بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
بيت جدك حارة نسيها الزمن...
  28/04/2006

 

بيت جدك حارة نسيها الزمن...

د. رأفت زهوة

لم تخطر ببالك فكرة زيارة بيت جدك العتيق منذ زمن, أليس كذلك؟

أو تهمس في أذنيك الفكرة من حين لأخر, خاصة عندما تنادي البطون لطبخة جدتك التراثية العتيقة. فجدتك على الأغلب لم تقرأ عن الطب البديل ولم تتصفح كتب مريم نور ابنة جيلها ولم تسمع طول فترة مراهقتها بشيء يدعى "النباتيون". ولن تجيد تلبية طلبك الغريب "صينية البيتسا هات".

أما جدك الذي تفاجىء بزيارتك هذه لن يقوى على الترحيب بحضرتك بعد طول غياب باللحم المشوي, هذا في كفة, و"اللفلحة" في كفة أخرى... فهو يعاني من ألم المفاصل وفقرات ظهره تحتاج الى "تشحيم" مستمر...

هذا البيت المخضرم لا يتوقع منك الكثير فأنت مشغول في متاهات الحياة, راكض وراء الكماليات, منزعج دائماً من فكرة الاعتناء بالآخرين المحتاجين, أليس هذا هو الواقع؟!!

بنك صحة صاحب ال 75 ربيعاً معلن إفلاسه منذ زمن. بدأ يجد صعوبة في انجاز ما هو سهل بالنسبة لك انت الشاب. خلايا جسمه بدأت رحلة النهاية...

جسم جدك الهرم كجسمك أنت وكجسم أي مخلوق حي, يعمل بقوانين بسيطة التعقيد تدعى "إرادة الزمن" مسجل حضرتك في ملفاتها منذ نعومة أظافرك شئت أم أبيت. فلن تنفعك "الواسطة والمحسوبيات" ولا حتى "نادي الأصدقاء الرياضي" ولا "الشيف رمزي" ولا "ماجي فرح" ولا "منجم الأل بي سي", كل ضمن اختصاصه...

إذا أردت الخلود تفضل وسر بسرعة الضوء وحقق "فرضية النسبية" لأينشتاين (الطالب الكسول على مقعد الدراسة), وللملاحظة هذه هي اللعبة الوحيدة في العالم التي تستمر فيها عبارة "game over" في الظهور على شاشتك مراراً وتكراراً...

أنت وأنا وكل من يدور معنا على هذا الكوكب الثالث في المجموعة الشمسية والدة ال 9 كواكب ابنة مجرة درب التبانة, وملايين المجرات الأخرى والعوالم الغريبة اذا وجدت, نخضع علمياً وروحياً لنظرية "الأنفجار / الانفلاق الكبير" والتي تطرق اليها الشيخ المحترم فوزات غانم في محاضرته القيمة في بيت الشعب. هذه النظرية التي تقول بأن كل شيء انطلق من نقطة الصفر, تطور وكبر, ليتوقف بعدها عن النمو ويبدأ مشوار العودة الى الأصل: الى نقطة الصفر.

في موضوعنا نحن نرى أن خلايا جسمنا بدأت بالتطور من خلية واحدة شارك في بنائها الوالد والوالدة, جزاهم الله خيراً اذا قصدوا...

نمت هذه الخلية وتطورت لمليارات الخلايا خلال 9 أشهر, لتصرخ بعدها حضرتك صرختك الأولى "صرخة الحياة".

وها أنت الآن تنظر لمستقبلك في أعين جدك الهرم وتتساءل عن سخرية هذه الحياة, فأنت على دراية ومعرفة بأن دورك آت لا محالة, وربما بعد غيابك بأيام سوف تتوجه النوايا لورقة صغيرة تركتها هنا أو هناك, وسوف يلحق بك بيتك العتيق فلا مكان لكما في هذا الصخب الحاد...

ما يعنيني أنا في مجال طب الأسنان ضمن نظرية التطور تلك الإشارة الى حقيقة غريبة نسبياً تتعلق بأسنان جدك المسكين, فأليك:

الأسنان كعضو متكامل استطاعت الاحتيال على الزمن!!! لماذا؟

لأن هذا السن يتكون من 96% معدن, وبالتالي يصعب على نظرية الموت التلاعب بمركباته الغير عضوية (الأملاح المعدنية). لذلك قد تلاحظ إذا أمعنت النظر لأسنان الجد أو الجدة المتبقية أنها قوية جداً وصامدة بعكس النسج من حولها (اللثة والعظم) التي تراجعت وهرمت بسرعة وعجزت عن حماية هذا السن, فأصبح وحيداً دون أي دعم يذكر, كموقف 250 مليون في 58 سنة مضت...

وربما سمعت أنه في حالات الكوارث البشرية الكبيرة وفي الحالات التي يصعب التعرف فيها على هوية الضحية, يلجأ الخبراء للأسنان, فهي تزداد متانة وقساوة مع مرور الزمن, لتفوز على "ذاكرتك" التي تستلم في نهاية المطاف وتنحني للعبة الزمن.

ربما كان بمقدورك أنت "حديث الصنع" مساعدة "ابن الجهل" جدك الهرم, فيما يتعلق بصحة فمه وأسنانه قبل فوات الأوان. فجهاز مناعته متقاعد وجيبه خارجة من "شنتانه" القديم.

ومن قال أن "التركيبة" هي صديق هؤلاء المساكين منذ عقود!!. هذا ليس بكلام سليم أبداً بل وإنها لحقيقة مغلوطة تماماً سببها انشغال هذا البيت المتواضع بمتاعب الحياة والركض وراء لقمة العيش وأساسيات الحياة.

أما أنت "عماد الرفاهية" ابن الاستقرار تدرك أهمية الصحة طبعاً ومنها الفموية وعلى دراية بأسرارها وخباياها, ألا وهي فرشاة ومعجون الأسنان.

فتفضل يا سيدي بزيارة لطابقك العلوي, قبل زيارة بيت جدك المنسي في الطابق الأرضي. وحاول مساعدة أصحاب ألاف ساعات العمل والشقاء, أصحاب الأيدي المتجعدة. على الأقل جاهلة عن جهل ليست مثلنا جاهلة عن معرفة.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات