بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
قانون البعدة!
بقلم ابن زاهدي
  21/04/2006


قانون البعدة!

بقلم: ابن زاهدي

وحيد من نوعه في العالم! هل هو درزي فاطمي كما هو معتقد حتى الآن؟ أم أن له جذور أخرى أعمق من الفترة الفاطمية والدعوة التوحيدية؟ وإذا كانت جذور هذا القانون تمتد إلى ما قبل حمزة ابن علي والعصرالفاطمي, فهل تتبعها جذور الموحدين والمذهب التوحيدي كذلك؟

لقد تصفحت عن طريق الصدفة مقالاً في إحدى المجلات العلمية يتناول بعض التنقيبات الأثرية في مكان يدعى خربة قمران قرب الشاطئ الشمالي الغربي للبحر الميت فأثار ذلك اهتمامي ودفعني إلى البحث والتعمق في الموضوع ,ليس لأنني مهتم بالحفريات , بل لاهتمامي بالناس الذين سكنوا هذه الخربة قبل ما يزيد على ألفين ومئتي عام. وبعد بحث طويل توصلت إلى قناعة بأن قانون البعدة الذي يمارسه مشايخ الطائفة الدرزية اليوم لتنظيم الحياة الروحية والإجتماعية للطائفة هو أقدم بكثير من الدعوة التوحيدية التي يقال بأنها بدأت في عهد الحاكم بأمرالله جل ذكره وأغلقت في عهد المقتنى بهاءالدين قدس الله سره .

خربة قمران تقع قرب الزاوية الشمالية الغربية للبحر الميت وكان يسكنها ما بين الفترة الممتدة من 200 قبل الميلاد إلى 70 بعد الميلاد جماعة متدينة تدعى حسب التسمية اليونانية القديمة " الإسيين Essene" وحسب ما ورد عنهم في كتب التاريخ القديم فإنهم كانوا جميعاً من المتنسكين الرهبان على الطريقة الفيثاغورثية, الذين اختاروا الإبتعادعن الحياة الدنيوية والتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى. ويعتقد المؤرخون بأن ألإسيين رحلوا من قمران قبل وصول الجيش الروماني إليها بعد خراب القدس عام 70 ميلادي , ويقال بأن وجهة رحيلهم كانت بإتجاه منطقة اربيلا ( إربد) شرق الأردن ومنذ ذلك الحين لم يرد ذكرهم في التاريخ مما يوحي بأنهم غيروا اسمهم واعتنقوا السرية في عقيدتهم.

قبل إكتشاف مخطوطات البحر الميت عام 1947 عثر الباحثون في نهاية القرن التاسع عشر في دمشق على وثائق ومخطوطات باللغتين الآرامية والعبرية تعود إلى الإسيين, وهذه المخطوطات القت الضوء على وجود مخطوطات أخرى قرب القاهرة في مصر , وعندما عثر على المخطوطات المصرية التي يعود تاريخ كتابتها الىأواخر القرن التاسع و بداية القرن العاشر الميلادي( العصر الفاطمي) وجد بينها القانون الخاص بتنظيم المجتمع الإسيني ومن خلال هذه الوثائق المصرية اتضح بأن المجتمع الإسيني كان مجتمعاً ديموقراطياً لدرجة أنه ما من مجتمع ديموقراطي في وقتنا الحاضر استطاع أن يصل إلى المستوى الذي وصل إليه الإسيين قبل ألفي عام. لقد كانت جميع قراراتهم تؤخذ عن طريق التصويت العام تحت إشراف القادة الروحيين.

وبعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت في خربة قمران تبين أن المخطوطات التي عثر عليها سابقاً في دمشق ومصر ما هي إلا نسخ عن مخطوطات خربة قمران, والقانون الذي عثر عليه في مصر وبعد ذلك في قمران يدل على تركيز المجتمع الإسيني القوي على الطهارة والصدق ومحبة الأخوان وتجنب الإختلاط بغير الإسيين إضافة إلى تركيزهم الخاص على العدالة الإجتماعية والإقتصادية. وهنا سأحاول قدر الإمكان تقديم ترجمة حرفية لما جاء في مخطوطات الإسيين القانونية والتي تتعلق بشكل خاص بقانون البعدة الذي لا يوجد له مثيل في عالم اليوم إلا عند الدروز.

لا يسعني في هذا المقال أن أقدم للقارئ صورة مفصلة عن تاريخ وحياة هذه الجماعة من العباد الأتقياء لأن ذلك يستلزم صفحات عديدة وسأكتفي الآن بتقديم هذه الترجمة الحرفية للقانون الذي كان ينظم حياتهم اليومية قبل أكثر من ألفي عام, لأن هذا النوع من القوانين غير مألوف في التاريخ البشري ولا يوجد له مثيل أو شبيه إلا عند الموحدون الدروز, هل هي مجرد صدفة أم هناك علاقة فكرية أو روحية أو بشرية بين الفئتين ؟ الجواب أتركه للقارئ الكريم .


الترجمة

1. تبعاً لقرار الجماعة من الأفراد والقادة الروحيين من أصحاب الميثاق(Heguh) وبدون تمييز, وتبعاً لقرار الأكثرية من أبناء الجماعة الذين يتمسكون بالميثاق المقدس, وإستناداً إلى قرارهم, فإن جميع أولياء الأمور الذين توكل إليهم أمور الإدارة والتحكيم والقضاء والأوقاف يجب إنتخابهم عن طريق (القرعةLott)التصويت من بين من التزموا وتمسكوا بإخلاص بميثاق الجماعة.

2. قانون الحضرة(الإجتماعCovenent)وطريقة الإنتخاب:

كل شخص يجلس تبعاً لدرجته. أولاً رجال الدين وثانياً المتقدمين في السن وأخيراً عامة الناس. يجلسون حسب درجاتهم وبالتساوي ويفصحون عن آرائهم ويشاركون في الحديث والتحكيم وأي قضية تهم الجماعة ككل. كل فرد يجب أن يشارك في الرأي. ولا يجوز لأحد أن يبدأ بالكلام قبل أن يأتي دوره والجميع يجب أن تتاح لهم الفرصة للكلام. وخلال الحضرة لا يحق لأحد بأن يتطرق لأي موضوع خارج عن مصلحة الجماعة. وكل من يريد الكلام يجب أن يقف ويقول بأنه يريد الكلام , وعندما يسمح له بالكلام يمكنه أن يبدأ. ومن خلال هذه الإنتخابات يتم إختيار هيئتين: هيئة عليا مكونة من ثلاثة قادة روحيين وإثنين آخرين لمساعدتهم . والهيئة الثانية مكونة من عشرة أشخاص يتسلمون القضايا الإدارية للجماعة وعلى رأسهم المسؤول عن الأوقاف والقضايا المالية وآخر مسؤول عن تفقد أحوال الناس ومراقبة إتباع القوانين والسماع إلى شكاوى الناس. ولكنه ليس واضحاً إذا كان هذين الإثنين ينتسبون إلى الهيئة الأولى أو إلى الهيئة الثانية ويعتقد بأنهم هم نفس الشخصين المساعدين (في اللجنة الأولى) للقيادة الروحية المكونة من ثلاثة حكماء في أمور الدين والدنيا, توكل إليهم مسؤولية قيادة اللجنة الثانية.



3. القانون العام للجماعة:

وهذه هي القوانين التي يجب إتباعها في تقصي الحقائق والحكم بين أفراد الجماعة بدون تمييز, وبدون زيادة أو نقصان تبعاً لما هو منصوص ومتفق عليه.

ـ إذا وجد بين الجماعة شخص يكذب عن قصد بخصوص أمور مالية يجب إبعاده عن الحضرة لمدة سنة كاملة وحرمانه من ربع حصته من الطعام.

ـ ومن يتكلم مع أخونه بتعجرف وإستعلاء أو إشمئزاز أو عصبية أو يحاول بأن يقدم نفسه عن الآخرين خلافاً لدرجته بين الجماعة, أو يحاول إتباع القوانين على مزاجه يجب إبعاده سنة كاملة, وإذا لم يتحسن مسلكه يجب إبعاده عن الحضرة حتى يتحسن سلوكه.

ـ ومن يذكر جهراً اسم الذي هو أعلى من كل شيئ(لفظ الجلالة) يجب إبعاده " لمدة غير واضحة بسبب تلف المخطوطات".

ـ ومن يستخدم الكلام البذيء عند ذكر الخالق بسبب الخوف من عقاب صعب أو أي سبب آخر وهو على اطلاع على النصوص المقدسة أو ممن يمارسون في صلوات الحضرة يجب إبعاده نهائياً دون رجعة.

ـ ومن يشتم أو يتكلم بسوء عن القيادة الروحية أو عن الأولياء الوارد ذكرهم في النصوص المقدسة أثناء إجتماع الحضرة يجب إبعاده سنة كاملة, أما إذا فعل ذلك خارج الحضرة ودون وجود الجماعة فيكفي إبعاده ستة أشهر.

ـ ومن يكذب عمداً يجب إبعاده ستة أشهر.

ـ وكل من يتكلم بالباطل عن جاره أو أحد أفراد الجماعة يجب إبعاده سنة كاملة.

ـ ومن يتعمد الإهمال ويسبب مضرة أخيه الإنسان يجب إبعاده ثلاثة أشهر. وإذا سبب إهماله مضرة المصلحة العامة يجب إبعاده ستون يوماً وعليه أن يدفع الضرر إذا كانت إمكانياته تسمح بذلك.

ـ ومن يحمل حقداً على إخيه من الجماعة أو يحاول الإنتقام لأي سبب كان يجب إبعاده ستة أشهر.

ـ وكل من يتفوه بالكلام البذيء يبعد ثلاثة أشهر.

ـ ومن يقاطع أخيه في الكلام يبعد عشرة أيام.

ـ ومن ينام أثناء الحضرة يبعد ثلاثين يوماً, وكذلك الشخص الذي يغادر الحضرة بدون سبب مقنع أو إذن أكثر من ثلاث مرات يبعد لمدة عشرة أيام, وإذا رفض الإنصياع لرئيس الحضرة يبعد ثلاثين يوماً.

ـ من يظهر عارياً أمام الآخرين بدون سبب صحي يبعد ستة أشهر.

ـ ومن يبصق أثناء الحضرة يبعد ثلاثين يوماً.

ـ ومن يخرج يده من وراء ثوبه بحيث يظهر جزء من جسمه عارياً يبعد ثلاثين يوماً.

ـ ومن يستخدم يديه للتعبير عن أفكاره يبعد عشرة أيام.

ـ ومن يتكلم بالباطل عن أحد أعضاء الحضرة يبعد سنة كاملة, ومن يتكلم بالباطل عن الحضرة بكاملها يبعد نهائياً وبدون رجعة.

ـ ومن يذهب ويقلقل عن الحضرة أو عما يدور في الحضرة يبعد نهائياً ولا يسمح له بالعودة, أما إذا كانت القلقلة بخصوص أحد أفراد الحضرة فيجب إبعاده ستة أشهر.

ـ والشخص الذي يدب الشك في نفسه عن حقيقة الحق وصدق الرسالة إلى حد يدفعه إلى خيانة الجماعة والمضي في طريق الغرور والكبرياء فلا مكان له في الطائفة. وإذا تخلى عن ضلاله وأراد العودة إلى الجماعة فيجب أن يبقى بعيداً عن قلب الحضرة مدة سنتين كاملتين , في السنة الأولى يجلس وراء الجميع كمستمع ولا يحق له الإشتراك في أسرار الطهارة, أما في السنة الثانية وبعد دراسة وضعه ومسلكه من قبل الجماعة يمكنه التقدم في الدرجة بحيث أنه يستطيع المشاركة في الحضرة ولكنه يبقى ممنوعاً عليه لمس الكتب المقدسة أو الإطلاع على سر الجماعة. وفي نهاية سنتين كاملتين يجب على الحضرة بأن تجتمع وتبت في أمره عن طريق التصويت, وإذا أقرت الأكثرية بقبوله في الحضرة يمكنه أن يعود كمبتدئ.

ـ وأي شخص من أفراد الجماعة يتفق مع الغرباء على إنزال الضرر بكيان الجماعة يطرد نهائياً ولا مكان له بين الجماعة, ولا مكان كذلك لكل من يتعامل معه أو يكلمه أو يزوره أو يستقبله.


عودة إلى المخطوطات الدمشقية والمصرية

هذا القانون لم يكن واضحاً تماماً في المخطوطات التي عثر عليها في دمشق في نهاية القرن التاسع عشر. أما النص الكامل فقد عثر عليه في المخطوطات التي وجدت بعد ذلك في مصر. وفي عام 1947 عثر على نفس القانون في مخطوطات خربة قمران قرب البحر الميت.

المخطوطات الدمشقية يعود تاريخها إلى حقب تاريخية مختلفة, بعضها يعود إلى فترة ما قبل الفتح الإسلامي. أما المخطوطات المصرية فيعود تارخ كتابتها الى النصف الثاني من القرن التاسع وبداية القرن العاشر الميلادي ( بداية العصر الفاطمي). ومخطوطات البحر الميت تعود إلى بداية القرن الأول قبل الميلاد مما يدل على أن الإسيين لم يضمحلوا بعد عام 70 ميلادي كما اعتقد المؤرخون اليونان واليهود سابقاً. والأرجح بأنهم قد تحولوا إلى جماعة منعزلة بسبب الإضطهاد الديني الذي ساد المنطقة خلال الألف الأولى بعد الميلاد.

ما هي علاقة قانون البعدة عند الإسيين سابقاً وقانون البعدة عند الطائفة الدرزية اليوم لا أستطيع أن أحكم عليه ولكن الحقيقة التي لا يمكن التهرب منها هي أن هذا النوع من القوانين لم يسبق أن وجد سابقاً سوى عند الإسيين, وليس موجودا حالياً سوى عند الدروز. فالباحثون الغربيون "وأكثرهم من اليهود" يفععلون كل ما بوسعهم لإلصاق الهوية التلمودية بالإسيين بالرغم من أن الإسيين في مخطوطاتهم يشنون حرب شعواء على التلموديين وينتقدون بشكل لاذع اليهود الفارسيين والصدوقيين ويرفضون الدخول إلى الهيكل اليهودي وتقديم القرابين فيه كما كان دارجاً في ذلك الوقت, وهناك ما يكفي من الدلائل في مخطوطاتهم على انتماء آرامي لهم أقوى من الإنتماء العبري, كما أن اسمهم هو آرامي وليس عبري, ويوحنا المعمدان كان يعيش فيى الصحراء على مقربة من خربة قمران ويعتقد بأنه كان واحد منهم, كما أنني شخصياً أعتقد بأن يسوع الناصري عاش بينهم, ليس في قمران ولكن في منطقة دمشق, وتتلمذ على أيديهم بين سن الثانية عشرة وسن الثلاثين حيث بدأ دعوته باللغة الآرامية وليس باللغة العبرية لغة أمه, وفي المخطوطات القمرانية نصوص عديدة جاءت على لسان السيد المسيح بالرغم من أن هذه النصوص كانت قد كتبت قبل ميلاد المسيح بمئة عام.

وبما أنني لست على اطلاع كاف بتفاصيل قانون البعدة المعمول به حالياً عند الموحدين الدروز, قررت ترجمة هذا القانون الإسيني إلى العربية ونشره آملاً أن يثير إهتمام من هم على إطلاع أكثر مني بالقانون المعمول به حالياً للمقارنة والبحث, ليس فقط في هذا القانون , بل في موضوع الإسيين من مختلف الجوانب.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات