بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
قانون القبول عند الإسيين
ابن زاهدي
  26/04/2006

قانون القبول عند الإسيين

بقلم : ابن زاهدي

في المرة الماضية تطرقت إلى قانون " البعدة " عند الإسيين,  والقانون الذي تطرقت إليه سابقاً كان القانون العام الذي يتحتم على كل فرد من أبناء الجماعة معرفته والتقيد به. ولكنه إلى جانب القانون العام كانت هناك قوانين وتعليمات متفرعة عنه ومتخصصة بمجالات معينة من حياة المجتمع أو الفرد. فقسم من هذه القوانين الفرعية كان مخصصاً للقضاة وآخر برجال الدين أوالمسؤولين الإداريين. وهنا سأتطرق إلى أحد هذه القوانين وهو قانون قبول المبتدئين الذين يريدون الإلتحاق بالحضرة وحضور إجتماعاتها.

النص الأصلي لهذا القانون موجود في مخطوطات البحر الميت (Dead sea scrolls, Rules and Rites of the community of the Covenant  ) ويعود إلى بداية المئة الأولى أو نهاية المئة الثانية قبل ميلاد المسيح , وموجود على عدة نسخات مكتوبة باللغة الآرامية والعبرية واليونانية القديمة وسأحاول بقدر الإمكان ترجمته عن الترجمة الإنكليزية ترجمة حرفية مع مراعاة المضمون الكامل والمعنى للنص الأصلي.

قانون القبول يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أجزاء تطبق على ثلاثة مراحل.

المرحلة الأولى: (نص مترجم)  

أي شخص يريد عن خيار كامل الإلتحاق بالجماعة , التي اختارت السير على طريق الحق , الذي رسمه لها من هو أرفع من كل شيئ (الله). هذا الشخص, يفصح عن رغبته لمن هو مسؤول عن أمور الجماعة, والمسؤول بدوره, يتوجب عليه أن يتأكد من صدق النية عند المبتدئ, وأن يستقصي الحقائق عن مسلكه العام وسيرته وأعماله, وإذا تبين له بأن الشخص الجديد صادق النية ويستحق التقرب من الجماعة فيجب على المسؤول أن يقدمه أمام الجماعة, وأن ينوره في أسس الحق واستقامة المسلك والطهارة وتجنب كل ما يدنس روحه وقلبه وجسده , ويعلمه قوانين وشرائع الجماعة. وبعد امتثاله ووقوفه أمام الجماعة والإفصاح عن رغبته على مسمع من الجميع, يتوجب على الجماعة أن تناقش موضوع طلبه, وإذا وجدوا بأنه يستحق التقريب منهم قربوه, وإذا وجدوا بأنه لا يستحق أبعدوه.

(تعليق): إننا نرى هنا بأن الشخص الجديد يجب أولاً أن يفصح عن رغبته إلى المسؤول من الجماعة, والمسؤول يتوجب عليه تقصي الحقائق حول هذا الشخص, وبعد إقتناع المسؤول بحسن نيته وسيرته يتم تقديمه ليقف شخصياً أمام الجماعة ويفصح عن رغبته على مسمع من الجميع, وبعدها يتوجب على الجماعة مناقشة قضيته " ليس واضحاً هنا إذا كان النقاش سيتم بحضور أو بعدم حضور الشخص المعني".

 وإذا قررت الجماعة قبوله يجب عليه أن يبقى بعض الوقت تحت التجربة " هذه الفترة تختلف من شخص إلى آخر وتعتمد على سلوك الشخص العام ومثابرته على التقوى والإستقامة ". وقبل أن يسمح له بشكل فعلي التقرب من الجماعة, يجب أن يجتمعوا من جديد ويناقشوا طلبه وسيرته من جديد ويبتوا في أمر قبوله أو إبقائه تحت التجربة.

المرحلة الثانية:(نص مترجم)

وإذا أجمع رأي الأكثرية على السماح له بالتقرب من الجماعة فلا يحق له لمس كل ما هو طاهر عندهم حتى يمضي على وجوده قربهم مدة سنة كاملة, خلالها يتم إمتحانه قلباً وروحاً. وإذا تأكد لهم بأنه صادق النية في أقواله وأفعاله وبعد مضي سنة كاملة يجب على الجماعة أن تجتمع وتناقش أمره من جديد بالنظر لمسلكه العام وأفعاله وتقيده بالشرائع والقوانين, وإذا أجمع الرأي على أنه يستحق التقرب أكثر من صلب الجماعة, وبالتنسيق مع أصحاب المعرفة والحكمة على رأس الجماعة, تقوم الجماعة بالتصويت, وإذا كان خيار الأكثرية يسمح له بالإقتراب من صلب الحضرة فيجب السماح له بالإقتراب.

 (تعليق) خلال هذه المرحلة التي تلي فترة التجربة لا يسمح للمبتدئ بلمس المقدسات ومن المرجح كذلك بأنه لا يشترك في الإجتماعات الروحية المهمة, ومسلكه الروحي والإجتماعي كان تحت رقابة الجماعة طوال سنة كاملة للتأكد من صدق نيته وإخلاصه, وبعد مضي عام كامل يتوجب على الجماعة بأن تجتمع وتناقش أمره من جديد وتتخذ قرارها عن طريق التصويت الجماعي. وإذا أجمع الاكثرية على تقريبه يمكنه أن يتقرب أكثر من صلب الحضرة. ولكن هذه المرة يبدو أن رأي الأكثرية لا يكفي, فرأي القادة وموافقتهم ضروري قبل أن تتم القرعة.

المرحلة الثالثة: ( نص مترجم )

وإذا أقرت الجماعة بأكثريتها تقريبه منها , يجب عليه أن يضع ما يخصه من ممتلكات وما ينتجه من شغله تحت يد المسؤول عن الشؤون المالية للجماعة. وهذه الممتلكات وما ينتجه من عمله تبقى محفوظة على حسابه دون أن تختلط بأملاك أو أموال الجماعة , ولا يحق له بأن يشارك في أسرار الجماعة ولا في طعامها ولا بأن يلمس الكتب المقدسة حتى ينهي سنة كاملة. وبعد أن يكون قد أمضى سنتين كاملتين على مقربة من الجماعة, تجتمع الحضرة من جديد وتناقش أمره ثم تقوم بالتصويت. وإذا قررت الأكثرية قبوله في صلب الجماعة , عندها يصبح واحد منهم , وملكه وماله يندمج مع مال وأملاك الجماعة, ويعطى مكانته ودرجته في الحضرة.

( تعليق) مما سبق نستطيع أن نفهم بأن أي مبتدئ لا يحق له بأن يصبح عضواً كاملاً في الجماعة قبل أن يمضي على الأقل سنتين كاملتين يضاف إليها فترة التجربة. وبعد السنة الأولى يجب عليه أن يضع ملكه وماله تحت يد المسؤول عن الأوقاف. ولكن ملكه وماله يبقى على حسابه دون أن يختلط بمال وأملاك الجماعة حتى يتم قبوله النهائي. وإذا غير رأيه وترك الجماعة أو قررت الجماعة عدم قبوله, فأمواله وأملاكه وكل إنتاجه يرجع له دون أن يختلط بأموال وأملاك الجماعة. هذا يدل على أن أموال وأملاك الجماعة كانت مشتركة.

ومن جهة أخرى نقرأ ما كتبه المؤرخ فلافيوس يوسفوس عن هذا الموضوع فهو يقول:

 هؤولاء الناس (الإسيين) يكرهون الغنى . وكل ما يملكون فهو للجميع. ولا يمكنك أن تجد بينهم من يملك أقل أو أكثر من الآخرين. وعاداتهم تملي عليهم بأن كل من ينتسب إليهم يجب أن يتخلى عن أملاكه لمصلحة الجماعة. لأن أملاكهم وأموالهم وطعامهم  وكل ما يفعلون لمصلحة الجميع وكأنهم عائلة واحدة. لم أصادف بينهم محتاجاً واحداً ولا من يظهر عليه الغنى أكثر من الآخرين. ولا يسكنون في مكان واحد. بل تجدهم في جميع المدن والقرى. وإذا جاء إليهم أي شخص من طائفتهم من المدن الأخرى يفتحون له أبوابهم ويدخل إلى بيوتهم وكأنه يدخل إلى بيته. وإنهم يفعلون ذلك حتى مع أبناء طائفتهم اللذين لا يعرفونهم من قبل. وعندما يتحدثون مع بعض يتحدثون وكأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن بعيد. كما أنهم لا يشترون من بعض ولا يبيعون لبعض بل يتبادلون الأشياء بينهم. فأحدهم يعطي للآخر ما يحتاج الآخر إليه ويأخذ منه ما هو بحاجة إليه.

 ( تعليق) إن ما كتبه يوسيفوس عنهم ينطبق إلى حد كبير مع ما جاء في مخطوطات البحر الميت. ولكن يوسفوس يقول بأن الإسيين كانوا يسكنون في جميع المدن والقرى بين الجماعات الأخرى. وطريقة استقبالهم لبعض لا توحي بالملكية المشتركة أكثر من أنها توحي بالضيافة السخية وشعورهم بالمسؤولية تجاه بعضهم البعض. وهذا يعني بأن الجماعة التي كانت تسكن في قمران وكتبت مخطوطات البحر الميت كانت جماعة دينية بحتة, ومن المرجح بأن قمران كانت مركزاً  للعبادة ومدرسة دينية أكثر من كونها قرية أو مدينة يسكنها عامة الناس, مما يفسر الإختلاف البسيط بين ما جاء في قانون الجماعة وما كتبه المؤرخ.وهنا يمكن الإستنتاج بأن المجتمع الإسيني لم يكن محصوراً في قمران, بل كان منتشراً في المدن والقرى, وكانوا يملكون بيوتاً خاصة بهم على خلاف الملكية المشتركة في قمران . لكن جميع المصادر توحي بأن الإسيين أينما تواجدوا كانوا يتحملون مسؤولية بعضهم البعض ويتقاسمون ما لديهم ولا يطمحون إلى الثراء ولا يسمحون لأحد بينهم بأن يعيش في فقر . كما أن العبودية كانت ممنوعة عندهم والمساواة والعدالة الإجتماعية والديموقراطية كانت عناصر رئيسية في حياتهم اليومية. ووصفهم المؤرخ اليوناني الإسكندراني فيلو بأنهم: كانوا يطبقونها في حياتهم اليومية وبشكل تلقائي وطبيعي وكأنها قد ولدت معهم.

طقوس استقبال المبتدئ داخل الحضرة: ( نص مترجم ) 

 وعند قبول الشخص الجديد في صلب الجماعة, يقف الجميع وعلى رأسهم الرئيس ومساعدوه والمتقدمون سناً ويرددون على مسمع من الجميع: إن جميع اللذين يسيرون على طريق الجماعة يجب أن يدخلوا إلى بيت صاحب الحق (سبحانه وتعالى) ملتزمون بما أملاه (الرب) عليهم دون تردد أو إنحراف أو تراجع عن اتباع طريق الحق بسبب إضطهاد أو تهديد أو خوف أو تعذيب أو أي سبب آخر قد يفرضه إبليس عليهم. والأتقياء وأصحاب الرأي والمعرفة سيرددون حمداً لمن هو أعلى من كل شيئ وتمجيداً لقدرته وعدله وحقانيته, وجميع الأخوة الجدد سيرددون وراءهم آمين...آمين.

وفي مقطع آخر:

أي شجص يسير بإتجاه الجماعة سيصل إلى بيت الحق ومجمع الأتقياء الذين اختاروا طريقهم بأنفسهم. وقبل أن يدخل يجب عليه أن يقطع على نفسه وعداً لا تراجع فيه بأن يتبع قانون الذي هو أعلى من كل شيئ(الرب) ويتقيد بكل ما كشفه (سبحانه وتعالى) من أسرار لأبناء الصديق من أبناء النور, ويسير متواضعاً على طريق الجماعة التي اختارت أن تسيربتواضع على طريق الحق كواحد منهم دون خوف أو تردد أو تراجع يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة ما دام إبليس طليقاً بين البشر.

( تعليق ) في هذا المقطع نرى بأن كل من يريد الإلتحاق بالجماعة يجب أن يقطع على نفسه وعداً. هل هذا يعني بأنه ملزم أن يقسم يميناً أم أنه سيطلق وعداً أمام الجماعة, فالأمر غير واضح. ولكن المؤرخ يوسفوس يقول في الموضوع نفسه بعد معيشة سنة كاملة مع الإسيين: أنهم لا يقسمون يميناً, لأنهم يعتقدون بأن من يحتاج إلى أن يقسم يمين لإثبات صدقيته غير جدير بأن يكون واحد منهم, كما أنهم لا يذكرون كلمة الله على لسانهم, وعندما يأتي ذكر الله في حديثهم يكتفون بأن يصفوه بصفات مختلفة متعارف عليها عندهم.

وفي مقطع آخر من المخطوطات يتحدث كاتبها عن وجود جماعتين ( بيتين ): بيت أبناء الصديق لتوحيد القدسية العليا وبيت الجماعة الذين يسيرون على طريق الحق.

وفي مقطع آخر :

يجب إقامة مجلس للجماعة مبني على الحق والصدق كشجرة أبدية, بيت مقدس لجماعة القدسية الرفيعة والمعرفة والحكمة, وبيت للحق والصدق والطهارة لتقوية العهد والإجتهاد على طريق الحق.

وفي مقاطع أخرى تتردد ثلاث تسميات مختلفة: الشعب والجماعة وأبناء الصديق. مما يوحي بأن تنظيم المجتمع الإسيني الديني كان مكون على الأقل من مجموعتين أوثلاث. المجموعة الأولى هي مجموعة العلماء ( أبناء الصديق ), والثانية هي مجموعة الملتزمين بالعهد أو الميثاق ( الجماعة ), ومن المحتمل بأن الثالثة هي عامة الناس ( الشعب ).

وبناء على قرار أبناء الصديق الذين يتحملون مسؤولية الحفاظ على العهد, وبناء على قرار الأكثرية من الجماعة الذين يتمسكون بطريق الإستقامة والنزاهة. بناء على قرارهم وحكمهم يتم البت في أمور الملكية والقضاء.

هنا لم يرد ذكر الفريق الثالث (الشعب) مما يدل على أن موضوع البت في أمور الملكية والقضاء كانت من خصوصيات "العلماء" و"الجماعة" دون مشاركة العامة.

وفي مقطع آخرمكتوب بالعبرية يتكلم الكاتب عن ثلاث مجموعات:هاعام( العامة)  واللاويون ( المرشدون) وأبناء الصديق. ويصفهم بالشكل التالي:

العامة الذين يسيرون على طريق التردد ويطلبون الشفاء, واللاويون الذين يسيرون معهم ويرشدونهم, وأبناء الصديق  الذين هم خيرة الجماعة بدعوة من هاشم (الإسم), سيقفون بحزم مرفوعي الرؤوس حتى نهاية الأيام.

في هذا المقطع يتكلم الكاتب عن هاعام (عامة الناس ) الذين يسيرون على طريق التردد, مما يوحي بأن المقصود هنا هو الناس الذين لم يلتزموا بميثاق الجماعة وما زالوا مترددين ولكنهم يسيرون على طريقها. والكاتب يلمح كذلك إلى اللاويين الذين يسيرون معهم ويرشدونهم. واللاويون معروفون من مصادر تاريخية أخرى بأنهم كانوا يتجولون في المدن والقرى ويعظون الناس وينشدون القصائد الدينية. وأشهر مجموعة منهم كانت تدعى هامرعيريم ( المرعيين) الذين كانوا يعيشون في منطقة الجليل. واخيراً يتطرق الكاتب إلى أبناء الصديق الذين تلقوا صوت أو دعوة هاشم (الإسم, الرب).

إن كلمة هاشم  معناها الإسم والمقصود بها هو اسم الله . وهذه التسمية لله "هاشم" كانت تستخدم من قبل ثلاث جماعات عرفت بمعارضتها القوية للفارسيين والصدوقيين الذين كانوا يسيطرون على الحياة السياسية والدينية في أورشليم. وبالرغم من التباين الواسع بين هذه الجماعات أطلق عليهم تسمية مشتركة " هاشميم " ( الاسميين, أو الهاشميين) لأن لفظ كلمة الله كان غير محبذ في تقاليدهم الدينية  , وأكبر هذه الجماعات كانت جماعة القرائين Karaites , والثانية البوثيين أو البثينيين أتباع Butheius, والثالثة الإسيين Essene الذين اختاروا السرية المطلقة في مذهبهم, وتبنوا مبدأ إنتقال الروح,  ومارسوا حياة التنسك والرهبنة على خلاف المجموعات الأخرى.

ويقول المؤرخ  فلافيوس يوسفوس: أن جماعة الإسيين تختلف عن الآخرين حيث أنهم لا يقسمون يميناً, ولا يحبذون من يقسم يميناً, لأن في نظرهم الإنسان الصادق لا يحتاج لأن يقسم يمين, والمفروض أن يكون كلامه وفعله وتفكيره صادقاً, أما إذا اجتمع ضده إثنان من أفراد الجماعة ونقضا أقواله فيطلب منه أن يختار بين أن يقسم اليمين أو أن يتراجع عن قوله.  كماأنهم انتحلوا بعض العادات الغريبة التي كان يمارسها أتباع فيثاغورس في طريقة عيشهم.

 وهنا استعرض ما قاله  أيامبليس، كاتب سيرة حياة فيثاغورس للمقارنة: "إن فيثاغورس أنشأ درجات مختلفة بين أتباعه، طبقاً لمواهبهم ، وهكذا فإن الأسرار الرفيعة لحكمته أفصح عنها فقط لأولئك القادرين على تلقيها. حتى أن طرق الحياة لم تكن الطرق ذاتها لجميع أتباعه، لقد أمر بعضهم بجعل ملكية كل ما يقتنون بشكل مشترك، غير أنه كان هناك حلقة خارجية من أولئك الذين أبقوا على ممتلكاتهم الخاصة. وكان هناك شكلان من أشكال الفلسفة الفيثاغورثية، تتطابق مع الطبقتين اللتين شكلتا من الذين يشتركون فيهما. تشكلت الطبقة الأولى من أولئك الذين تضلعوا وكانوا الأكثر تدريباً في حكمته، وتشكلت الطبقة الثانية من الذين سمعوا ملخصاً عن الأشياء المدركة بالحواس والموجودة في فلسفته  بدون شرح كامل لها".

 وبعد المقارنة مع قوانين الجماعة الإسينية نرى بأن الشبه كبير بين النظام الإسيني والفيثاغورثي مما يبعث على القناعة بأن الإسيين كانوا إحدى تلك الفئات التي جاء ذكرهم في العهد القديم واتهموا بالكفر والهرطقة بسبب تبنيهم عادات الكفار      "Hakittim"  الهيلينيين , وهنا يجدر بالذكر أن فيثاغورث أسس مدرسته في كراتون عام 560 قبل الميلاد , قبل الإسيين بأربع مائة عام.

إن الهدف هنا ليس البحث عن جذور الطوائف أو الشعوب, وإنما هو إلقاء الضوء على نهج فكري وديني وإجتماعي تجاهله التاريخ فقط لأنه كان نهج حق, ولأنه تعارض وتناقض مع آراء وأفكار من كتبوا هذا التاريخ.  وبما أن هذا النهج المنسي يتشابه إلى حد كبير مع النهج التوحيدي الدرزي بالرغم من الفاصل الزمني الطويل بينهما , وجدت من الضروري فتح الباب وإلقاء الضوء على زاوية  أعتقد بأنها جديرة بلفت الإنتباه إليها, والبحث فيها, من قبل أبنائنا بعد كل هذا الضياع والإحساس بالغربة في مدارس وكتب التاريخ التي تجاهلت تاريخنا الفاطمي الإسلامي وما قبل الإسلامي, ودأبت على ذم المعتز بدين الله والحاكم بأمرالله, وإجبرت أبناءنا على التغني بأمجاد أبوالنواس ويزيد والوليد والرشيد.

وما هذا الضياع الإجتماعي الذي يعانيه شبابنا اليوم, ويتفاقم عام بعد عام, إلا نتيجة للضياع الروحي الذي يعانيه مجتمعنا ككل.  وهذا يرجع إلى  فقدان القواعد والجذور التاريخية التي يمكنه العودة إليها وإرساء هويته الإجتماعية والروحية عليها. وأحد الأسباب الهامة والرئيسية في هذا التبعثر والضياع هوتأصل و تفاقم الجهل لواقع العصر ومستلزماته, بين من يفترض بأن يكونوا أهل العقل ورأس هذا المجتمع, وانتشار العلم والمعرفة بين من يطلق عليهم اهل الجهل, فأصبح الرأس في عالم والجسد في عالم آخر, وانعكست الصورة ,فغرق العقال في بحر الجهل, والجهال في بحر العلم .  وبما أن الجهل لا يملك المعرفة والحجة لإقناع وإستقطاب أهل العلم, وأهل العلم لا يستطيعون الوصول إلى ما يفترض بأن يكون دينهم وشريعتهم لأن الجهل قد سيطر عليها واحتكرها. إذاً ضاعت الحكمة, بين عاقل جاهل, وعارف ضالل.  وهنا صدق فينا المثل العامي القائل:" مثلهم مثل القرد القاعد في معلف الفرس , لا يستطيع أن يأكل مما في المعلف, ولا يسمح للفرس بأن تأكل".

واخيراً أريد أن أنوه إلى أنه بعد نشر الجزء الأول من القانون ( قانون البعدة ) قرأت بعض التعليقات الغير موضوعية ,  والتي تحاول تسييس المقال وربطه بالوضع السياسي القائم حالياً في منطقة الشرق الأوسط , بالرغم من الفاصل الزمني الذي يزيد على ألفي عام بينهما.  وهنا أريد أن أؤكد للقارئ الكريم بأن الموضوع هو تاريخي بحت ويتناول مذهب فلسفي ديني توحيدي يتشابه إلى حد كبير مع مذهب التوحيد الذي يرتكز عليه مجتمعنا الصغير,  ولاعلاقة له نهائياً بالقومية العربية أو أي قومية أخرى, فمخطوطات البحر الميت كتبت قبل ظهور المسيحية بأكثر من مئة عام, وقبل ظهور الإسلام بأكثر من سبعمئة عام, وقبل انتشار اللغة والقومية العربية بأكثر من ثمانمئة عام, ولم يكن موجود في بلاد الشام آنذاك إلا مذهبين, المذهب الوثني الذي انتهى والمذهب التوحيدي التوراتي الذي انبثقت عنه فيما بعد المسيحية ومن بعدها الإسلام , وأذكر القارئ الكريم بأن لغة بلاد الشام الرسمية آنذاك كانت اليونانية واللغة العامية الأوسع إنتشاراً كانت الآرامية , واللغة العربية كانت مازالت في رحم أمها النبطية. فأرجو ممن يريدون الصيد في الماء العكر بأن يتحلوا بالموضوعية ويحتفظوا بآرائهم السياسية للمواضيع والنقاشات السياسية. أما بالنسبة للإعتراضات الصادرة عن مصادر دينية فأريد أن أقول لهم بأن هذه المقالات قد نشرتها قبل أربع سنوات في مجلة الضحا الصادرة عن مشيخة عقل الطائفة الدرزية وسببت كذلك بلبلة في بعض الأوساط الدينية, وأريد بأن أؤكد بأن كل ما ورد في هذه المقالات معروض في متحف الآثار في القدس الغربية . فإذا كان هناك أي تحفظ على نشر هذه المعلومات , عليهم الإعتراض قبل كل شيئ على نشرها وعرضها في المتحف الذي لا يبعد عنهم إلا بضعة أميال فقط.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات