بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
مصر الثورة وتحديات المرحلة
  13/02/2011



مصر الثورة وتحديات المرحلة

موقع الجولان /د.ثائر أبو صالح


إذا كانت الثورة في الفكر السياسي الكلاسيكي تعرف على أنها فعل الجماهير المنظم من أجل إحداث تغييرات جذرية في البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، فأنه لا يرقى للشك ابدآ أن ما يجري في مصر وما جرى في تونس هو ثورة بكل ما في الكلمة من معنى. فالثورتان رفعتا شعار تغيير النظام ،وإعادة توزيع الثروة، والحريات الديمقراطية والسياسية من اجل إحداث تغيرات جذرية في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هاتين الدولتين.هذا ناهيك عن أن الحراك الجماهيري سيترافق معه تغيير قيمي سيترك أثره مستقبلا على البنى الاجتماعية في العالم العربي.
وإذا ما تتبعنا ما جرى في تونس وما يجري في مصر اليوم نستطيع أن نحدد ما يلي :
1- الثورة انطلقت في هذين القطرين من الشريحة العمرية الشبابية التي تتطلع لمستقبل أفضل.
2- .إن شكل التنظيم الأول والتنسيق بدأ عبر الانترنت في " الفايس بوك" حيث تمت الاجتماعات الافتراضية واخذ القرارات الخاصة بهذا الحراك الشعبي في المكان الذي لا تستطيع أن تصل إليه أجهزة الأمن لتقمعها. فكثير من التحركات الشعبية قمعت في مهدها بسبب قدرة هذه الأجهزة على اختراقها والانقضاض عليها في المهد. ولكن في هاتين الحالتين قدمت تكنولوجيا الاتصالات خدمة هائلة لشعوب المنطقة التواقة للحرية. إضافة إلى ذلك فأن هذه التكنولوجيا توفر للثورة إمكانية اخذ القرارات من خلال الاستفتاءات التي تقوم بها على صفحات الانترنت.
3- انطلقت هاتان الثورتان دون وجود قيادة مبلورة لهذه الحركات الشبيبة، وبدأت القيادات الجماعية تتبلور من خلال الحراك الجماهيري.
4- القوى السياسية المعارضة تفاجأت بقوة وزخم هذه التحركات الشعبية. وانجرت إليها انجرارا ،ودخلت في البداية البلبلة إلى صفوفها، فقد كان سقف المطالب الشعبية ارفع من سقف مطالب المعارضة وتنظيراتها الإصلاحية. ولكن عندما استوعبت هذه القوى زخم الحراك الجماهيري بدأت برفع سقف مطالبها لتتناغم مع المطالب الجماهيرية. فلم تطرح هذه القوى إسقاط النظام في البداية وكانت مترددة، ولكن القوى الشعبية الواثقة من نفسها هي التي دفعت القوى السياسية وشجعتها لرفع سقف مطالبها السياسية.
5- سلمية ورقي هذه التحركات التي أحرجت أعداء الثورة، فنحن أمام حالة راقية جدا لم يسبق لها مثيل بتعامل هذا الكم الهائل من الشعب الغاضب مع كل مكونات المجتمع ومع أملاك الدولة التي هي أملاكه بهذا الرقي الذي يثير الإعجاب. فقد رأينا في مصر كيف حمى الشباب المتحف المصري وكيف تعاملوا حتى مع القوى التي تقمعهم.
6- القيم التي يحملها هؤلاء الشباب تؤكد على الجماعة وليس على الفرد. فقد جسد الشاب وائل غنيم هذه الروحية في المقابلة التي أجريت معه عند خروجه من السجن حين قال بما معناه : "لست أنا من يجب أن تسلط عليه الأضواء، بل أولئك الأبطال في ساحة الحرية الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء" هذه الروحية السائدة بين الشباب والتي تنتج ذاتا جمعية واحدة مقاومة لا يمكن لأي نظام في العالم أن يكسر شوكتها.
7- النفس الطويل وإدراك متطلبات المرحلة، فالثورة توسعت بشكل بطيء وتدريجي ولكن بخطوات ثابتة، فشعاراتها الواضحة تجعل من الصعب بمكان على أي نظام أن يدخل البلية إلى صفوفها.
8- محاولة النظامين التونسي والمصري إتباع نفس الأسلوب في محاولة يائسة منها لجر الثورة إلى العنف المفرط والتخريب من خلال أزلامها الذين عرفوا" بالبلطجية" والتي عادت على النظامين بالسوء مما يؤكد على الطبيعة المشتركة لهذه الأنظمة.
9.دور الجيش الوطني الذي اثبت انه جيش الشعب في تونس وفي مصر وانه عندما يتحرك ولو كان متأخرا تكون له كلمة الحسم الأخيرة، ويضرب المسمار الأخير في نعش النظام. هذا ما حصل في تونس عندما طلب قائد الجيش من زين العابدين بن علي أن يرحل، وكذلك في مصر.
مصر والنظام العربي:
لا شك أن موقع مصر في العالم العربي يكسب ثورتها أهمية خاصة، فأن ما يجري في مصر سيؤثر حتما على كل المكونات للنظام العربي، وسيؤجج مشاعر الجماهير الغاضبة المقموعة على امتداد هذا الوطن ، والتي تتوق إلى الحرية والكرامة . ولذلك فإن انتصار ثورة مصر يتوقف عليه نتائج كثيرة وكبيرة، فهذه هي الشرارات الأولى بدأت تلمع من الجزائر والمغرب واليمن والأردن وحتما أنها ستمتد كالنار في الهشيم لتقوض النظام العربي الرسمي، الذي داس شعوبه، وامتص خيراته، ونهب ثرواته، وباع مصالحة في أسواق الغرب، وشرد مفكريه ومثقفيه في كل أنحاء العالم .
لا شك أن مصر الديمقراطية ،سيكون لها نفس قوة الجذب التي امتلكتها مصر عبد الناصر القومية وثورة 23 يوليو. فكما استطاعت ثورة الضباط الأحرار أن تخاطب الشعوب في كل الدول العربية من فوق قياداتها ليصبح تأثير قيم هذه الثورة على الجماهير اكبر بكثير من تأثير الأنظمة على شعوبها، ستستطيع مصر الديمقراطية أن تحرك الشعوب العربية بنفس الزخم والقوة. فهي ستشكل على الأقل حاضنا للثورات الديمقراطية العربية كما كانت مصر عبد الناصر حاضنا للثورات ضد الاستعمار كالثورة الجزائرية، كذلك ستكون مصر ملجأ لدعاة الحرية الهاربين من قمع أنظمتهم، وكذلك ستشكل صحفها ومحطات تلفزتها وحركتها الفكرية محرضا أساسيا على التغيير في العالم العربي. باختصار ستعود مصر لتتبوأ موقعها الريادي القائد للنظام العربي ، وستتعامل مع أهم الملفات على مستوى الأمن القومي العربي وهو ملف الصراع مع إسرائيل بطريقة أخرى .
مصر وإسرائيل:
لا شك أن ملف الصراع العربي الإسرائيلي يعتبر من أهم الملفات المقلقة لإسرائيل وأمريكا وكذلك لبعض الأنظمة العربية المرتبطة بعلاقات مع إسرائيل، فاتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر السادات وإسرائيل ستصبح على كف عفريت. والسؤال هو :هل ستلغي مصر هذه الاتفاقية أم ستتعامل معها بطريقة أخرى؟
الجواب على هذا السؤال ستقرره الجماهير المصرية التي ستحدد ما تريد في صناديق الاقتراع .ولكن يمكنا القول أن هناك إجماع شعبي مصري على رفض هذه الاتفاقية على الأقل بجانبيها الاقتصادي والتطبيعي، فغالبية الجماهير المصرية ترفض التطبيع مع إسرائيل وما زالت تعتبرها دولة معادية ومن الناحية الأخرى فأن هذه الجماهير تشعر بالغبن والظلم عندما تباع منتجاتها من البترول والغاز لإسرائيل بثلث السعر المتعارف عليه في السوق العالمي لهذه المنتجات في حين لا يجد غالبية المصريين الحد الأدنى لسد حاجاتهم الأساسية ، هذا ناهيك عن فقدان مصر لدورها العربي والإقليمي بسبب هذه الاتفاقية.
ولكن هذا لا يعني ابدآ أن مصر ستقدم فورا على إلغاء هذه الاتفاقية، لان هناك اضطرارت دولية ومصالح إستراتيجية على مستوى النظام الإقليمي والدولي لا تستطيع مصر أن تقفز فورا من فوقهما، وإنما سنشهد في الحد الأدنى تقليص كبير للعلاقات المصرية الإسرائيلية، بالمقابل ستلعب مصر دورا ايجابيا مغايرا للذي لعبته حتى الآن تجاه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وملف غزة وحصارها من قبل إسرائيل. لذلك ستكشف الغطاء عما يجري بين السلطة الفلسطينية والمفاوض الإسرائيلي وهذا سيحدث تغيير على مستوى العلاقة الفلسطينية _الفلسطينية.
أما بالنسبة لإسرائيل التي بنت عقيدتها الأمنية بعد خروج مصر من الصراع على الإنفراد بسوريا والثورة الفلسطينية حيث أنها استفادت بشكل كبير من الخلل في موازين القوى الذي حصل بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 فلم تستطع جبهة الصمود والتصدي آنذاك أن تشكل بديلا عن مصر، فكلنا يذكر ما قامت به إسرائيل بعد خروج مصر من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي فعل سبيل المثال لا الحصر نشير إلى عملية الليطاني في لبنان عام 78 وما نشأ عنها بعد ذلك من دويلة جنوب لبنان، ثم بعد ذلك قامت بقصف المفاعل النووي العراقي ، ثم ضمت الجولان في أواخر عام 1981 ثم قامت بغزو لبنان في حزيران من عام 1982 في محاولة منها لاقتلاع الثورة الفلسطينية من جذورها وتشتيتها بعيدا عن حدود إسرائيل مما اضطر الثورة الفلسطينية أن ترحل إلى تونس. كل هذه أمثلة فقط لما قامت به إسرائيل مستفيدة من الخلل في موازين القوى بعد خروج مصر من معادلة الصراع. فكيف سيكون الحال إذا عادت مصر إلى معادلة الصراع؟
هذا هو السؤال المطروح حاليا على أجندة صانع القرار في إسرائيل، فمؤتمر هرتسيليا للدراسات الإستراتيجية والأمنية ،في الأيام الأخيرة، شهد سلسلة من التصريحات لقياديين سياسيين وعسكريين إسرائيليين تنم عن توجس وتخوف مما يجري على الساحة المصرية وتأثيره على ميزان القوى الإقليمي.فعودة مصر ستفرض على إسرائيل تعديل العقيدة الأمنية الإسرائيلية، والأخذ بعين الاعتبار عودة مصر من جديد لتلعب دورا مفصليا في الصراع معها، وقد لا يكون هذا الدور مباشرا وإنما من خلال دعم الحق الفلسطيني والعربي باستعادة الحقوق المسلوبة والتصدي للسياسات الإسرائيلية الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية .
إذن عودة مصر سيقيد حركة إسرائيل الإستراتيجية في المنطقة وسيأخذ صانع القرار الإسرائيلي أسوء الاحتمالات بالنسبة إليه وهو: دخول مصر في صراع مسلح من جديد معها وهذا يفرض عليها إعادة النظر في سياسة الردع الإسرائيلية التي تتطرق بخطوطها العريضة إلى السيناريوهات التالية :
1- ردع أي عمل عربي مسلح تقوم به مجموعة دول عربية، خصوصا دول الطوق بشكل متزامن بهدف القضاء على إسرائيل. لهذا السيناريو أعدت إسرائيل ترسانتها النووية، واعتمدت على سياسة ما عرف بالردع عن طريق الغموض ، والتي تعني أن إسرائيل الرسمية لا تعترف بوجود هذه الأسلحة لديها وبنفس الوقت ولا تنكر ذلك، مما يؤدي إلي ردع مبطن يفرض على متخذ القرار العربي الأخذ بعين الاعتبار أسوء الاحتمالات؛ وهو وجود ترسانة نووية من هذا النوع مع إسرائيل، مما يجعله يمتنع عن القيام بمثل هذا الهجوم . هذا السيناريو حصل شيء مشابه له في حرب تشرين في سنة 1973 ،مع أن هدف الحرب لم يكن القضاء على إسرائيل، حيث حرك موشية ديان ترسانة إسرائيل النووية بعد الهزيمة على الجبهتين السورية والمصرية في الأيام الثلاثة الأولى للحرب. ولكن التدخل الأمريكي أوقف هذا السيناريو لان أمريكيا قدمت لإسرائيل ما يعوضها عن ذلك لتتحول الحرب إلى مصلحتها .
2- ردع الحرب المحدودة من قبل دولة عربية مجاورة بهدف تحريك الوضع السياسي، ولهذا الغرض أعدت إسرائيل ترسانتها التقليدية وسلاحها الجوي القادر على السيطرة على الأجواء في حالة الحرب. مما يعطي إسرائيل وفقا للمقولة الإسرائيلية المتعارف عليها بين الأوساط العسكرية :"نقل المعركة إلى أرض العدو وحسمها بشكل سريع".هذا السيناريو نجحت إسرائيل في منعه. فمنذ عام 1973 لم تحصل مواجهات واسعة بينها وبين جيش عربي نظامي، اللهم إلا تلك المواجهات المحدودة التي حصلت بين الجيش الإسرائيلي والسوري خلال حرب البنان عام 1982 .
3- ردع ما يسمى بحرب العصابات والتي فشلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية التعامل معها فشلا ذريعا، فحزب الله في لبنان وانتصاراته على الجيش الإسرائيلي عام 2000 و2006 هما خير دليل على عدم قدرة إسرائيل التعامل مع هذا النوع من العمليات العسكرية. هذا إذا ما أضفنا إلية فشل إسرائيل تحقيق أهدافها أمام حركة حماس في الحرب الأخيرة على غزة مما يجعل هذا السيناريو هو الأهم والأخطر على إسرائيل.
فعودة مصر إلى معادلة الصراع تخيف إسرائيل بالذات على هذا المستوى، فإن أية مواجهة بين حزب الله وحماس من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في ظل وجود دعم عربي تكون مصر جزء منه دون الولوج في حرب مباشرة معها هو أمر مخيف جدا لإسرائيل،. فلا شك أن دخول مصر إلى جانب الحق العربي سيحسن من موقع القوى المقاومة في صراعها مع الأخيرة في المستقبل .
الموقف الأمريكي:
لا شك أن الموقف الأمريكي يشكل تحولا في السياسة التقليدية الأمريكية الداعمة لحلفائها بشكل أعمى فيبدو أن فشل سياساتها في العراق وأفغانستان ومناطق أخرى بدأ يعلمها دروسا بالتعاطي مع الشعوب أكثر من الأنظمة. فهذه المرة تتعامل الولايات المتحدة بشكل اذكي فهي أمام ثورة مصرية ديمقراطية سلمية راقية لا تستطيع أمريكا أن تصمها بالعنف والتطرف كما كانت تفعل سابقا، مما يضعها في موقف محرج أمام ما ترفعه من شعارات لحماية الديمقراطية في العالم وبالمقابل فأن أمريكا تريد أن تحافظ على مصالحها ومصالح إسرائيل. فقررت أن تضحي برأس النظام مقابل استمرار النظام وذلك من أجل الحفاظ على مصالح أمريكا وإسرائيل. فهي تريد مصر مستقرة ،وقناة السويس مفتوحة ،وتريد من مصر أن تحافظ على اتفاقية كامب ديفيد وعلاقاتها مع الغرب؛ لهذا نراها تنحاز تدريجيا للثورة الشعبية حتى تخفف من غضب الجماهير اتجاه سياساتها التقليدية، ولكي تضعف أية مقولة معادية لأمريكا في هذه المرحلة.والسؤال يبقى إلى أي مدى ممكن لأمريكا أن تضحي بمصالحها على حساب مبادئها المعلنة؟ الجواب على هذا السؤال هو الذي سيحدد العلاقة المستقبلية بين أمريكا وشعوب المنطقة.




 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات