بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
لماذا سقط العرب ونهض الغرب؟!
  02/05/2006

لماذا سقط العرب ونهض الغرب؟!

بقلم: وهيب أيوب

منذ انطلاق الدعوة الإسلامية في القرن السابع الميلادي، أعطي بدوي الصحراء ديناً جديداً وأُخذت منه حريته، أو صُودرت بفعل الولاية والوصاية ابتداءَ من أول الخلفاء الراشدين (أبو بكر الصدّيق) واجتماع سَقيفة بني ساعدة، وصولاً لخلافة بني أُميّة التي اعتمدت الوراثة، وأولهم معاوية ابن أبي سفيان، تلاهم بنو العباس، واستمر مسلسل التوريث منذ تلك القرون حتى اليوم، حيثُ النظام الملكي بالوراثة وكذلك الجمهوري، فلا فرق إلاّ بالتسمية والمُسمى!.

مذّاك الحين، لم يُحسم أي صراع على السلطة والدِين إلاّ بحدِ السيف وأسنّة الرماح، بِدءاً بمعركة الجمل، مروراً بصفيّن وكربلاء، وليس انتهاءً بالزاب عام 750م، حيث تم الإطاحة بالأمويين على أيدي إخوانهم العباسيين توّجها هؤلاء بمذبحة مروِّعة بأمراء بني أُمية، والذي قام بتحليلها وإفتائها الشيخ "الأوزاعي"، الذي كان سابقاً يفتي ويبرر أفعال ومظالم بني أُمية في الرعية حينذاك! ولم ينجُ منها سوى "صقر قريش" عبد الرحمن الداخل، والمعروف من خلال الدولة الأموية التي أسّسها في الأندلس. وكان العرب احتلوها عام 711م بقيادة طارق بن زياد كما هو معروف.
ومنذ أكثر من عشرة قرون حتى اليوم، لم يتغير شيء يُذكر! فالملوك والرؤساء يستبدون ويقتلون والمفتون يفتون. إضافة أنه منذ بِدء الصراع الأول على الخلافة الذي حُسِم "سياسياً" باجتماع "السَقيفة" بتولّي أبي بكرٍ الخلافة، بدأ بعدها مسلسل الاغتيال والقتل. فالخليفة الثاني عمر ابن الخطّاب، أُردي قتيلاً بطعنة خنجر عام 644م، تلاه عثمان ابن عفّان الذي مُزِّق بالسيوف إرباً وهو يحتضن القرآن عام 656 م، ثم آخر الخلفاء الراشدين علي ابن أبي طالب الذي أرداه ابن مُلجم بضربة سيفٍ على قمة رأسه عام 661 م. واستمر المسلسل والقائمة تطول.
فـ من لم يمت بالسيفِ مات بغيرهِ تعددتِ الأسبابُ والموتُ واحدُ
ومن لم يُقتل بسيف خصومه ومناوئيه، قُتِل بسيف الغزاة، كما حصل لآخر خلفاء بني العبّاس المُستعصم، على أيدي المغول، الذين أسقطوا رأسه والخلافة برُمّتها عام 1258م، واستباحوا مدينة السلام بغداد عاصمة الخلافة، فقتلوا أهلها ودمّروها، ورموا بمكتباتها الزاخرة في نهر دجلة فابتلعها في لحظات. وربما يعيد اليوم التاريخ نفسه بسقوط صدّام حسين وتدمير بغداد، ولكن هذه المرة على أيدي المغول الجُدد الأنجلو ساكسون، المُتحضّرين القادمين من خلف البحار من بريطانيا وبلاد العم سام، بقيادة الهولاكي الجديد السيّد جورج بوش المحترم.

وفي اعتقادي، لم يكُ تفكك وسقوط الإمبراطورية العربية الإسلامية بسبب قِلّة المال والسلاح والرجال، إنما بسبب الاستبداد والقهر والظلم ولإقصاء الذي مورس عبر القرون في حق الناس والمفكرين والعلماء والفلاسفة والشعراء، ابتداءً من الاحتجاجين "الخوارج"، مروراً بحركة المتكلمين القدريّين "المعتزلة" ومؤسسها واصل ابن عطاء في القرن الثامن وليس انتهاءً بالقرامطة وأخوان الصفا وسائر الفرق الباطنية والحركات الاحتجاجية في الإسلام كالشيعة والإسماعيلية وغيرهم، والذين اتهموا جميعاً بالمروق والكُفر والزندقة، جرّاء إصرار وتمسّك أهل السُنة بالنص والحرف والتفسير، مُغلقين الباب في وجه كل اجتهادٍ أو تطوير، ما مزّق الأمة شر تمزيق.
وقد تصدى هؤلاء لكل حركة تغيير وتطوير حاول القيام بها علماء وفلاسفة أفذاذ، أمثال الكندي، الفارابي، الخوارزمي، الرازي، جابر ابن حيّان، ابن المُقفّع، المعرّي، ابن خلدون، ابن رشد وكثيرين غيرهم ممَّن لا يذكرهم "العلماء المسلمون" اليوم بكلِمة خيرٍ واحدة، فقد اعتُبروا زنادقة وملاحِدة مارقين؛ وهم الذين استعان الغرب بعلومهم وفلسفاتهم في مرحلة النهوض الأوروبي.
وكان الفضل بازدهار العلم والفلسفة بشكلٍ أساسيّ للخليفة "المعتزلي" العباسي، المأمون، الذي رأى بهذه الحركة فكراً فلسفياً ومنطقاً برهانياً لا يُقاوم، فكان هؤلاء يتناقشون فيما بينهم ويجادلون مَن خالفهم بالمنطق والحجة والبرهان العقلي كل أمور دينهم ودنياهم دونما إحراج، فكثُرت المؤلفات والترجمات الفلسفية اليونانية والهندية والفارسية على اختلافها. وكان المأمون يمنح المؤلف والمترجم بقدر وزن كتابه ذهباً، ولم يستمر هذا الوضع إلاّ زُهاء قرنٍ من الزمان، استطاع بعدها المتزمتون الأصوليون من قلب ظهر المجّن، فقتلوا ولاحقوا وشّردوا كل من عمل بالعلوم والفلسفة. ويقول بعض المفكرين العرب اليوم، إن الأمة لم تُنجب فيلسوفاً واحداً منذ ابن رشد حتى اليوم، أي منذ القرن الثاني عشر الميلادي، هذا الفيلسوف العظيم الذي أخذ عنه الغرب فلسفته وترجماته للفلسفة اليونانية وبخاصة أرسطو، قام ما يسمَّون حينها فقهاء المسلمين بجمع كتبه في ساحة قرطُبة بالأندلس وحرقها ثم نفيه خارج البلاد، والعامة الغوغاء تصيح الله أكبر، مؤيدة بجهلها، فقهاء الجهل.
ويقول تقرير صدر قبل سنوات، إن العرب قاموا بترجمة أحد عشر ألف كتاب منذ عصر المأمون حتى اليوم، في الوقت الذي تقوم فيه أسبانيا وحدها بترجمة نفس العدد من الكتب خلال عام واحد. وتقوم اليابان بترجمة كل كتاب علمي يصدر حديثاً في التو واللحظة إلى اللغة اليابانية مُستخدِمةً دار نشر خاصة لتلك المهمة. فهل تتعجبون بعد اليوم بما تفعله اليابان!!.
وعودة إلى بداية نهاية العصور الوسطى، حتى نتبيّن بشكلٍ واضح أسباب سقوط العرب وتخلفهم ، ونهوض الأوربيين. ففي الوقت الذي انتهى الحكّام والفقهاء العرب المسلمون من جزِّ رقاب العلماء والفلاسفة والشعراء والأدباء العرب، ليس بِدءاً بابن المُقفع وبشار بن برد والحلاّج والرازي وابن سينا وغيرهم، ولا انتهاءً بالكنديِّ وجابر ابن حيّان والفارابي والسهروردي وسواهم. وانتصرت الأصولية الرجعية الحاقدة، مُمَثلة بالأوزاعي وابن تيمية وابن حنبل والغزالي والشافعي ومالك ابن أنس وأبي حنيفة وسواهم على الفكر والعلم والفلسفة والتنوير بقيادة من ذكرتهم آنفاً، وقضوا على آمال هذه الأمة في النهوض والتطور إلى حين غير معلوم.
في ذاك المنعطف التاريخي الحاد والهام، كان مُفكرو وفنانو وشعراء وفلاسفة أوروبا يسجِّلون الانتصار تلو الانتصار على الكنيسة والبابا والكهنة، والتزمّت الديني والمذهبي، بحيث كانت ترتكب المذابح بين الكاثوليك والبروتستانت بالآلاف وبالجملة، وبمباركة الملك والبابا نفسه، بعد أن كانوا يبيعون الناس صكوك الغفران الشهيرة! جرى هذا التغيير والانتصار خلال قرون من الكفاح والنضال المستميت، ولكن بأثمان باهظة، أُهرِقَت أنهرٌ من الدماء خلالها، ذهب ضحيتها آلاف المفكرين والعلماء والفلاسفة بتُهم الزندقة والتجذيف والإلحاد، ناهيك عن ملايين الناس الأبرياء. ولكن في النهاية تحقق الانتصار للفكر التنويري الديني والعلماني، أمثال توما الإكويني، مارتن لوثر، دا فنتشي، كوبرنيكوس، جاليليو، إسحق نيوتن، جون لوك، فرانسيس بيكون، كنت، سبينوزا، فولتير، روسو، ديدرو، منتسكيو وغيرهم كُثر، وأخذت أوروبا تنجب المفكرين والعلماء والفلاسفة والفنانين دون عدٍ ولا إحصاء.
وقامت الثورات بمعظم أنحاء أوروبا، كالثورة البريطانية عام 1688م والثورة الفرنسية عام 1789م، وتلاحقت الثورات واشتعلت بأنحاء أوروبا وانتشرت كالنار بالهشيم.
فتم فصل الدين عن الدولة وترسّخت فكرة المواطنة والدولة على أُسسٍ حديثة تُحترم فيها حقوق الإنسان وحريته بصرف النظر عن دينه ومذهبه وعرقه ولونه.
كل هذا، وما زال فقهاء المسلمين ومفتتوها حتى اليوم يصفون هذا الغرب بالكافر! في الوقت الذي يسعى المواطنون العرب ويتهافتون على الحصول على واحدة من الجنسيات الأمريكية أو الأوروبية، فارين من الفقر والظلم والاستبداد الحائق بهم في أوطانهم. ويموت غرقاً سنوياً آلاف الأفارقة العرب والمسلمون جرّاء تكدسهم في قوارب تحملهم باتجاه أوروبا وأسبانيا على وجه الخصوص، (التي كانت مربط خيلنا حتى العام 1492م، يوم سقوط غرناطة). فهل هناك من تناقض ومأساة ومرارة أكثر من هذا؟
والمأساة الأكبر، أن مُفكري العرب في العصر الحديث، من أدباء وسياسيين وفنانين، من علي عبد الرازق إلى طه حسين، لنجيب محفوظ، وفرج فوده، ونصر حامد أبو زيد، إلى صادق جلال العظم، والسيّد ألقمني، ونوال السعداوي، وليلى العثمان، ثم من أنطون سعادة، إلى فرج الله الحلو، إلى كمال جنبلاط، وموسى الصدر، وحسين مروّة، ومهدي عامل، ورياض الترك وعارف دليلة وإلى آخر القائمة التي تعرفون، جميع هؤلاء قُتلوا أو لوحقوا أو نُفوا وسجنوا وعُوقِبوا بذات الطريقة ولنفس الأسباب القادمة من العصور الوسطى وما قبلها.
وها هو بن لادن والزرقاوي ومن على شاكلتهم من الحركات الأصولية الظلامية يفتتحون عصراً جديداً، والدهماء والغوغاء من القوم تصيح الله أكبر والعزة للإسلام!!.

26\04\2006
وهيب أيوب

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات