بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
إن خفتَ فلا تَقُلْ... وإن قُلتَ فلا تَخفْ
  20/04/2006

إن خفتَ فلا تَقُلْ... وإن قُلتَ فلا تَخفْ

بقلم: وهيب أيوب


"تستطيع أن تسحقَ الزهرةَ تحت قدميك، ولكن أنّى لك أن تُزيلَ عِطرها" - جبران خليل جبران.

لمواقع الإنترنيت في الجولان سيف ذو حدّين، فمن ناحية فسح المجال للحوار والمناقشة بين الناس والتعرّف على مختلف الآراء حول شتى الأمور الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية وغيرها، وهذا شيء جميل ووسيلة جديدة للتواصل فيما بيننا، بعد أن فقدنا إلى حدٍ ما الكثير من سبل التواصل المباشر ، وهذا مؤسف طبعاً وله العديد من الأسباب التي لن أدخل فيها الآن . ولكني أتساءل : لماذا وصلنا بمناقشاتنا إلى هذا الحد من العصبية وردود الفعل الغاضبة والتهم الخطيرة الجارحة والكلام البذيء أحياناً دون وازعٍ من المسؤولية وخلف أسماء مستعارة؟!. بتقديري هناك أكثر من سبب:

أوّلهم ثقافتنا وتربيتنا الاستبدادية القمعية المتوارثة عبر كرِّ القرون، وأصبح استدخال الخوف في نفوسنا جزء لصيق في حياتنا اليومية فكلٌ يمارس القهر والقمع على من هو "أدنى" منه أو أضعف، ابتداءَ من مؤسسات الدولة إلى المدرسة وانتهاء بالعائلة. والنتيجة الطبيعية لعوامل القمع والاضطهاد والخوف، أن تصبح ممارسة الكذب والنفاق والتملق والغش والرشوة في التعامل مع الآخرين، وأحياناَ كثيرة مع أنفسنا، عادة سائدة، وذلك من أجل أن نبقي على صورتنا الحسنة التي يريد الآخرون رؤيتنا بها، وهي ليست بالضرورة حقيقتنا، وحقيقة ما يعتمل في نفوسنا وعقولنا من مشاعر وآراء مناقضة لما نبديه للآخرين. لهذا ما زالت شعوبنا ومجتمعاتنا لا تجرأ على مواجهة الظلم والاستبداد وقول كلمة الحق، وقد ظن البعض أن تلك الصفات جزءَ من طبيعة مجتمعاتنا، مما زاد ضعفها وتقاعسها.

ولا مجال هنا لسرد الأسباب التاريخية التي مسختنا ومجتمعاتنا العربية على هذه الصورة المناقضة تماماَ لحرية الإنسان وإنسانيته وكرامته بالدرجة الأولى. فأكثر ما يميّز الإنسان عن باقي الكائنات الحية هو عقله، فإن ارتهن هذا العقل وحُجب تفكيره، سقطت عنه صفته الإنسانية الحرة، حتى ولو بقي يأكل ويشرب ويدب على قدميه.

ويقول ليبتز: "الإنسان العاقل لا يمكنه إلاّ أن يكون راغباَ في الحرية، لأن العقل روح الحرية".

واعتقادي أن المعركة الأساسية في مجتمعاتنا العربية قاطبة، هي هدم وإسقاط حاجز الخوف والرعب هذا، الذي يطبق على نفوسنا وعقولنا ويجعلنا كالشوك اليباس في الصحراء. وما لم تُنجز تلك المهمة الجديرة بالتضحيات، فلن يقوم للعرب ولا لأي مجتمع قائمة.

لقد تخلّف العالم قرون عديدة بسبب قتل الفكر والمفكرين، لهذا كانت الثورات على من مارسوا القمع والحجر على العقول دموية ورهيبة، لما حملته من حقد وردات فعل شرسة أهلكت في طريقها الملايين، وربما ستبقى هذه المسألة أحد أهم أسباب الصراع في المجتمعات والعالم، فكل إنسان وكل مجموعة بشرية أياَ كانت، تسعى لنيل الاعتراف بها وبحقها العيش بحرية من قبل الآخرين، هذا الاعتراف المتبادل بين الأفراد والمجموعات البشرية، والذي أسماه الفيلسوف اليوناني أفلاطون الـ "تيموس"؛ أي روح الحياة، هو شرط أساسي للتعايش السلمي بين البشر.

وما لم تتحقق تلك الاعترافات المتبادلة بين الأفراد والمجموعات البشرية المختلفة، بصون حرية كلٌ للآخر في الوجود والتفكير الحر، حتى إن اختلف معه أو تناقض، فالصراع مشرّع حتى النهاية.

لهذا أقول، أنه لا يكفي المرء مشاهدة ما يجري من انتهاكات للحقوق والحريات ويبقي نفسه على الحياد، فعلى كل فرد يشعر بقيمته الإنسانية أن يخوض معركته من دون انتظار الآخرين. ويقول أحد المفكرين: "عليك اعتبار أي صفعة موجهة من ظالم إلى مظلوم، هي صفعة على وجهك".

وبعض الناس يخوضون صراعات شرسة وكبيرة في سبيل مصالح شخصية مباشرة، وقد تكون تافهة، وأما عندما يتعلق الأمر بحرية الناس وحريتهم هم أيضاَ، فإن الأمر لا يعنيهم و كأن على رؤوسهم الطير!.

من هنا أدعو جميع المتحاورين والمتداخلين على مواقعنا المحلية، أن يبدأ كل منهم بخوض معركته بنفسه، ونيل الاعتراف به ككائن حر ومسئول، وأولها: أن يهدم حاجز الخوف في نفسه وأن يكف عن الظهور برأيه باسم مستعار، أو من دون اسم أحياناَ، فهذا في تقديري يقلل من احترام الآخرين له ولرأيه، وهو بالتالي سينتقي كلماته جيداَ قبل أن يخاطب بها الآخرين، وسوف لن يستطيع أن يطلق العنان لخياله لإطلاق التهم والنعوت والأوصاف على الآخرين جزافاَ، فيما لو أظهر اسمه الحقيقي. وهنا سيرتفع مستوى الحوار بين الجميع، ونتعود لاحقاَ على الصدق والصراحة فيما نعتقد، دون خوف أو محاسبة، لطالما الأمور في دائرة الحوار المتعارف عليه أدبياَ وأخلاقياَ. ولو اشترط بالأساس أصحاب المواقع المسئولة إدراج الاسم الكامل لجميع المتداخلين لوفّروا علينا كلامنا، ولما كان غلب السوء على الحد الثاني من السيف الذي تحدثنا عنه في المقدمة.

إلاّ أن الاستمرار على هذا النهج في المواقع بالوجوه المقنّعة كما الحفلات التنكرية، فهو يزيد الشكوك والكراهية بين الناس، ويفسح المجال أمام المغرضين والمندسين لتأجيج الخلافات.

وقد يكون لدى البعض منهم خلافات أو أحقاد شخصية مع الآخرين فيحاولون النيل منهم بهذه الطريقة الغير أخلاقية. وقد يُنظّر البعض منهم ويتفاصحون في الأخلاق والنزاهة وهم أبعد ما يكونوا عنها، مستغلين إخفاء وجوههم وأسمائهم، وبهذا ينجون بأنفسهم من نقد الآخرين لهم بأشخاصهم المعروفة. لهذا فأنا لا أرى أي مصداقية حقيقية للمتداخلين المتخفين.

وبالرغم من عدم التعميم فيما أقول، ولست ممن تركبهم الهواجس الأمنية والمؤامرات، ولكني لست ساذجاً لأثق بجميعهم، فالطريق إلى جهنّم معبدة بالنوايا الحسنة، كما يقولون.

وتقديري أن الإفصاح عن الأسماء يجعلهم أمام مسؤولية قولهم وعملهم، فالقذف والسب والتشهير والتهم الخطيرة التي يطلقها البعض دون وازع من الضمير والأخلاق تقع تحت طائلة المحاسبة القانونية، بحسب قوانين النشر والإعلام، ناهيك عن المسؤولية الأخلاقية أمام الناس. فليتحمل كل من يكتب مسؤولية كلامه، وأنا أولهم.

وهيب أيوب
17\04\2006

إقرأ للكاتب أيضاً:

• رجال دين.. بين القول والممارسة
• رجوع الطير
• رحم الله امرء
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات