بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
لم يجف الضرع بعد
  20/03/2006

   لم يجف الضرع بعد

بقلم: أيمن أبو جبل

لم يجف الضرع بعد، ولم يبس الزرع بعد، ما زال هناك بين حدقات العيون، والصدور المجروحة، يكبر الأمل.. وينمو هذا العشق البرئ من التراجيديا الإنسانية الجولانية، العشق بين لعبة الحياة، ولعبة الموت.. بين الإنسان والإنسان بأجمل صوره وأروع تجلياته...

هذا العام ككل الأعوام التي مضت، يحتفل الجولانييون بعيد الأم أسوة بباقي شعوب الأرض، إلا إن الطقوس الجولانية بهذا الاحتفال اختلفت وما زالت تختلف عن أي بقعة على وجه هذه الأرض . لايضاهي التراجيديا الجولانية فيما مضى سوى تلك الأم اللبنانية التي ودعت ابنها إما شهيدا أو اسيراً. وتلك الأم التي زفته عريسا في ليلة استشهاده، واستقبلته بزغاريد فلسطينية، وهو مسجى،بين دموع الدم المنهمرة فوق الأرض الفلسطينية، ولن ننسى بكائيات الأم في ارض الرافدين، التي تحاول أن تعيد ثانية طعم مياه دجله والفرات، الممزوج بدماء أبناءها .

فنحن إن أعمتنا اختلافات السياسة ومواقفها،وأبعدتنا الواحد عن الأخر لبعض الوقت، أو لكل الوقت، إلا إننا سنكون على اتفاق لا جدال فيه، ولا مكان فيه للمواقف،وهو إن عيد الأم في حكايتنا الجولانية بكل مكوناته ومعانيه لهو أجمل وارفع وأروع اتفاق في بكل مكوناتها وبكل معانيها، رغم كل ما تشهده من اصطفافات واستباقات جديدة .

هذا اليوم يعود الجولان إلى رونقه، والى طبيعته،التي أحببناها فينا يوما، الأصالة، والمروءة، والوفاء . الوفاء إلى كل أولئك الذين مضوا على مذبح حريتنا،عزات ونزيه وغالية وفايز، وليس أخرهم الأسير الشهيد هايل الذي ودعنا قائلا: " نحن طلاب حق، ولسنا مجرمين. نحن ورثة تاريخ شعب وحضارة مجيدة وعريقة، نعتز ونفخر بكوننا من أبنائها. وتاريخ سوريا، ومنطقة الجولان خاصة، مليئة بالصفحات المنيرة والمشرقة، نحن أصحاب حق، لقضية عادلة".

والوفاء إلى أولئك الوافدين إلينا في عتمة ليالينا، يحملون لنا أملا جديدا من وراء أكياسهم الحجرية الرطبة ، ومن عيونهم المحدقة في انتظار نعشهم، ليحيا ما تبقى فينا من كبرياء وكرامة وانتصار طال انتظاره.. هناك اعتادوا على التفكير طويلا، كيف يمكن ان تحمل بسمة صغيرة وتطبعها مع قبلة صغيرة تتجاوز شبك الزيارة والزجاج الفاصل لتصل إلى وجه امك ، علها تعيد اليه بعض من اللون إليه، وكيف يمكن ان تتحايل على نفسك بالابتسام وأنت تقول لها " تنعاد عليكي يا رب" والله يخليك يا امي" وانشاء الله السنة الجاي بكون معكم" وأنت تدرك في أعماقك ان ما تعتقده ابتسامة ينعكس صراخا وبكاء مكبوتا داخلها حتى ينتهي وقت الزيارة، لان قانونك واضح لديها، لا للبكاء ولا للدموع امامهم، فهل يمكن لها ان تحتمل بعد هذا البكاء المخنوق؟؟؟ هل يمكن لها بعد ان تتطلع إلى هديتك المصنوعة من يديك بعناية وعليها بضعا من كلماتك كل عام؟؟؟ وهل يمكن ان تبعد الشكوك داخلك بأنها ستمتلك القوة بعد لتسمع كلماتك، وتستلم هديتك في العيد القادم ؟؟؟

الجولان يمضي، ويمضي، يستقبل أسيراً، ويودعه شهيدا، "قالوا لنا هذه المرة نريد صورة الشهيد، قبل عام واحد فقط،قالوا لنا نريد صورة الأسير. هي كلمات عادية لكنها في داخلي كانت كالسهام تطعنني، هكذا قالت شقيقة الأسير هايل في عفوية الشوق المشتعل داخلها، وبراءة الموقف الذي تجلى فيه هايل بعد رحيله. وهناك حيث إمكانيات الوطن مفتوحة ومتاحة بادرت السيدة أسماء الأسد زوجة رئيس الجمهورية إلى توجيه لفته إنسانية ، ذات مضامين سياسية وأخلاقية، في تخصيص بعضا من الوقت القليل للجولان ونساءهن وخصت شقيقة الشهيد الأسير هايل أبو زيد بلقاء ليكون بمثابة رسالة إلى الجولانيين في معاناتهم التي تجاوزت اليوم كل المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي فرضت واقعا قاسيا عليهم، فالأبناء تكوي وجوههم شمس هذا اليوم أتوا من مقاعد دراستهم في جامعة دمشق ليكونوا وعبر خطوط الألغام والأسلاك الشائكة التي صنعتها دولة" الحضارة والديمقراطية الإسرائيلية" إلى جانب أمهاتهم على خط وقف إطلاق النار ، لاتفصلهم عن صدورهن سوى كلمات وقصيدة ونشيد عبر الأثير، ويد تمسح دمعة والأخرى تلوح من بعيد.. أمتار عدة تفصل بين ذاك الجسد وهذا الحضن الدافئ، فكيف من الممكن إن نحمل بطاقة معايدة، إن كان القلب ملئيا بالآهات والدموع.

عيد الأم في الجولان، هو محاولة لإعادة وترسيخ تلك الآمال المفقودة، والطموحات المنشودة، والرغبات المنثورة، وهو محاولة أيضا، للتعويض عن ذاك العجز والضعف والإهمال الذي تفيض به النفوس منذ سنوات عدة، دون إن يكون له أي صدى او كلام، أو حتى أفعال ملموسة تحمل في باطنها أدوات تغير لواقع بات واقعة اشد مرارة واشد وجعاً. وبين المحاولة والمحاولة، يستنهض الجولان، مجددا في هذا اليوم وكل على طريقة طقوسه الاحتفالية، زيارات منظمة ومرتبة إلى منازل ذوي الشهداء، وذوي الأسرى، تحمل صورا لهم، وبطاقات المعايدة التي اعدت قبل أيام من المناسبة تحمل بدورها أيضا ا عبارة تضامن يتيمة.. زيارات هي كذلك تعبيرا عن تواصل الاجيال مع الاجيال، قامت بها مجموعة من طلبة الجولان، ومجموعة أخرى من شبيبة الجولان، إضافة إلى لجنة دعم الأسرى والمعتقلين في الجولان، ورابطة الجامعيين وبالأمس أقيمت أمسية فنية اشتركت بها براعم جولانية صاعدة تشق طريقها بتحدي الأفكار المسبقة، والإمكانيات المتوفرة في كتابة وقراءة الشعر، والأغنية الوجدانية، فكانت مشاركتهن في الأمسية التي دعى إليها تجمع الجولان السوري، هو محاولة أخرى، لاستكمال تلك الطقوس التي تتوارى أحيانا في زحمة همومنا واهتماماتنا.وتعميقا لهذا الهم الكبير الذي ما زال يوقظ أحاسيسنا بأن شعبنا الكبير ما زال بألف خير.... فكل عام وأنت بألف خير يا أيتها الأم الصابرة المكافحة في هذا الجزء المحتل من وطننا الحبيب.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات