بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
وعلى الأحرار سلام.. تحيّة لبرهان غليون
  01/01/2006
 

وعلى الأحرار سلام.. تحيّة لبرهان غليون

بقلم: حسان شمس

كُنا نعيش في "عقدة طهارتنا"، لا هَمّ لنا ولا غَمّ، سوى أنَّ الجولان عربي سوري، ‏وأنَّ الاحتلال زائل لا محالة؛ يوم صَدَمنا برهان غليون وثلّة مِن أسياد الكلمة الحرّة والقلم ‏الجريء، بحقيقة أوطاننا التي تشبه كلَّ الأشياء إلا الأوطان؛ حقيقة أنَّ أرخصَ ما فيها أعزُّ ما ‏في الكون والأوطان؛ لندركَ لاحقاً، أنّا كنّا متآمرين بالصمت على أنفسنا أولاً، وعلى أوطاننا ‏تالياً؛ ساعةَ غضضنا الطرف عن بَدَهيّة أنَّ الحقيقة أقدسُ مِن أن تُحَدَّ بزمان أو مكان واعتبار، ‏وَغلّبنا الوطنية على قيم الحرّية والعدالة والديموقراطية، حينَ أملى على كثيرين مّنا الوقوف ‏بوجه القهر والاحتلال، إغماض الأعين عن أنَّ الظلم ليس له وطن ولا دين، وكائناً ما كان ‏مصدره.

الدكتور برهان غليون، ومِن مقامه العلمي الرفيع في جامعة السوربون، أطلَّ علينا ‏بمقال على صفحات "الاتحاد" الإماراتية 01\03\2006، بعنوان: "وفاء الجولان"، ‏مُشخّصِاً الحالة الجولانية وما تحتله في الضمير السوري، الشعبي والرسمي، مستلهماً ذلك كلّه ‏مِن رسالة وصلته، تحمل توقيع أحد أسرى الجولان السوري المحتل في سجون العدو ‏الإسرائيلي.

فضيلةُ برهان غليون، أنه كان ممَّن كتبوا وقالوا، يوم كان لكلمة الحق ثمنها ‏الباهظ. هجرَ الوطن حاملاً أوجاعه ومآسيه إلى حيث استقر به المقام، ساعياً بكل ما أوتي إلى ‏لضم جراحه. فإضافة إلى كونه هالة معرفية وفكرية وعلمية، كان مِن هدّامي الأسوار العالية - ‏ليسَ على طريقة فرسان القرون الوسطى - وهو، مِن أولئك الذين لهم شرف إطلاق الرصاصة ‏الأولى على قلاع القمع وعروش الطغيان، عبر سلسلة طويلة من الكتب والمقالات والندوات ‏والإطلالات المذاعة والمتلفزة. وكان، دعا المثقف ذات يوم فيما دعا "أن يرتدَّ بصره تجاه ‏المجتمع والشعب، بدل أن تظلَّ عيونه معلّقة ومبهورة ببريق سلطة زائلة".

يطلُّ علينا اليوم برهان غليون، كما ياسين الحاج صالح، صبحي حديدي، رزان ‏زيتونة وفايز سارة وآخرون، ليلقي على أهله في الجولان تحية بعد طول غياب. كيف لا؟ ‏ودعواته الدائمة إلى تحديد بوصلة المشاعر الوطنية والقومية، وتنقيتها مِن فوضى حواسها، ‏تلتقي مع توجه الكثيرين مِن مُحبّيه هنا.

سنوات القهر، التي يقضيها وئام عماشة، الأسير الجولاني الذي شكا همّه لبرهان ‏غليون، علّمته أن الطريق إلى تحرير أرضنا المحتلة، لا يمكن أن يمرّ إلا عبر كسر قيد ‏الوطن، بعد أن أفرغت حلقات العنف والصراع الدائر في منطقتنا كل الأيديولوجيات ‏والديماغوجيات العربية السائدة مِن مضامينها، والتي قامت مِن الأصل على ضرب قيم المواطنة ‏الحقّة وتهشيمها.

في معرض حديثه، عن معركة المصير التي يخوضها النظام، وما ترتّب على ذلك مِن ‏تأجيل حسم بعض القضايا، وعلى رأسها الجولان، يستنتج الدكتور غليون أن هذا الوضع ‏‏"أحبطَ أسرى الجولان كما أحبطَ شعبه، الذي ينتظر منذ عقود عودته إلى وطنه الأم، ودفع بهم ‏مع بقية أبناء وطنهم إلى موقف المعارضة، واعتبار الوصول إلى ضمان الحريات والحقوق ‏الأساسية لكل فرد، هو الطريقة الحتمية نحو تحرير الجولان وضمان الحقوق الوطنية لسكانه".

لكن الموضوعية والأمانة الصحفية تقتضيان التوضيح، أنَّ الجولان لا يشكّل حالة ‏معارِضة بالمعنى الدقيق الذي خلص إليه الدكتور غليون، رغم وجود الكثيرين ممّن تنسجم ‏مواقفهم مع طروحات المعارضة السورية. ففي الجولان خليط هائل مِن الاصطفافات السياسية ‏والعقائدية، على اعتبار أنه لم يعرف الولاءات الحزبية أو الانتماءات السياسية المنظّمة بمعناها ‏الحقيقي منذ الاحتلال، وقد تسأل أحدهم عن انتمائه، فيجيبك ممازحاً أنه وطنيّ حُرّ (يَعني.. ‏مِن جماعة دوري شمعون).

فبعض الأطراف، التي تتعاطى الشأن السياسي أو يحرّكها الهمّ الوطني تعاني تشويشاً ‏كبيراً، وخلطاً في تعاريف الانتماء والولاء، إما عن قناعة، وإما بحكم الضرورة؛ فتحْتَ ‏ذريعة أولوية مقاومة الاحتلال، وعدم شرخ الصف الوطني، يحاول البعض هنا حصر الولاء ‏للوطن مِن بوابة الولاء للنظام الحاكم فيه، بل إنَّ مجرّد إطلاق صفة " نظام " وليسَ " قيادة " ‏على السلطة الحاكمة، يكاد يكون بأعين أولئك خيانة وطنية لا تُغتفَر! بينما، تَعتبر شرائح ‏أخرى، أنَّ حبلَ سُرَّة وحلفاً موضوعياً يربط بين جثومهم الطويل تحت الاحتلال، ووجود نظام ‏شمولي تسلّطي على سدَّة الحكم في وطنهم.

وكيلا لا يقع أي كاتب مهتم بشؤون الجولان - عن طيب نيّة - ضحيّة تشويش، تكفي ‏زيارة سريعة لمواقع الإنترنت الجولانية، لمعرفة حجم التنوع في المواقف والرؤى، و حتى بين ‏المعتقلين أنفسهم؛ فالحقيقة، التي لم، ولن تقبل اللبس أو التأويل، هي أنَّ الجولان عربي سوري ‏بأرضه ومواطنيه، وكل ما عدا ذلك كان قابلاً للنقاش والتشريح والاختلاف، وسيبقى.

نفس المضامين، التي حملتها رسالة وئام للدكتور غليون، جاءت في رسالتين لكاتب ‏هذه السطور خلال الشهر الفائت، مِن زملاء وئام خلف قضبان الأسر الإسرائيلية، داعيةً إلى ‏تذكير أصحاب الشأن والقرار في الوطن بجرحهم النازف، وتعويم قضيتهم على كافة المؤسسات ‏الحقوقية والهيئات الدولية المختصة.

فهل نفضح سرّاً، لو قلنا إنّ الجولان لم يوطّن في الذاكرة السورية إلا بمقدار ما كان ‏يعزز نفوذ السلطة؟ كما خَلُصَ ياسين الحاج صالح في مقالة له بعنوان "موقع الجولان في ‏الوعي السوري الحالي - ملحق النهار 13/2/2005". هذا الجولان، بقي يعاني يتماً مِن ‏الوطن وجوراً مِن المحتل في آن، تحكمه وتتحكم بمصير أهله ازدواجية بطولة وغبن، وحيث ‏لم يؤخَذ بأية قاعدة فقهية أو علمية في التعامل معه، خلا الاستجابة المتأخرة لبعض المطالب ‏الملّحة بعد طول مناشدة وصراخ، والمرفقة كالعادة بإكسسوارات ترقيعية لا تغني فقيراً ولا ‏تكسي عرياناً، كتلك التي شهدنا مؤخّراً بعض فصولها!. فليسَ إحضار وئام وهّاب (الوزير ‏اللبناني الأسبق) إلى موقع "عين التينة" المقابل لقراهم المحتلة، هو الهديّة التي يستحقونها بعد ‏تسعة وثلاثين عاماً مِن الاحتلال! ولا إقحامهم في لعبة شحن طائفية، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ‏ضدَّ بعض الساسة اللبنانيين، هو ما يقوّي عزيمتهم، و يشدُّ أزرهم في وجه غاصبهم!‏

إنَّ أهالي الجولان، لا يتحملون المسؤولية التاريخية ولا الأخلاقية أو السياسية لوجودهم ‏تحت الاحتلال؛ ولا هم مَن أعلنوا سقوط القنيطرة، فيما الجيش السوري يقاتل العدو على ‏ضفاف بحيرة طبرّيا؛ وليسَ الاختلال الحاصل في موازين القوى الإقليمية والدولية صُنعَ ‏أيديهم؛ ففضيلة بقائهم منغرسين في أرضهم، رغم كل أهوال الاحتلال وبلاويه، لا تعادلها ‏قيمة. إنهم، يستحقون مِن دولتهم - بصرف النظر عمَّن يحكمها - معاملة، أقلّها حكمة تلك الأم ‏التي سُئلت عن أحبّ أبنائها فأجابت: الغائب حتى يرجع. وهذا ما لم يحصل بكل صراحة، ‏وبالفم الملآن. ‏

فالسعي الجَدّي لإطلاق سراح أسراهم، باتَ مطلباً أكثرَ مِن مُلحّ، كما أنَّ تسهيل عبور ‏أهالي الهضبة المحتلة إلى الوطن، عبر الأردن أو سواه، ليسَ جريمة نكراء؛ وعلى الدولة أن ‏تتواضع قليلاً قبل رَدِّ طلباتهم، أو الضرب بها عُرض الحائط. فالأم، التي مضى أربعون عاماً ‏على فراقها فلذة كبدها، أو الأخت التي لا تعرف أخاها إلا بالصورة، لا تفهمان في القضايا ‏السيادية وفذلكات الأمن القومي؛ وليسَ مطلوباً منهنَّ مِن الأصل فهم ذلك، أمام عجز دولتهم عن ‏استعادة أرضهم المحتلة، حرباً أو سلماً، منذ أربعة عقود.

لكن لا بأس، فيوم صمد أهالي الجولان في قراهم، رافضين النزوح عنها لم يتلقوا ‏الشارة عن بُعد؛ وحين تشكلت خلايا الكفاح المسلح والعمل السري، فرضت نفسها على الوطن ‏فرضاً؛ ولحظة نفّذ الأهالي أطول إضراب في العصر الحديث، رفضاً لقانون ضم المحتل ‏وجنسيته، لم يكن ذلك إلا بقرار ذاتي. هكذا كانوا .. هكذا سيبقون. فمسألة عروبة الجولان ‏وسوريّة أهله فوق كل اعتبار، وأكبر من جميع الأنظمة وحساباتها المصلحية.

فالجولان، سيبقى نقطة مضيئة في حاضر السوريين ومستقبلهم، وسيكون على الدوام ‏‏"شيكّاً" مضمون الرصيد لكل القوى الوطنية والديموقراطية الحرّة، التي تعمل على تحرير ‏الوطن من قيوده، كخطوة أولى على دروب عزّته، واستعادة الجولان من براثن المحتل ‏الإسرائيلي، موقنةً أنّ رفض الظلم فرض وواجب، سواء كان مصدره محكمة أمن الدولة ‏الدمشقية، وسجون تدمر وعدرا وصيدنايا، أو معتقلات شطّة وتلموند وعسقلان الإسرائيلية. ‏فوطن حرّ سيّد لجميع أبنائه، يُمثّل بكل تأكيد أعظم هديّة لمواطني الجولان، ويُعتبَر زادهم ‏وزوّادتهم، وذخيرة حيّة لصمودهم في وجه عدوّهم المحتل، لا بل سبيلهم الأوحد إلى التحرير ‏والخلاص. فتحيةً لبرهان غليون، وكل الذين كسروا احتكار السلطة قضيّة الجولان، لتعود ملكاً ‏للشعب السوري، كل الشعب السوري

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات