بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
قراءة قانونية في الإجراء الإسرائيلي القاضي بتنظيم استفتاء عام قبل أي ا
  08/12/2010

قراءة قانونية في الإجراء الإسرائيلي القاضي بتنظيم استفتاء عام قبل أي انسحاب من الجولان السوري المحتل
 بقلم: د. رائق شعلان

أقر الكنيست الإسرائيلي مؤخراً مشروع قانون يقضي بتنظيم استفتاء عام قبل الانسحاب من الجولان السوري والقدس الشرقية المحتلين في إجراء عدواني جديد يستهدف الأراضي العربية المحتلة. وهنا نتساءل عن موقف القانون الدولي من هذا الإجراء، وهل من قيمة قانونية لأي استفتاء تجريه حكومة الاحتلال يتعلق بالانسحاب من الجولان المحتل (سأقصر الحديث عن الجولان)؟. إن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب منا الحديث مقدماً عن الوضع القانوني للجولان.
الوضع القانوني للجولان
إن الجولان جزء لا يتجزأ من الأراضي السورية، وهذه الحقيقة الثابتة تاريخياً وجغرافياً وسياسياً لا تقبل الدحض أو حتى مجرد التشكيك، فالجولان وعلى مر العصور والأزمان لم يكن له تاريخ مستقل عن تاريخ سورية، ولم ينفصل عنها في أي حقبة من الحقب. وظل على الدوام جزءاً منها، وترسخ ذلك بعد انفصال سورية عن الإمبراطورية العثمانية عام 1918م وما تلاها من انتداب واقتطاع لأجزاء من أراضيها. ومع الاستقلال وجلاء المستعمر الفرنسي عام 1946م مارست سورية سيادتها الوطنية الكاملة على هذا الجزء من إقليمها الجغرافي، واستمر الوضع هكذا حتى العدوان الإسرائيلي الشامل عام 1967م والذي نتج عنه احتلال مساحات واسعة من الأراضي العربية، منها نحو 1150 كم2 من مساحة الجولان السوري، أي نحو ثلثي مساحة الجولان البالغة نحو 1800 كم2. ومنذ ذلك التاريخ أصبح الجولان أرضاً محتلة واقعة تحت الاحتلال والسيطرة الفعلية الإسرائيلية وخاضعاً لأحكام الاحتلال الحربي، وهذا الوضع أكدته قرارات الشرعية الدولية، ولاسيما القرارات الصادرة عن الأجهزة الرئيسية لمنظمة الأمم المتحدة، وكذلك تأكد من خلال مواقف مختلف دول العالم، ومنها الدول الحليفة والصديقة لإسرائيل.
ويترتب على عدِّ الجولان أرضاً سورية محتلة أن أحكام الاحتلال الحربي، ولاسيما اتفاقية لاهاي لعام 1907م واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م والبروتوكول الأول لعام 1977م الملحق باتفاقيات جنيف تنطبق وتسري على الجولان المحتل. ولأحكام الاحتلال الحربي أثران أساسيان، أولهما: أن الاحتلال الحربي لا ينقل السيادة إلى دولة الاحتلال، فهو حالة واقعية وليس قانونية، وهذا مبدأ مسلم به في القانون الدولي المعاصر، وهو نتيجة طبيعية لمبدأ عدم جواز استخدام القوة في العلاقات الدولية، ومن ثم لا يجوز لدولة الاحتلال ضم الإقليم المحتل، وأي إجراء من هذا القبيل يُعَدُّ باطلاً وملغى ولا قيمة قانونية له. أما الأثر الثاني، فهو منح دولة الاحتلال سلطات محدودة ومؤقتة على الإقليم المحتل، وهذه السلطات تقتصر على إدارة الإقليم وأداء الخدمات العامة، والغرض من ذلك حفظ الأمن والنظام العام، ويترتب على ذلك أن على دولة الاحتلال الالتزام بالامتناع عن معاملة الإقليم المحتل كجزء من إقليمها أو عَدِّ سكانه من رعاياها. وهنا لابد من التأكيد أن الاحتلال جريمة عدوان مستمر يرتب المسؤولية الدولية الجزائية والمدنية، والاعتراف لسلطة الاحتلال ببعض الاختصاصات، لا يعني بأي حال من الأحوال الاعتراف بشرعية الاحتلال، وإنما حفاظ على سيادة الدولة الأصلية وسكانها.
دلالات قانون الاستفتاء
إن المتتبع لسياسة الاحتلال الإسرائيلي تجاه الجولان السوري المحتل، يجد أن هذا الاحتلال أخذ منذ سنوات طويلة نسبياً، باستصدار قوانين متعاقبة تقضي بإجراء استفتاء حول الانسحاب من الجولان المحتل، في خطوة لها دلالات متعددة، أولاها: محاولة حكومة الاحتلال عرقلة أي اتفاق سلام مع سورية، وهذه الحقيقة برزت بوضوح في منتصف التسعينيات عندما حدث تقدم في المفاوضات على المسار السوري- الإسرائيلي (قبيل اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين عام 1995م)، فحينها ربطت إسرائيل أي انسحاب من الجولان بإجراء استفتاء وهو ما رفضته سورية بشدة. الدلالة الثانية أن هذا القانون يعكس حقيقة الموقف الإسرائيلي الرافض للسلام، وإقراره تأكيد وضع شروط مسبقة لاستئناف المفاوضات وهو ما يتعارض مع الأساس القانوني لهذه المفاوضات المستندة إلى قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام. أما الدلالة الثالثة فهي أن هذا القانون يندرج في إطار سياسة الاحتلال القائمة على أساس تغليب الفعالية والأمر الواقع على مبدأ الشرعية، أي بتغليب الواقع على القانون مع مضي الوقت، ومن ثم محاولتها إضفاء الشرعية على مخالفاتها وانتهاكاتها للقانون الدولي.
بطلان الاستفتاء بشأن أي انسحاب إسرائيلي من الجولان المحتل
إن الاحتلال الحربي، وكما بيّنا لا ينقل السيادة وأثره يقتصر على منح المحتل سلطات محدودة ومؤقتة لا تتعدى حدود الإدارة والحفاظ على النظام العام، ومن ثم فإن أي تجاوز لهذه الصلاحيات يُعدُّ غير مشروع وباطلاً، ولاسيما إن كان التجاوز يتعلق بمسائل سيادية كالضم مثلاً، وترتيباً على ذلك فإن ضم الجولان عام 1981م، وهو إجراء سيادي، من إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، إجراء باطل وملغى ولا قيمة قانونية له ولا ينشئ أي حق، وتأكد ذلك من خلال قرارات الشرعية الدولية، ولاسيما قرار مجلس الأمن رقم 497. وبطلان قرار الضم يستتبع بطلان أي إجراء يستند إليه، وذلك تطبيقاً لنظرية البطلان القاضية بأن ما بني على باطل فهو باطل. واستناداً إلى ذلك فإن إجراء استفتاء حول مسألة الانسحاب من الجولان المحتل إجراء باطل في نظر القانون الدولي.
وبطلان القانون الإسرائيلي يجد أساسه القانوني أيضاً في انتهاكه لمبدأ سمو القانون الدولي على القانون الداخلي، هذا المبدأ المستقر في القانون الدولي والذي أكده القضاء الدولي في العديد من المناسبات، منها الرأي الاستشاري الصادر بالإجماع عن محكمة العدل الدولية عام 1988م بشأن النزاع بين الولايات المتحدة الأميركية وهيئة الأمم المتحدة. واستناداً إلى هذا المبدأ، فإن التزامات إسرائيل بوصفها سلطة احتلال تجاه الجولان السوري المحتل، تحددها قواعد القانون الدولي عامة وقواعد القانون الدولي المتعلقة بالاحتلال الحربي خاصة، وليست القوانين والتشريعات التي تصدرها، ومن ثم فإن أي تعارض بين القانونين يعني الغلبة للقانون الدولي. واستناداً إلى هذا المبدأ، فإن القانون الإسرائيلي يُعدُّ باطلاً وملغى. نستخلص مما تقدم، أن القانون الذي أصدره الكنيست الإسرائيلي والمتعلق بإجراء استفتاء في حال الانسحاب من الجولان قانون باطل وملغى ولا قيمة قانونية له، فهو لا ينشئ أي حق ولا يرتب أي أثر، ولاسيما تجاه إلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الجولان حتى خط الرابع من حزيران 1967 م، فهذا الإلزام يجد أساسه في مبادئ القانون الدولي وأحكامه وقرارات منظمة الأمم المتحدة ذات الصلة، وليس في القوانين الإسرائيلية.

دكتور في القانون الدولي
عضو الرابطة السورية للأمم المتحدة
رائق شعلان

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات