بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
رجالُ دينٍ.. بين القول والممارسة
  01/01/2006
 

رجالُ دينٍ....... بين القول والممارسة

بقلم: وهيب أيوب

"إن العبد الحقيقيَّ هو ذلك الذي لا يستطيع أن يصرِّح بآرائه".
أوربيدس

الرجال في الطابق العلوي، والنساء في الطابق السفلي!

تلك هي المحاولة، والتي تبدو شكلية في ظاهرها، وواضحة في مضامينها، لاستعادة السلطة الذكورية على المرأة والمجتمع. وهي في أدنى تعابيرها، انتهاك لكرامة وموقع المرأة ودورها في المجتمع، من موقعها كأم وزوجة وأخت وإبنة، ورفيقة حقيقية للرجل في شتى ميادين الحياة. فتصّوروا مثلاً، أن يكون في أحد البرلمانات طابقين، واحد للأعضاء والثاني للعضوات، والذين سيتحاورون في شؤون البلد عبر ثغرة في السقف!. أعتقد أن هذا لم يكن ليحصل إلا في أفغانستان أيام حكم الطالبان.

على كلٍ, هذا ما كان قد درج عليه رجال قريتنا، بحيث تتخلف المرأة بالسير عن زوجها أثناء عودتهم إلى البيت بعدة أمتار مجاهدة الخطوات للحّاق به، وعندما يصلان البيت, يخاطبها بلهجة واثقة وآمرة – "علّقي هالجكي" و "حطّيلنا لنتعشى" و "زتّي هالفرشي". على هذا يقتصر دور المرأة بنظر بعضهم، وهكذا يريدونها خاضعة وتابعة. وصراحة أقول لكم: لو كان الأمر لبعض رجال الدين في مجتمعنا، لما كان هناك متعلمات وخريجات جامعات، لا طبيبات ولا مهندسات ولا رخص سيارات ولا شيء من هذا القبيل. بدليل أن البعض استعادوا بناتهم من دمشق قبل إكمال تعليمهن بضغط من رجال الدين، واعتقد أنهم لا ينكرون ذلك. ثم ليس هناك فتيات متدينات يدرسون في الجامعات.

في واقع الأمر كان هناك تناقض دائم عبر التاريخ، بين الفلسفة والعلم والتطور من جهة، ورؤية رجال الدين وتفسيرهم للكون والخلاص من جهة أخرى، وسقط آلاف الضحايا من فلاسفة وعلماء، في الشرق والغرب على حدٍ سواء بسبب تلك الرؤى التي أمسك بها رجال الدين. ونال علماء وفلاسفة العرب، أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وجابر بن حيّان وأبو بكر الرازي وابن رشد وغيرهم كُثر مصائر مهلكة على أيدي رجال الدِين. فكان من أسبابها، قرون من الجهل والتخلف والانحطاط. والعصور الوسطى سُمّيت بالعصور الظلامية جرّاء حكم "المتدينين" الذين يقولون الشيء ويفعلون خلافه. وهنا لابد من ذكر بعض مظاهر التسيّب والانحلال وبعض المظاهر الغريبة التي تعتري المجتمعات أثناء انتقالها من مرحلة لأخرى، إلا أنها لم تكن بأكثر سوء، مما اعترى المجتمعات المحكومة من قِبل رجال الدين بأي حال من الأحوال.

وحقيقة ما نرى اليوم من تدافع ولهاث خلف المال والسلطة والدنيا، أمر تسعى إليه الغالبية، وبعض رجال الدين يتصرفون كغيرهم من الناس وبعضهم الآخر يزيد من طموحاته في الدنيا ولا أرى ما يميزهم عن غيرهم في هذا المجال. وإن خالفني أحدهم فيما أقول، أتساءل:

أرونا الزهد بالدنيا كيف يكون؟ أرونا نماذج حية للحق والعدل والصدق في تعاملكم مع الآخرين في سلوككم اليومي والحياتي في شتى مجالات الحياة حتى يقتنع الآخرون بكم قدوة، وليس فقط محاضرات وشعارات. عندها فقط يصبح معنى وجدوى للكلام.

إني غير آسفٍ إذ أقول لكم: لن يستمع ولن يقتنع أحد بكلامكم ما لم تقرنوه بأفعالكم.

فها هي الحركات الدينية في العالم العربي كله، تحاول إعادة إنتاج نفسها من جديد، ولكن على الصورة التي ترونها جميعاً، ولا حاجة بي لشرحها.

وبعض رجال الدين في مجتمعنا يحورون ويدورون، ويعودون للمرأة واللباس، محملّينها كل بلايا المجتمع ومشاكله وتدهوره، متغافلين عن دورهم كرجال فيما آلت إليه الأمور، إلا أن المرأة هي الشمّاعة السهلة لتعليق مشاكلنا وأخطاءنا وخطايانا عليها. ففيما يخص سلوكيات الرجال من صدقٍ، والصدق "كالرأس من الجسد" كما تقولون، وشجاعة، وشهامة، ومعاملة حسنة، وبرٍ بالعهد والوعد والحق، فكلها أمور مؤجلة بلا رصيد، كالشيكات التي يعطونها للعمال والحوانيت!

يقولون في الدين – أعطِ العامل أجرَه قبل أن يجف عرقه. والعديد منكم وغيركم، لا يعطون العامل أجره قبل أن يجف دمه وتيبس عروقه. فهل هذا تطبيق لمقولة "المعاملة رأس الدين" وهل الاعتداء على حدود أراض الغير"وأراضي المشاع"، هو تطبيق ل "أعظم الجهاد" في قول الحق ورد الظالم؟!

وأنتم في مجدل شمس حتى الآن القرية الوحيدة في الجولان، التي تم انتهاك أراضي المشاع فيها دون وجه حق، ولم توزع بعدل وإنصاف على مستحقيها. فهل ما عطّلكم عن ممارسة الحق والعدل، لباس الفتيات؟!

تتركون لب الموضوع وجوهره، وتلاحقون القشور من المظاهر، والتي هي نتيجة حقيقية لما ذكرت وليس العكس. وما تنفكون بأخذ القرارات. وهذه أول مرة في التاريخ أعلم أن جهة معينة في المجتمع، تتخذ القرارات حياله، ولا تساهم ببناء أي مشروع من أجله، ولا تتصرف بشيء من العدل اتجاهه؟!

لقد ذكرّتموني بمجموعة من الشباب الذين كانوا ينادون بالحرية والديمقراطية والتقدمية, وكانوا أول المنقلبين عليها، فما أشبه اليوم بالأمس.

الحقيقة أن فقدان السلطة شيء مذهل ومريع. لقد مارس "رجال الدين" عبر العصور سلطتهم على المجتمعات واضطهدوا الرجال والنساء على حد سواء، كما تفعل الأنظمة القهرية اليوم. هذا ما أنبأنا التاريخ به منذ غابر العصور، وما أخبار الأنبياء والصالحين إلا مجرد شذرات وميضة من التاريخ، معظمها أساطير اقتصرت على أفراد انقلب عليهم من خلفهم وتبعهم أي انقلاب.

على أن المرأة تبقى الطرف الضعيف لتحميلها أسباب التدهور والانحلال، لأنها من وجهة نظرهم تمثِّل سبب الخطيئة الأولى، على الرغم من أن الشيطان إبليس رأس الشرور في العالم، كما توضح الكتب الدينية، كان آلهة ذكر ولم يك أُنثى.

إن بين السماء والأرض...... مسافة، لا يسبرها ولا يدرك كنهها إلا الفلاسفة والعلماء الذين لا وجود لأمثالهم بيننا.

أخيراً أنا لا ألوم الرجال الجالسين في الطابق العلوي، بقدر ما ألوم اللواتي ارتضين لأنفسهن الجلوس ربما لساعتين، مشنفات الآذان، مشرئبات الأعناق إلى أعلى.

7 – 4-2006

"أيها العبيد! ألَم تُشرق عليكم شمس الحرية بعد، ألَم يُحطم إله الحرية قيودكم، أما كفاكم رقادكم الطويل من تأثير المُخَدِّر الخبيث الذي يَبُثُه في عروقكم القِدِّيسون؟" - بوذا

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات