بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
هل العروس سورية فعلاً!؟
  27/11/2004
 


هل العروس سورية فعلاً!؟

كتبه نبيه عويدات (27\11\2004)

ربما عكس الحضور الكبير الذي اتى لمشاهدة فيلم العروس السورية، الذي عرض مساء الخميس الماضي في رابطة الجامعيين، مدى الاهتمام الذي يبديه الجولانيون لأول فيلم يعالج أحد وجوه المعاناة الإنسانية التي يعيشونها منذ أكثر من 37 عاما تحت الاحتلال الاسرائيلي.

الفيلم الذي تعرض لقضية الزواج عبر خط وقف إطلاق النار، هذه المأساة الإنسانية المتكررة في الجولان المحتل، يحكي قصة فتاة جولانية قررت الزواج بشاب سوري عرفته من خلال شاشة التلفزيون، حيث يعمل هذا الشاب كممثل كوميدي معروف ومشهور.

وتبقى حالات الزواج هذه أكثر القضايا الجولانية التي شغلت وسائل الإعلام، حيث تحصل دائماً على تغطية إعلامية إخبارية واسعة، تتناولها من زاويتها المأساوية، حيث تنتزع العروس من أهلها وبيئتها لتغادر إلى بيئة أخرى مجهولة ومعروفة في نفس الوقت. وتصل هذه المأساة ذروتها عند عبور خط وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل، إذ تدرك العروس أنها سائرة في طريق باتجاه واحد، ولن تتسنى لها العودة أبداً، مهما اشتد بها الحنين، لأن الاحتلال قطع الاتصال، بكل أشكاله، بين الجولان المحتل والوطن الأم سوريا.

لقد حاول الفيلم معالجة هذه القضية عبر قصة درامية، جاهدت أن تكون حقيقية قدر الواقع، خاصة أن سيناريو الفيلم يعتمد على أحداث حقيقية من الواقع الجولاني، لكن كاتبة السيناريو والمخرج لم يستطيعا لمس لب المأساة، حين صورا زواج منى (العروس) كهروب من الواقع، وردة فعل على زواج سابق فاشل، ليترك الانطباع أن حالات الزواج هذه تتم لهذا السبب فقط. متجاهلاً، أو جاهلاً، القصة والأسباب الحقيقية لهذه الزيجات. فالجولان الذي كان يضم أكثر من 130 ألف نسمة قبل الاحتلال، بقي مع 7 آلاف بعده، أما البقية فهجّروا، ليصبحوا نازحين في وطنهم. 132 قرية ومدينتين مسحت عن وجه الأرض، وخمس قرى بقيت، ولكنها خسرت نصف سكانها، لتنقسم العائلات نصفين: نصف هنا ونصف هناك- خلف الأسلاك التي قسمت الوطن قسمين. لم تعرف كاتبة السيناريو، ولا المخرج، أن هؤلاء النازحين تركوا قلوبهم هنا في الجولان، ولا زالت تراودهم أحلام العودة إلى قراهم.. إلى بيوتهم.. إلى معانقة ذويهم الذين بقوا هنا تحت الاحتلال. فالاحتلال، رغم مرور 37 عاما عليه، لم يستطع قطع أواصل القربى بينهم، وكلّ، إن كان في الجولان أو في الوطن الأم، يعرف كلٌ التفاصيل عن الآخر، ويعرف كلَ الأشخاص وكلَ الأسماء. فالزواج لا يتم هنا بين أشخاص غرباء، وإنما بين أناس يصرون على كسر هذا الفصل فيما بينهم، فهم أبناء وطن واحد ومجتمع واحد، ولن يسمحوا لا للاحتلال، ولا لحقول الألغام التي زرعت بينهم لتفصلهم، أن تكرس هذه القطيعة. هذه هي الأسباب الحقيقية، التي، وللأسف، لم يعالجها الفيلم، ولم يتطرق إليها.

لقد حاول الفيلم الغوص في تفاصيل الحياة الجولانية، ولكنه فشل في فهمها، فأتت معالجته لها سطحية. إذ حاول الفيلم الغوص في قضايا الاحتلال، والمرأة، والعلاقات الاجتماعية المركبة لهذا المجتمع، التي قد يكون من الصعب لغريب عن هذا المجتمع فهمها، فأعطاها حيزاً قد لا يتناسب مع الواقع. إذ شغلت قضية الزواج من أجنبية، مثلاً، حيزاً أكبر من قضية الاحتلال نفسه، في الوقت الذي تشغل فيه قضية الاحتلال ومقاومته، في الواقع الجولاني، حيزاً يفوق جميع القضايا الأخرى التي عالجها الفيلم مجتمعة.

لقد صور الفيلم الأشخاص بطريقة مضحكة أحيانا، وذلك لأنه لم يوفق في إتقان اللباس و اللهجة الجولانية، أو بعض العادات والتقاليد، وكان ذلك واضحاً للعيان، لدرجة أن العديد من الذين حضروا العرض استفزهم ذلك، واعتبروا الفيلم مسيئاً. حتى أن بعضهم اعتبر أن المخرج تعمد إظهار الجانب السوري بطريقة غير لائقة، وذلك من خلال الضابط السوري في نقطة العبور.

لا اعتقد أن المخرج تعمد إظهارنا بشكل غير لائق، فمن خلال حديثي معه ومعرفتي برؤيته السياسيه، فإنه بالفعل حاول إظهار المأساة الإنسانية في هذه القصة، وهو يؤمن بسورية الجولان وحق شعبه في الحرية، وقد صرح للإعلام أنه "يؤمن أن الناس متساوون ويحق لهم العيش بحرية، ولا يمكن فرض الاحتلال على أي شعب"، وكذلك كاتبة السيناريو والممثلين الذين لعبوا الأدوار الرئيسية في الفيلم فهم عرب، ويعتبرون مشاركتهم في هذا الفيلم خدمة لقضية الجولان المحتل، ولكن الحقيقة أن عيران ريكلس، الذي صرح خلال النقاش، الذي دار بعد الفيلم، بأنه إسرائيلي في نهاية المطاف، يرى المشكلة بهذه الصورة.

لقد شاهدنا أول فيلم درامي يصور عن الجولان برؤية إسرائيلية. وهل يفهم الإسرائيلي مشاكلنا بحق؟ هل يشعر الإسرائيلي بمرارة معاناتنا؟ لا اعتقد ذلك. لم يبق لنا إلا الانتظار، حتى ينزل الوحي على أحد مخرجينا السوريين، الذين يتحدثون لغتنا ويفهمون مشاعرنا، ربما يصور لنا فلماً يعالج قضيتنا برؤية سورية، تظهرنا فيها بالصورة التي نرغبها.

يبقى أن أقول، أن أمراً بارزاً، قد يحسب من إيجابيات الفيلم، خدم قضية الجولان، بدون شك. فقد بين الفيلم والد العروس، ذلك الرجل الوطني، الذي قضى سنوات في السجون الإسرائيلية، بسبب مقاومته للاحتلال، وأظهره بطريقة تليق بمناضل وطني، لم يهادن الاحتلال، ولم يرضخ، مهما كانت الأسباب، وهذه حقيقة عالجها الفيلم بواقعية تطابق الحقيقة- حقيقة رفض أهالي الجولان للاحتلال وإصرارهم على التمسك بهويتهم الوطنية السورية، بشكل لا يقبل المساومة أبداً.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات