بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
الديمقراطية .. خيار شعبي وبديل نهضوي
  11/04/2006
 


الديمقراطية.. خيار شعبي وبديل نهضوي

بقلم: الأسير سيطان نمر الولي
معتقل الجلبوع

ما زالت الديمقراطية تعني حكم الشعب، وما زال الشعب، منذ العهد الحمورابي مرورا بالإغريقي والى يومنا هذا، يطالب نظام الحكم السائد، بحق، بان يحكم نفسه بنفسه، من خلال ممثليه المنتخبين ديمقراطيا وبشكل حر.

وإن اختلفت أدوات الديمقراطية ومفاهيمها السياسية والتطبيقية منذ ذاك الزمن، واختلافها في هذا الزمن، فهي لا تتخلى عن صفتها الأساسية، بأن تكون منتجاً للسلطة السياسية والنخب والخيارات المتعددة الناشئة عن الإرادة الشعبية، ومعبراً عن تلك الإرادة على اختلاف مشاربها وأصولها الفكرية أو الإيديولوجية. إن كانت ديمقراطية مركزية أو ديمقراطية اجتماعية أو ديمقراطية ليبرالية أو غيرها، فهي الوليد الذي رافق حياة البشر وإنتاجهم الفكري الثقافي. كانت الديمقراطيات العصرية، وغالبها الديمقراطيات الليبرالية، سمة من سمات نشوء وتطوير النظام البرجوازي الرأسمالي، وتعبيرا عن تحولات المجتمع نحو تفكيك روابط النظام الإقطاعي السابق لنشوء الرأسمالية، وما يقتضيه النظام الناشئ، من ضرورات اجتماعية سياسية واقتصادية تتطلب شكلا جديدا لنظام الحكم السياسي، يسمح للمولود الجديد بالحياة في ظل شروط وظروف جديدة تناسبه وتؤدي إلى تطوره ونمائه ونهضة المجتمع وارتقائه، وفق آليات اقتصادية حديثة، معبراً عنها بسلطة سياسية قائمة على أساس التعددية الحزبية والفكرية والحرية الفردية والاجتماعية، وبناء الدولة على أساس نظام المؤسسات، والسلطات المستقلة، وتداول السلطة سلميا بالانتخابات الديمقراطية الحرة.

مع نشوء الرأسمالية، نشأت القوميات والأمم وما عرف بدولة القومية أو الأمة، وكانت الصناعة واكتشاف ألآت إنتاجية مرتبطة بالتطور العلمي، المحرك الأساسي لنشوء الدولة القومية، ونشوء السوق، يضاف إلى ذلك أن ازدهار تلك الدولة وثراءها الاقتصادي، اعتمد على عاملين أساسين: الأول النظام السياسي الديمقراطي الليبرالي، والثاني الاستعمار. بمعنى آخر اعتماده على عاملين متناقضين: الأول داخلي والآخر خارجي.

في موازاة ذلك، كانت الشعوب المستعمرة تعيش حالة من نوع أخر، ما عرف عند الشعوب العربية بعصر النهضة الذي اتسم بالنهضة الفكرية والسياسية والاقتصادية، نحو بناء الدولة القومية العربية. وجهدت دول الاستعمار على تقويض هذا المشروع القومي العربي، من خلال القضاء على حلقتين أساسيتين كانتا تسيران بتوازن لبناء هذا المشروع، واحدة في لبنان اتسمت بالطابع النهضوي الاقتصادي والعسكري، وبعيد الحرب العالمية الاولى، واتفاقيات تقسيم البلاد العربية، نشأت الثورة الوطنية التحررية ضد الاستعمار الجديد القديم في غالب البلدان العربية.

ففي إطار الموقف المقاوم والرافض للاستعمار، تم رفض ومقاومة النظام الديمقراطي على السواء، لأنه ملازم للاستعمار ومصالح دول الاستعمار، ويعود سبب ذلك إلى عوامل عديدة:

أولها: نشوء الفكر القومي العربي وتطوره، وربطه بالثورة الاشتراكية أي ما عرف بحركات التحرر الوطني.

وثانيها: تطور الفكر الديني ونشوء تيارات سياسية إسلامية.

واتسمت الحالتين الناشئتين بمعاداتهما للديمقراطية الغربية، كل وفقاً للبنى الفكرية التي تميزها.

ومع تطور حركة التحرر العربية، نشأت إرهاصات متعددة رفضت هذا الرابط الشكلي بين الاستعمار والديمقراطية، كإحدى تجلياته السياسية. فإن كانت الديمقراطية شكلا للأنظمة السياسية للدول الاستعمارية، فإنه من غير المبرر معاداة الديمقراطية في إطار معاداة الاستعمار.

فعملت هذه الاتجاهات السياسية الجديدة على ربط حركة التحرر الوطني بالتحرر الديمقراطي، لإدراكها بان قادة حركة التحرر الوطني، وأحزابها القومية، بدأت تنحو نحو الاستفراد بالسلطة، وإقصاء غيرها من القوى، باتجاه النظام الشمولي وممارسة الديكتاتورية الثورية، ثم الديكتاتورية السياسية لما استقر الأمر لها.

فقد عملت الأنظمة الوريثة للثورات التحررية إلى الاستيلاء على السلطة، حيث اتصفت بالبداية بطابع تقدمي اشتراكي ثوري، سرعان ما تحولت إلى شكل من أشكال الديكتاتورية، والحكم الشمولي للاستئثار بالحكم واستلاب السلطة واحتكارها. وبعد فشلها في تحقيق الاشتراكية وارتدادها نحو نظام السوق الاستهلاكي للبضائع والسلع الأجنبية الجاهزة، واضمحلال النظام الإنتاجي الوطني الزراعي والصناعي، وانهيار القطاع العام الذي استبيح للنهب والثراء من قبل شرائح اجتماعية متنفذة سياسيا في أجهزة الدولة، والقضاء نسبيا على الطبقة الوسطى، وتوسيع دائرة البطالة والفقر والأمية، مما زاد الهوة بين السلطة الحاكمة والشعب، ولجوء السلطة إلى القمع والاضطهاد ضد معارضيها، وربط حركة المعارضة الناشئة والمتطورة بالمشاريع والمخططات الغربية التي تستهدف الوطن والامة.

ليست الامة العربية ودولها القطرية بمنأى عن الاستهداف وممارسة الضغوط عليها، لأجل تحقيق أهداف ومطامح ومصالح القوى المهيمنة، التي تقف على رأسها الولايات المتحدة، والتي تخوض الحرب على ما تسميه الإرهاب "وبغرض" نشر الديمقراطية في العالم. وليس خافيا على أحد، أن هدف الولايات المتحدة وحفائها قائم على إستراتيجية السيطرة على العالم وثرواته، وتسخر لأجل هذا كافة السبل العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية. وبات معلوماً أن الولايات المتحدة وحفاءها، كانوا وما زالوا يدعمون الأنظمة الشمولية والديكتاتورية والملكية الموالية لها، ويسعون للنفاذ إلى الدول التي تسير على طريق التحولات الديمقراطية، بغرض السيطرة عليها وضمها إلى حلفها. وهي في ذات الوقت تعادي الدول التي تنجز، أو كادت، مهمة التحول نحو الديمقراطية، كما في امريكا الجنوبية، وتبذل جهدا واسعا لتحسين صورة الأنظمة المتخلفة التابعة لها، من خلال عمليات تجميل سياسي اصطناعي، تتبع في إطارها أشكالا من الآليات الديمقراطية الزائفة او الديمقراطية الرثة، لتبدو على أنها أنظمة ديمقراطية.

استقرت أنطمة الحكم لدى الدول الرأسمالية الكبرى على نظام ديمقراطي ليبرالي، هو الآن بمثابة خيار دستوري إداري متفق عليه، وفي ذات الآن تسير الكثير من شعوب ودول العالم نحو خياراتها، يشكل النظام الديمقراطي لها خياراً شعبياً وحيداً، تسعى للوصول إليه، كونه مرتبط أصلا بالمشروع التحرري الوطني، ومرتبط بالمشروع النهضوي القومي العربي، فلا مجال أمام شعوب الأمة العربية إلا النضال لأجل الديمقراطية، لصيانة استقلالها الوطني الناجز، وحماية مصالحها وتحقيق حريتها، وبناء مشروعها القومي العربي. فلم تكن الديمقراطية نقيضا للفكر القومي العربي، إلا لدى أشكال معينة منه، بممارستها وبرنامجها السياسي الزائل. ولم تكن الديمقراطية نقيضا للفكر الديني السياسي، إلا في بعض تياراته السياسية الأصولية، التي حلت محلها اتجاهات سياسية دينية معتدلة.

وعليه فان صيانة الاستقلال الوطني لا يتحقق إلا بإطلاق الحريات العامة والفردية، وإشراك الشعوب في صنع القرار الوطني والقومي، على قاعدة التعددية السياسية والفكرية. فلا استقلال ناجز دون الحرية، ولا تتحقق آمال وطموحات الشعوب العربية إلا بما تختاره لنفسها من وسائل العمل السياسي، فما بقى إلا أن نترك لها حرية بناء وسائلها واليات عملها، وتحديد أفاق تطورها وطموحاتها وأهدافها.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات