بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
مواقع التواصل الاجتماعي لا تقلب الحكومات
  27/06/2011


مواقع التواصل الاجتماعي لا تقلب الحكومات

ترجمة لمقال "مارك هيل" بتاريخ 31 مايو/أيار 2011 (*)

مقدمة الترجمة



ربما سمعت احدى نكات الثورة المصرية عن وصول حسني مبارك الى جوار ربه بعد خلعه عن الحكم فيسأله أنور السادات "كيف وصلت إلى هنا، اغتيال أم سم؟" فيجاوبه: لا، بل "فيسبوك". وقد تكون فعالاً على صفحات التواصل الاجتماعي ومسانداً بكبسة "اللايك" على ثورتك المفضلة، ولديك مئات الأصدقاء الحقيقيين والافتراضيين.
إذا كنت تشعر انك اصبحت ناشطاً سياسياً بكبسة زر أو تشعر بالفخر بأنك جزء في هذا النظام الثوري الذي يقلب الحكومات وانت جالس على الكرسي اذاً أكمل القراءة من فضلك.
صحيح أن الاختراعات الحديثة وعلى رأسها الانترنت والهاتف المحمول أتاحت لأي حدث ملايين العيون والشهود وإمكانية إيصال الأخبار بالرسائل النصية في كل اتجاه. وصحيح أن تكنولوجيا الإتصالات وكثرتها بأيدي الجميع مكنت أي شخص من تجاوز حدود بلده الجغرافية والقمعية لتصل قصته بالصوت والصورة للرأي العام العالمي. ووقفت عاجزة أمام انتشار هذه الرسائل والصور كل أساليب التعتيم والدعاية الكلاسيكية. (1) . وصحيح أن مواقع التواصل الاجتماعي ك"تويتر وفيسبوك" سهلت الكثير من امكانيات التعاون والتنسيق والتنظيم بشكل لم يكن متاحاً من قبل وبالتالي قاومتها الأنظمة التي خشيت تأثيرها مثل الحجب أو الطلب من إدارة الموقع بمحو صفحات معينة (ابحث: اسرائيل تطلب من فيسبوك حجب صفحة الانتفاضة الثالثة).
ولكن الخلط بين الانترنت والهاتف المحمول من جهة، وبين مواقع التواصل الاجتماعي من جهة ثانية، فيه الكثير من الخطأ. فمواقع التواصل الاجتماعي ضيعت الحد الفاصل بين "النشاط " Activism أي النشاط الفاعل من داخل المجتمع والحارة والشارع والمدينة والثورة والانتفاضة وبين النشاط الراكد Slacktivism أي الفعل السلبي بالتفرج والدعم الخامل من خلف شاشة ولوحة مفاتيح. مما أدى للبلبلة الحاصلة في تسمية الثورات وتحليل مقومات نجاحها أو فشلها، والشطط في نسبتها لأسماء التكنولوجيا بدل مسبباتها الحقيقية.
هذا لا يمنع أحد من إبداء أي رأي يريده أو اتخاذ أي موقف مؤيد أو معارض ولكن، مثلما يختلف شاهد العيان عن "شاهد ما شفش حاجة" كذلك فإن تسمية الثورات العربية "بثورات الفيسبوك" أو التويتر أو نسبتها لأفكار"جين شارب" في المقاومة السلمية أو "لجوليان أسانج" مؤسس الويكيليكس فيها الكثير من التجني والمبالغة والادعاء الكاذب لأسباب وجيهة يلقي هذا المقال الضوء على بعضها آخذاً ثورة إيران كمثال تعددت حوله الدراسات والاحصاءات والمصادر الموثوقة.
مقدمة المقال
تكاد لا تسمع خبراً عن موجة ثورات الشرق الأوسط الأخيرة دون أن تسمع تعليقاً عن أهمية "تويتر" و"فيسبوك" للثوار، ولا بد انك شعرت أن مواقع التواصل الإجتماعي تنقذ العالم عندما اقترح مستشار سابق للأمن القومي ترشيح تويتر لجائزة نوبل للسلام (2) .
يؤسفني أن أقول لك بأنه لا أهمية اطلاقا لتويتر وفيسبوك في صنع الثورات، وذلك للأسباب الخمسة التالية:
5) عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في الشرق الأوسط يكاد يكون صفراً .
وصل عدد مستخدمي التويتر في أيران حوالي 20000 خلال أوج ما أطلق عليه "ثورة التويتر" عام 2009، أي أقل من 3 بالمئة بالمئة من عدد سكان أيران البالغ 77 مليون نسمة.
قد تقول: ما زال باستطاعتي أن أتخيل عشرين ألفا يشعلون فتيل ثورة تغير نظام الحكم، إلى أن تكتشف أن هذا أيضا من الترهات عندما تعرف أن معظم هؤلاء العشرين ألفاً هم مشتركين من كل العالم غيروا موقعهم في التويتر إلى "طهران" في محاولة لبلبلة السلطات الإيرانية اعتقادا منهم ان هذه السلطات هي فرقة بوليسية متخلفة. فاذا اخذنا هذا بعين الاعتبار يبقى عدد مستخدمي تويتر في إيران أقل من 1000 شخص (3).
رغم كل الأخبار عن أن الثوار نسقوا تحركاتهم عبر تويتر فالواقع ان تنظيم معظم المظاهرات كان عبر الرسائل النصية القصيرة، أو أنه تم شفهياً أو ببساطة عبر جملة مثل: " هنالك مظاهرة تحت في الشارع، تعال ننزل لنرى".
حتى اذا تغاضينا عن حقيقة ان الكثير من المحتجين لا يملكون خط انترنت فان مواقع التواصل الاجتماعي تعتبر من أسوأ طرق التنظيم.
حتى تنظم احتجاجا فعالاً، فأنت تحتاج لبنية متراصة من اشخاص ملتزمين حقا بقضية الاحتجاج، مستعدين للاعتقال وللموت. مواقع التواصل الاجتماعي توفر النقيض المطلق لهذا.
قم بدعوة 500 من أصدقائك على الفيسبوك لاحتجاج ما، وسترى أن 498 منهم سوف يردون "ربما" (أي بمعنى: لا لن آتي) أما الصديقين الباقيين فسترى أن سبب قدومهما هو للاستمتاع برؤية شرطة مكافحة الشغب وهم يركلون مؤخرتك.
مثال: في سوريا بتاريخ 8 شباط 2011 فشلت الدعوة ليوم غضب تم الاعداد له على الفيسبوك (4). لأن أحداً من المدعوين لم يعرف المنظّم ومعظم من قالوا بأنهم سيأتون لم يكونوا مهتمين بالقدوم، هذا اذا اعتبرنا انهم كانوا حينها بداخل سوريا أصلاً. الذين قدموا بالفعل لم يسمعوا عن الدعوة في الفيسبوك لعدم وجود الانترنت لديهم.
وهذا ما يقودنا للسبب التالي.
4) مواقع التواصل الاجتماعي أسوأ الطرق لتنظيم الاحتجاجات السرية.
اذا أعلنت عن خططك للاحتجاج على صفحات علنية في أي نظام قمعي فان أول ما سيفعله هذا النظام هو معرفة مكان التجمع وعدد الأشخاص المتوقع وصولهم، وأي معلومات شخصية نشروها عن أنفسهم على الملأ.
نميل للتخيل أن المحتجين في الدول الدكتاتورية هم شباب عصريين تقابلهم شلة من العواجيز المتخلفين في السلطة يعانون من رهاب التكنولوجيا الحديثة. ولكن الحقيقة هي أن الأنظمة الشمولية متقدمة جداً باستخدام الانترنت، فقد قامت السلطات في تونس باختراق حسابات البريد الالكتروني وحسابات الفيسبوك لمحتجين بارزين، ثم غيروا مفاتيح الدخول لمنع أصحاب هذه الحسابات من تغييرها، وجمعوا كل المعلومات المتوفرة عنهم وعن زملائهم للقيام بحملة اعتقالات واسعة (5)
السلطات الايرانية تقدمت خطوة اخرى عن مثيلتها في تونس، فلم تستعمل التويتر لنشر الاشاعات فحسب، بل استعملت المعلومات المستقاة من مواقع التواصل الاجتماعي في حملة عالمية لمضايقة الثوار المقيمين خارج إيران (6).
ولكن حتى لو لم تتمادى السلطات إلى هذا المستوى، فان مجرد إعلامهم بمكان وزمان الاحتجاج يعطيهم ما يكفي من الوقت للتحضير المسبق لقمع المظاهرة.
( مثال آخر هو حفلة صيد البط التي حصلت عند محاولة عبور الحدود في ذكرى النكسة كإعادة لعبور ذكرى يوم النكبة التي تم الإعلان عنها على صفحات الفيسبوك ومثال آخر في إغلاق صفحات الدعوة لإنتفاضة فلسطينية ثالثة. المترجم)
السرية شرط ضروري لتنظيم الاحتجاجات ولكن أي تنظيم يتم على صفحات المواقع الاجتماعية يكون متاحاً للجميع. ولهذا السبب فان أنجح الانتفاضات هي التي تم تنسيقها شفهياً.
3) مواقع التواصل الاجتماعي هي مصادر سيئة للأخبار
مشكلة التويتر هي أن أي ذرة معلومات ذات قيمة تعوم على بحر زاخر من الهراء
كل بضعة أشهر نسمع في التويتر عن وفاة مأساوية لأحد المشاهير (7). اذا كان الخبر هو عن "وفاة نيكولاس كيج تحت حوافر قطعان الجواميس المتدافعة" فليست هنالك مشكلة ولكنها تصبح مشكلة عويصة عندما تبدأ شبكات إخبارية مرموقة باستعمال "تويتات" مجهولة المصدر وكأنها مصادر موثوقة.
نفرض أن هناك انتفاضة في بلد ما في الشرق الاوسط. وشبكات الاخبار تريد تغطية الحدث ولكنها لا تستطيع ادخال مراسل مع كاميرا تصوير إلى سوريا مثلا (8). "تويتر" عندها سيأتي لانقاذك.
على مدى العام الماضي تمت الاشادة بتويتر كونه طريقة مبتكرة للصحفيين للحصول على الحقائق، فصاروا يذيعون على الهواء مقتبسين اخباراً ارسلها المحتجون أنفسهم، دون أن يكون الصحفي في مكان الحدث.
المشكلة أن المحتجين الذين أرسلوا الاخبار عبر تويتر لم يكونوا هم أيضاً في مكان الحدث (9).
اذا، عندما تقول وسيلة إعلامية ما "حسب أحد الاشخاص المتواجدين في المكان فقد حضر المظاهرة حوالي 700 ألف شخص". فهذا بلا شك عدد مهول من الاشخاص يعادل 10 مدرجات لكرة القدم مليئة بالمتفرجين، حتى يأتي الخبر الحقيقي فنعلم ان العدد لم يتجاوز 7 آلاف، نصفهم أتى لأن برامج التلفزيون في ذلك الوقت لم تثر اهتمامهم.
ليست المشكلة فقط في أن هذا النوع من المبالغة يعطينا انطباعاً خاطئاً لما يحدث، بل لأنه يتيح لنا عرض جانب واحد من جوانب الحقيقة.
أحببت أحمدي نجاد أم كرهته ولكنه حقا يتمتع بعدد لا يستهان به من المؤيدين (10). ولكن الفرق أن هؤلاء المؤيدين لا يستعملون الفيسبوك. هل نعتقد مثلا أن أمريكا عن بكرة أبيها كانت تكره جورج بوش عام 2004 لان الموضة يومها كانت أن تمزج صورته مع صورة شمبانزي بواسطة الفوتوشوب وتعرضها على الانترنت؟ لا، الحقيقة كانت أعقد من ذلك بكثير.
تضخيمنا لدور تويتر كمصدر للاخبار فقد قللنا بنفس الوقت من فعاليته ومصداقيته نظرا للعدد الهائل من المستخدمين ومن الرسائل. لأن تويتر لا يستطيع التمييز بين الأخبار الصحيحة والأخبار الملفقة، فقد قام الغرب بإغراق القلة القليلة من الاخبار الصحيحة القادمة من الشرق بطوفان هائل من الاشاعات الخاطئة. ثلث الاخبار الواردة عن إيران في تويتر كانت إعادة إرسال لأخبار سابقة (11
2) وسائل الاعلام تركز فقط على تويتر لأنها كلمة "رنانة"

ثمة حقيقة يجب أن نعترف بها هي أن معظم الحروب والثورات تخاض لأسباب بالغة التعقيد لا يفهمها معظمنا، ولكن بالنسبة للمواطن العادي فان الحرب الأهلية في أمريكا كانت بسبب العبودية، وحرب العراق كانت بسبب النفط، والحرب الثورية الامريكية بسبب الحرية. نريد لكل حرب أن تكون أسبابها سهلة الفهم مثل قصة فلم "حرب النجوم".
اللوم في هذا التبسيط يقع على عاتق الشبكات الإعلامية، إذ أن كل حدث معقد يجب أن يترجم لقصة سهلة الفهم. تربط بكلمة رنانة تجعلها مقنعة وسهلة التذكر.
إن التفكير بتلك الثورات حسب مصطلح "ثورة التويتر" يعطينا بديلاً سهلاً لفهم الأحداث: "شباب عصريون ذوو تفكير حر يستعملون تقنية حديثة للاطاحة بالحرس القديم". هذا السرد يجعل القصة مثيرة لمتابع لم يكن ليهتم دون ذلك بما يحدث.
هذا التبسيط ليس ظاهرة جديدة، فقد عزي الفضل بثورة الفلبين عام 2001 للرسائل النصية القصيرة، التكنولوجيا التي كانت حديثة في ذلك الوقت. وإذا عدنا إلى الوراء أكثر سنرى بأننا أعطينا فضل الثورة الايرانية عام 1979 لشريط الكاسيت. وفي أحداث ساحة تيانمين كان الاعتقاد السائد أن جهاز الفاكس سيقضي على النظام القمعي في الصين (12).
ليست هناك خبر ذو قيمة لم نقم بربطه بكلمة رنانة بعد، لأن ذلك يبسط الأمور ويجعلنا نفهمها، انه يربط القصة بوجه آدمي. من الصعب أن نتضامن مع عجوز سوري فقير تضايقه الحكومة لأننا ليست لدينا أدنى تجربة كيف يكون شكل شيء كهذا. ولكن من الأسهل أن نتصور موظف حكومة من الطبقة المتوسطة في مكتب ممل يضايق شخصاً عنده حساب في الفيسبوك لأن معظمنا من الطبقة المتوسطة مع أعمال مكتبية مملة ونحلم بمحاربة النظام عن طريق نشر الرسائل عن حالتنا الشخصية على الفيسبوك
ليس ذلك فحسب، بل من الممتع أن نفكر أن هذا الموقع الذي نستعمله كل يوم يقوم بتحسين العالم فذلك أفضل بكثير من أن نعتقد ان مساهمة فيسبوك الوحيدة للمجتمع هي ان يرى أصحابنا كم كنا مخمورين في الحفلة ليلة البارحة.
هذا يقودنا للنقطة الأخيرة
1) مواقع التواصل الاجتماعي تجعلنا نعزو لانفسنا ما لانستحق من الفضل
سبب آخر يجعلنا نربط أحداث العالم لتكنولوجيتنا الغربية هو لكي نتباهى بعظمة هذه التكنولوجيا، يزداد هذا الأمر سوءاً اذا كانت هذه التكنولوجيا هي الأنترنت. لأنه اذا كان هناك شيء واحد تتمتع به الانترنت غير البورنوغرافيا فهو الإدعاء بانها المحرك وراء قضايا مصيرية.
نحن نحب فكرة ان المواقع الاجتماعية هي القوة المحركة للثورات للسبب التالي.
أنت لا تستطيع الطيران إلى مصر والاشتراك في مظاهرة في ميدان التحرير، ولكنك عندما نضغط "لايك" على صفحة فيسبوك عن مظاهرة في ميدان التحرير فانت تظن أنك أصبحت جزءاً من هذه المظاهرة بكبسة زر. هذا كل ما يتطلبه الأمر منك حتى تصبح ناشطاً برمشة عين. بالطبع هذا لن يحقق شيئا ولكنك بهذا تظهر للعالم كم أنت مهتم.

مصطلح "النشاط الراكد" Slacktivism (13) ليس مصطلحا حديثاً ولكنه يقطع الخط الفاصل بين "النية الحسنة الممزوجة بعدم الجدوى" وبين" الوهم الصارخ" عندما نأخذ فضلا لا نستحقه.

في أعقاب الثورة المصرية لا يكفي ان المتظاهرين استخدموا الفيسبوك ولكننا نربت على أكتافنا اننا "علمنا" المصريين استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وجوجل مع اننا لسنا متأكدين انهم استطاعوا تجاهل الاف نتائج البحث عن الاثداء ولكننا ندعي أنهم بالقطع احتاجوا تكنولوجيا أمريكية لترتيب امورهم
ومن جهة اخرى قامت النيويورك تايمز في أحد مقالاتها (14) بتضخيم فلسفة "جين شارب" (15) حول النضال غير المسلح لاسقاط الدكتاتوريات فقد جعلت استاذ العلوم السياسية يبدو مثل "لورنس العرب" عصري علم منشقين جهلة في العالم الثالث كيفية الثورة. مع ان مدونين مصريين مرموقين سخروا من هذه الفكرة.
ومثل هذا ادعى صاحب الويكيليكس "جوليان اسانج" انه ساهم بالثورة التونسية ولن يلبث أن يدعي الفضل في باقي الثورات.
اذا توقفنا لبرهة وفكرنا بالامر فان ثمة إهانة بالغة ان نسمي ثورة تونس بثورة التويتر او ثورة الويكيليكس عندما نتذكر ان مسببها الحقيقي هو البائع المتجول محمد البوعزيزي الذي اضرم النار بنفسه. ألا يجب أن نعطيه الفضل بدل ان نعزوه لتقنيتنا ولأنفسنا (16)؟
فاضل فخرالدين

ملاحظة:
نزولاً عند رغبة الكاتب، تقبل التعليقات على هذه المادة بالاسم الثلاثي فقط.



 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات