بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
.... 03 -15... يوم مولدي
  12/03/2012

.... 03 -15... يوم مولدي

موقع الجولان/داوود الجولاني

أن تمكث لمدة سنة كاملة في مدينة يريفان عاصمة أرمينيا، يعني أن تأكل جيدا الكثير من الفواكه والخضار واللحوم وأن تشعر بعطف المعلمين والمعلمات وسواهم لمجرد كونك سوريا ومغتربا ، خاصة إن كنت من مدينة حلب، وأيضا سترى في الوجوه الطيبة والبسيطة كثيرا من الحزن على ما إقترفه الأتراك في حق الأرمن من تقتيل وتشريد، وأما أن تذهب لبحيرة سيفان الباردة فعليك أن تتأزر بمشروب حار وبرفقة حلوة.يريفان تحتاج لمقدمات طويلة، فهي المدينة التي سألتني لأول مرة عن تاريخ ميلادي.. .... وقبل أن أجيب المعلمة التي دعتنا إلى منزلها وحضرت لنا طبخة مجدرة وفطائر اللحم المطحون وزجاجة من لبن مخلوط بالماء، تفوح منه رائحة ثوم خفيفة.. " بلغتهم الارمنية اسمه الشنينة". قلت لها بلغة روسية تعبة وصعبة : "أنا من الجولان العربي السوري المحتل ، ويوم مولدي يسبق بأشهر قليلة يوم حرب 1967 ".وحسبت أن هذا يكفي... لكنها أرادت اليوم والشهر بالذات.حرت حتى تذكرت الفتاة التي أحببتها بشغف المراهق، في المدرسة الثانوية الواقعة في قرية مسعدة، والتي تقبع ليس بعيدا عن مقر الحاكم العسكري....

" الحاكم العسكري فل " غادر طوعا" عام 1982 وحلت مكانه الشرطة الأسرائيلية التي مازالت في مكانها حتى الان لم يزحزحها الزمن ولا أي جيش كان " . فأجبتها متلعثما : انا ولدت يوم 15 03 1966.وهكذا كذبت..... ومن وقتها إقترن يوم مولدي بمولد الفتاة التي أحببتها لمدة اربع سنين دون أن اجرؤ أن أبوح لهاربما لجبني وربما لأني خشيت أن ترفض حبي .. أو ربما لأني لم أتعرف عليها كفاية لأقول " أنا لا أحبك وحسب وإنما أعشقك" . الفتاة التي أحبها لم تعرني يوما إنتباها .. هي حتى لم تكن تلاحظ وجودي،

وهكذا مرت سنون منذ عام 1987 وانا أحمل في ذاكرتي تاريخ ميلادي بينما بطاقتي الشخصية تحمل رقم الصفروكأن لا ميلاد لي...حتى جاء عام 2011....في ربيع مغاير .. بدلا من الورد، يرشح منه الدم ...

كدت أنسى أن أقول: في مدينة يريفان تعرفت على خليط من الشبان والشابات ، من العرب ومن قوميات كثر مثل الكرد أو غيرهم من الذين أتوامن كل الدول الشقيقة والصديقة ، الكرد مثلا يعرفون تاريخ ميلادهم وساعة انبثاقهم من ساقين للحياة، ولكن لا بطاقة هوية لهم، ولا وطن واضح سوى دولة في الخيال . واليمنيون يحملون الخنجر بين طيات ثيابهم ويحلمون بأكثر من نساء أربع، وسكان المغرب العربي يجيدون اللغة الفرنسية ويتوقون لتعلم العربية. والعراقيون ميسورو الحال ، لكن القلق وذكريات السجون، تسكن رأسهم، واللبنانيون يخشون السوري والمسيحي والسني والشيعي والدرزي لكنهم يحبون الأغاني والرقص والتبولة والمقاومة..

أما- نحن الجولانيون - فنتقن البذخ، ونكره المشي في الشوارع الممتلئة بالعازفين والرسامين وببائعات الزهور ونحبذ السفر بالتكسيات، ونستشيط غضبا إذا قابلنا عربيا أو أعجميا لا يعلم أننا أضربنا عام 1982 ورفضنا الجنسية الإسرائيلية ، أما الفلسطيني فكانت لديه القدرة الفائقة لإقناعنا أنه وحده في العالم العربي.... هو الضحية.بإختصار، كنا طلبة نبحث عن أجوبة لأسئلة لم نصيغها بشكل صحيح، ولذا لم نجد الجواب يوما....

حتى جاء يوم كنت فيه غارقا في سبات عميق، بعد غداء دسم ، أفقت على صوت التلفاز في ساعة ما بعد الظهر.الخبر قال:" مظاهرات في مدينة درعا.. .." وهنا تذكرت السوريين، فالسوري كان إما كاتبا للتقارير أو خائفا من تقرير يًكتب عنه" ... ثم تلاحقت الأيام في ربيع وصيف ، يرشح الدم فيها فوق العشب، وييمتزج بماء البحيرات، ويتعربش غصوت الخريف ويثلج في الشتاء ويزهرفي الربيع . ومنذ ذلك اليوم أدركت أني ولدت يوم أحببت زميلتي في المدرسة ، وأن هناك من يصيغ عني الأسئلة وفقط علي أن لا أخاف و أجاوب الجواب الصحيح.
 

                   طباعة المقال                   
التعقيبات