بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
الطفلة
  20/12/2011

الطفلة

موقع الجولان/ داوود الجولاني

أمها في البداية أوصت معلمة الصف الأول أن لا تحدث أحدا بأمر طفلتها الصغيرة، ولكن بعد أن شاورت منجمة فرحت ونذرت نذرا، وفته بأن مشت حافية القدمين بثياب رثة تحت مطر، أبان تقاطيع جسدها بعد أن إلتصق الثوب على الجسد من كثرة الماء المنهمر..
المعلمة كانت قد قالت : طفلتك تتحدث بلغات عديدة كأنها تقمصت تاريخ العالم، وقبل يومين في باحة المدرسة ضربها طالب يفوقها سنا ، وبالصدفة كنت مناوبة فشاهدتها.... تركض نحو شجرة السرو، تحش وردة ثم تعود وهي تبتسم وتقدمها للطالب... أتعرفين ما فعل الطالب ؟ ركض نحوي وقال: الطفلة أوجعتني..... فردت الأم دون إندهاش، بل المعلمة هي التي فاق الفرح الدهشة في عينيها، عندما سمعت الأم تقول.. " صار أنه ذات يوم كانت ابنتي تداعب بكفيها زغلولا خرج من بيضة فانقض عليه قط والتهمه فما كان منها إلا أن رمت للقط بقطعة لحم، فأحجم عن أكلها وفر ..".
النذر كان مكانه كما قالت المنجمة في غابة قريبة، تحت شجرة سرو في يوم شتوي. وفي ذاك اليوم ، توقف المطر .
ولم ينطفئ ضوء الشمعه التي أوصت المنجمة بإشعالها. الطفلة التي رافقت أمها وفقا لتعاليم النذر قالت :
هنا في هذا المكان مات شاب، أحبني وأحببته قبل ألاف السنين، اسمه ناي ونوى ، نفاه ملك جبار تزوجني منتحرة في سرير بغيض... الشاب يا أمي سوري قديم، كان يعزف على ناي من قصب ..نحت نوتات موسيقية على ألواح من حجر ...... ثم أكملت الصغيرة وهي تمسح دما نز من عيني الأم:
أنا أتكلم رغم طفولتي العربية والكردية والسريانية والارامية والشركسية واليونانية والفرنسية والانكليزية والتركية والفارسية والروسية ولهجتي في نطق اللغات متعددة ، فالجبال والوديان والسهول وشطئان البحار كلها لهجتي فلماذا تخافين علي؟... أنا يا أم طفلة كونية...
الأم وقد أضناها البرد وأسقع جسدها ، بحثت عن دفء، فأشعلت موقدة للنار ولفت طفلتها المعجزة بين قميصها وثديها.
الطفلة قالت : أحب المشي في الدروب .... ومن فرط النعاس في عيون الأم اندست الطفلة من رموشها وراحت تتمشى مثل طير بري فوق حشيش الدرب المرصوف بحجارة سوداء قديمة، وتتمايل مع حشائش ونباتات يحركها الريح.. حتى وصلت إلى مرتع حجري علوه يعلو غصون أشجار السرو. ولكنه لا يلاصق جناحي الصقر الذي يحلق فوق الأرض وتحت السماء.
الطفلة رغبت أن تلعب لعبة الصقر فقررت أن تطير ولكن ذكاءها أسعف لهفتها ، فحدقت في كائنات البرية وأختارت أن تكون غزالة ، فقليلا من الأرض وقليلا من السماء يكفيها.
الأم لما فاقت من نعاسها بحثت عن طفلتها بأن شمت وقع أقدامها الصغيرة فوق العشب البازغ مثل نور الفجر وشاهدت:
في الوسط طفلة محلقة مثل النور لا هي في السماء ولا هي على الأرض، ومن شمالها فيلة ومن جنوبها نمور ومن غربها دببة ومن شرقها أسود ،..
الأم نادت طفلتها قائلة: إما أن تصعدي للسماء أو أن تمكثي في الأرض بين القبور.. لكن الطفلة إختارت عزف الناي لشاب فقير ...
ومن وقتها معلمة الصف الأول تسجل للطفلة حضورها اليومي في الحياة

داوود الجولاني

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات