بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
صراخ مشروع من أجل الحياة..(عام على الثورة السورية)
  19/03/2012


صراخ مشروع من أجل الحياة..(عام على الثورة السورية)

نسخة مترجمة

ايمن ايوب


في الخامس عشر من آذار/مارس 2011، وفي مدينة درعا التي صعدت إلى الشهرة من رحم المأساة، قامت مجموعة من الأطفال أثناء عودتهم من مدارسهم بكتابة أول الشعارات المنادية بالديمقراطية والداعية لإسقاط النظام الغاشم في سوريا. ولم يعدو ذلك كونه فعلاً رمزياً وحضارياً من قبل مواطنين في مقتبل العمر، كرجع لصدى الثورات التي بهرت العالم في كل من مصر وتونس. إلا أن قوى الأمن السوري ردت على ذلك مباشرة وبالطريقة الوحيدة التي اعتادت عليها في ظل نظام قائم على الظلم والاضطهاد، حيث اعتقلت أولئك الأطفال وأنزلت بهم أقسى وسائل التعذيب البشعة. ولم يمض وقت طويل حتى فقدت جماهير الشعب السوري صبرها وخرجت للتعبير عن سخطها، وهي الجماهير التي كانت تعي ما يدور حولها في بلدان المنطقة، وتتأثر به، بعدما عانت من عقود طويلة من القمع الوحشي. وبدأ الشارع السوري بترديد الشعار الذي تميزت به ثورات الربيع العربي "الشعب يريد إسقاط النظام!!"، وخلال أيام قليلة امتدت المظاهرات المدوية إلى كافة أرجاء البلاد وعبر كافة مكونات النسيج الاجتماعي في سوريا.
وخلال الأسابيع والأشهر التالية، فقدت الأجهزة الأمنية للنظام السوري أعصابها، وبدأت باستخدام العنف الذي يصعب وصفه ضد المدنيين العزل في كافة أصقاع البلد على السواء. وبسرعة بدأ العالم بأسره يشاهد مصعوقاً مناظر القمع الوحشي واللاإنساني الذي طال الجميع، شيوخاً وشباباً، نساءً ورجلاً، دون أن يسلم من ذلك أطفالاً رضع أبرياء.
وكنتيجة مباشرة لاستخدام القوات العسكرية المدججة بكافة أنواع السلاح، والاستخدام الأعمى لوسائل العقاب الجماعي، بدأت الظروف الإنسانية بالتدهور بشكل خطير، حيث بلغت حد التجويع الممنهج والمعاناة التي تفوق كل تصور. في نفس الوقت وجد الآلاف أنفسهم دون سقف يلتاذون به وأجبروا على البحث عن ملاذ لهم في بلدان الجوار، بما فيها تركيا، والأردن ولبنان، وكذلك اضطرت أعداد كبيرة وغير محددة للنزوح إلى مناطق أخرى داخل سوريا.
وفي ظل هذه الظروف بالغة القسوة، تزايدت أعداد العسكريين المنشقين عن قوات النظام، وقاموا بتشكيل "الجيش السوري الحر" الذي لا يمتلك عناصره سوى السلاح الخفيف والفردي الذي يحاولون به مواجهة جيش النظام وتوفير ما لا يعدو كونه الحد الأدنى من حماية المدنيين من بطش النظام الحاكم.
في تلك الأثناء، بدأت قوى المعارضة، القديمة والناشئة، بتجميع قواها في محاولة لتنظيم وقيادة الاحتجاجات الشعبية، وطرح بديل للنظام القائم يتمتع بالمصداقية. وبعد العديد من المشاورات الصعبة والمتعثرة، تم تشكيل المجلس الوطني السوري، والذي لم يفلح في توحيد صفوف المجموعات والتنظيمات المعارضة المختلفة، الداخلية والخارجية، وجمعها تحت لواء منبر واحد. فعلى الرغم من المعاناة الكبيرة والتضحيات الجسيمة، ما زالت المعارضة السورية تفشل في محاولاتها لتوحيد صفوفها، مرسلة بذلك رسائل مضطربة للرأي العام السوري وللمجموعة الدولية برمتها على حد سواء. وإنه لمن دواعي الحزن أن لا نرى حتى هذه اللحظة سوى المزيد من الانقسامات والصراعات بين أطياف المعارضة، كرد وحيد وصارخ من قبلها على هذا الحجم الهائل من التضحيات التي يقدمها مجتمع برهن على شجاعته في وجه واحدة من أسوأ آلات القمع بصدوره عارية.
وعلى خلاف ردها الواضح والصريح في الحالة الليبية، إلا أن المجموعة الدولية ما زالت تخذل الشعب السوري من خلال فشلها في الاضطلاع بمسؤولياتها الإنسانية تجاهه. فعلى الرغم من التوافق الدولي الواسع، من حيث المبدأ، على ضرورة وضع حد لحمام الدم وإنقاذ الضحايا، إلا أن عجز مجلس الأمن عن اتخاذ أية قرارات تفضي إلى تنفيذ وفرض معالجات فعالة ومحددة، ما زال يشكل ما يبدو وكأنه عوائق مستحيلة أمام رد دولي مؤثر وفاعل. كما وأن الاستخدام المتكرر، والمتعنت والمخزي لحق النقض الفيتو من قبل روسيا والصين يجب ان يدفع بالمجتمع الدولي إلى إعادة النظر بترتيبات تخلو من العدالة وتحول دون إمكانية تطبيق عملية للقانون الدولي والمبادئ الأممية، حتى عندما يكون ذلك لمواجهة جرائم فاضحة وعلى هذا الحجم من السادية ضد الإنساسية يرتكبها النظام السوري بشكل ممنهج ويومي. أما هذا النظام الذي لا يتمتع بأي مستوى كان من المصداقية، فهو ماضٍ في غيه وفي معالجته غير الإنسانية للحالة في سوريا، مستغلاً المواقف الدولية الضبابية، والضعيفة والمشينة، وضارباً بعرض الحائط كافة النداءات الموجهة إليه من قبل جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، بالإضافة إلى العديد من بلدان العالم على المستوى الفردي. وجل ما رايناه حتى اللحظة من مواقف لم يتعدى الإدانات التي تتفاوت في قوتها، أو تعابير الدعم الخجولة أو العقوبات المشكوك في فعاليتها التي تفرض على النظام ولكنها تضر بشكل أساسي بالشعب المنكوب مضيفة المزيد لمعاناته. أما اتخاذ بعض الإجراءات الأخرى، من قبيل سحب السفراء أو قطع العلاقات الدبلوماسية بالكامل، على أهميتها، إلا أنها لا تعدو كونها لفتات ضئيلة أمام هذا الحجم من الآلم الذي يفوق كل وصف.
بكل بساطة، لا يجوز للمجموعة الدولية أن تمضي في اجترار مقولة الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لبلد ما. فعندما تواجه سلطات أي بلد مطالب شعبها السلمية بالحرية، والكرامة والديمقراطية بهذه الدرجة من القسوة والظلم والقمع الهمجي، فإن إيجاد الحلول ووقف المعاناة الإنسانية يصبح مطلباً بل وفريضةً إنسانيةً ملزمة للجميع. كما ولا يمكن للعالم أن يستمر في التخاذل عن مواجهة مسؤولياته لفعل كل ما هو ممكن وضروري للتخفيف من هذا العذاب الذي يتذوقه شعب بأكمله، بمن فيهم من قد لا يدعمون الثورة بشكل صريح.
لقد مر عام كامل على انطلاقة الثورة في سوريا، حيث قتل ما يزيد عن 8500 شخص بحسب البيانات الموثقة (وما يزيد عن 12000 بحسب المصادر غير المؤكدة)، وجرح عشرات الآلاف، أو اعتقلوا أو اختطفوا ويخشى أن يكون الكثيرون منهم قد تمت تصفيتهم بسرية وعنف من قبل النظام. ذلك بالإضافة إلى الأعداد الهائلة من العائلات التي لجأت خارج البلد أو داخله، والتي تزداد ساعة بعد ساعة. أمام هذه الحقائق على العالم أن يستيقض، وان يفتح عينيه ويعترف بالحجم المروع للمأساة في سوريا.
بعدما وصلت الأمور إلى هذا الحد، فإن كل ما لا يعتبر رداً مباشراً، وصريح وفاعل للعمل على إنقاذ الشعب السوري، فهو لن يكون سوى جهد ضائع ومضيعة للوقت، بينما تتم إبادة المزيد من بني البشر. وما ذلك إلا ثمناً باهضاً لا يجب ولا يجوز على العالم تقبله بهذه البساطة.
لذلك يجب العمل على توفير كل سبل الدعم للمبادرات التي يتم طرحها، كمبادرة جامعة الدول العربية والأمم المتحدة المشتركة، من خلال المهمة التي يقودها السيد كوفي عنان، وتمكينها من كافة الوسائل والمتطلبات. وبغض النظر عن الشكوك التي تعتري نجاحها، إلا أنه يجب تمكين هذه المبادرات كي تتمكن من الارتقاء بأدائها إلى مستوى النداء الممزق للشعب السوري المطالب بنسمة متواضعة من الحرية والكرامة ليس إلا، والذي بح صوته من صراخ مشروع من أجل الحياة.

أيمن أيوب/ الجولان المحتل
المدير الإقليمي لغرب آسيا وشمال أفريقيا
المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات

                   طباعة المقال                   
التعقيبات