدينة "شفاعمرو" اكبرها واهمها، واستشهد في هذه المعركة وغيرها نحو مئة وخمسين شهيدًا بالاضافة لعدد كبير من الجرحى. ومن شهداء معركة الهوشي والكساير الشهيد فهد محمود وهو من بلدتنا العربية السورية مجدل شمس حيث شارك عدد من شبابها في تلك المعركة.
هذا ومن اللافت والمفيد للباحث الانتباه اليه ان الولاء للاحزاب الصهيونية بعد قيام الدولة الاسرائيلية لم يقتصر على العديد من الوجهاء العرب الدروز، وانما يشمل بعضا من الطوائف العربية الاخرى، الموالين للاحزاب الصهيونية حفاظا على مصالحهم ولا يتورعون عن القيام بالدعاية الانتخابية الواسعة والنشيطة لصالح تلك الاحزاب الحاكمة منها والمعارضة، واعطائهم اصواتهم، رغم ما تقوم به الحكومات الاسرائيلية المؤلفة من تلك الاحزاب من تمييز صارخ في الحقوق لصالح المواطنين اليهود على حساب المواطنين العرب. ومع ذلك تعززت للاسف الشديد الاشاعة المغرضة بعد صمود العرب الدروز في قراهم في اثناء حرب عام 1948، بان صمودهم وبقاءهم في بلداتهم وارضهم في منطقتي الجليل والكرمل سببه التعاطف بين الصهاينة والدروز. فبدلا من تحيتهم والثناء عليهم لانهم استطاعوا البقاء في قراهم وبيوتهم وارضهم، اتهموا بما هم ابرياء منه. وبقاء الدروز في وطنهم لم يختلف عن موقف بضعة الوف من ابناء الطوائف الاخرى الذين استطاعوا ايضا الصمود والبقاء في بلداتهم وقراهم. فليس الولاء للصهاينة كما تصور البعض هو العامل الذي ثبّت المواطنين الفلسطينيين الدروز في ارضهم وقراهم، بل لتشبث الفلاح العربي الدرزي بارضه ومسكنه اللذين ورثهما عن الآباء والاجداد منذ اجيال عديدة ومن الصعب عليه فراقهما خاصة لانه لا يقاسي من الاقطاع والاقطاعيين كما كان الحال في مناطق عربية اخرى.
زد على كل ما ذكرته، ان الصهاينة كانوا مدركين بان تخلف الدروز الفلسطينيين آنذاك سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعددهم القليل الذي كان آنذاك لا يتجاوز العشرين الف نسمة من الكبار والصغار رجالا ونساء، لن يشكل اية خطورة ولا ضرر منه حيث قراهم العربية الدرزية واقعة في مناطق وعرة وفقيرة التربة وقليلة المياه وقليلة الجاذبية للاستيطان الصهيوني. ايضا بقاء العرب الدروز الفلسطينيين في ديارهم يفيد الصهاينة اعلاميا باظهار الدروز طائفة غير معادية لاسرائيل. وقد نجحت فعلا بذلك فقد اوهمت قطاعات عربية شقيقة داخل اسرائيل وخارجها بان الدروز حلفاء لاسرائيل خاصة بعدما تمكنت من تطبيق قانون التجنيد الاجباري على الشبان الدروز. مستفيدة من جهل الوجهاء الضعفاء وضيق افقهم السياسي فهم لم يدركوا خطورة ذلك على سمعة وكرامة الدروز عامة، وبان للسلطة الاسرائيلية هدفا آخر من ذلك وهو جذب الشبان الدروز لاحتراف المهنة العسكرية وترك الارض ومهنة الفلاحة وهذا مع الزمن يسهل عليهم مستقبلا امتلاك اراضيهم المهملة التي لا تجد الا ايادي قليلة تعمل بها. ومع مرور الزمن اعتقد الصهاينة بامكانية سلخ الدروز عن شعبهم وامتهم العربية. وللاسف الشديد نجح الحكام الاسرائيليون باستغلال وسائل الاعلام العربية لفترة زمنية طويلة في اثارة الشكوك حول الدروز ككل دون ان يفطن هؤلاء الاعلاميون الا بعد حين للمخطط الصهيوني وأبعاده الماكرة بكسر أنفة الدروز وخلخلة رابطتهم بامتهم العربية. ولهذا الهدف الصهيوني فرضت سلطة التعليم الاسرائيلية مادة "التراث الدرزي" كدرس أساسي كأن للدروز تراثا خاصا بهم غير تراث امتهم العربية. ولذلك يردد الاعلام الصهيوني باستمرار القول: الدروز والعرب والعرب والدروز، لتثبيت هذه المقولة الكاذبة في اذهان الناس وذلك لاعتقاد الصهاينة وقادتهم خاصة، بان ذلك يخدم اهداف اسرائيل التوسعية وحلمها بتجزئة المشرق العربي طائفيا اكثر مما جزأته المطامع البريطانية والفرنسية اصحاب معاهدة "سايكس بيكو" بقصد خلق كيانات مجاورة لاسرائيل على اساس طائفي، واكبر دليل على ذلك واقربه للذاكرة ما اوجدته واسمته بدولة لبنان الحر بقيادة سعد حداد، ايضا اوضح مثال على ذلك محاولة اسرائيل التي آلت للفشل الذريع والخسران المبين باقامة دويلة درزية في الجولان العربي السوري المحتل منذ الحرب العدوانية التي شنتها اسرائيل على جيرانها في الخامس من حزيران عام 1967، وفشلها بتحقيق ذلك هو خير شاهد على وهج العروبة والوطنية المنبعثة من افئدة وعقول العرب الدروز مواطني قرانا العربية السورية المحتلة، ووعيهم السياسي الواسع المدى الذي احبط ذلك المخطط الاسرائيلي وافشله تماما.
(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات