بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
في تكوين الهوية: صناعة التقاليد والحداثة
  17/04/2012

في تكوين الهوية: صناعة التقاليد والحداثة

منير فخر الدين-ملحق فلسطين-السفير
1ـ الأدوات

في صالونات الجولانيين تُعلّق نسخ «مُبَرْوَزَة» من الوثيقة الوطنية التي أصدرتها جماهير الجولان المحتل في العام 1981 عشية قرار الكنسيت الاسرائيلي بضم الأرض السورية المحتلة وبسط سيادة القانون الاسرائيلي عليها. وقد ساهمت الوثيقة في توحيد صفوف الجولانيين ورفع منسوب استعدادهم للمواجهة، فخاضوا في اثر إعلان قرار الضم إضرابا مفتوحا بدأ في 14 شباط 1982 ودام قرابة النصف عام، نجحوا خلاله في إحباط جزء من المخطط الاستعماري. فقد نصت الوثيقة على عقد سياسي فريد من نوعه، قوامه فرض الحُرم الديني والاجتماعي التام على كل من يقبل الجنسية الاسرائيلية، باعتباره جنى على نفسه بالانسلاخ عن جنسيته الأصيلة الموروثة، العربية السورية، والمتأصلة بوفائه لأهله وتعاليم دينه. إنّه عقد سياسي في مجتمع أهلي، قروي محافظ دينيا وطائفيا، ليس بـ«حفظ الملكية» كما في الفلسفة الليبرالية للعقد الاجتماعي، بل لحفظ الهوية و«الجنسية». فالانتماء بحكم الوثيقة يورث بالولادة إلى دوائر محيط بعضها ببعض تشكل ما رآه الوعي الشعبي الوطني نظام الطبيعة ذاتها: العائلة وحولها البلد وحولها الدين وحولها الوطن والأمة.
إنها قوة الحُرم السوسيولوجية بالطبع، لا «نظام الطبيعة» المتخيل على النحو المذكور، الأمر الذي جعل الوثيقة أداة ناجحة في صمود الجولانيين وإفشالهم مخطط الأسرلة. إن الحرم من حيث المنطلق الايديولوجي مناقض أو منافس مبدئي لمفهوم المواطنة الحديثة، فهو يعتبر الرابطة الأهلية صاحبة السيادة العليا على الإنسان، لا الجمهور ومؤسسات الدولة المتمخضة عنه. لكن تجربة الجولانيين مع الحرم تعطي أمثلة عديدة على شفافية الحدود ونفاذها بين الأهل والجمهور، بين الشعبي والحداثي. والنقطة الأساسية هنا ليست في كون الوثيقة تفترض التطابق التكاملي لسلطة الأهل والدين وفكرة الوطن (في غياب شبه تام لمؤسسات الدولة الوطنية)، أو في كونها تتنكر للتواتر الدفين بين مبدأ المواطنة ومبدأ سلطة الأهل، بل إن النقطة الأساسية هي أن نتائج تحريم «الجنسية» لم تُنهِ الناس عن الخروج عن الإجماع الأهلي («الموروث») فحسب، بل في أمر آخر مغاير أيضاً: في تمكين نشوء تجربة شائقة للغاية في صنع إحساس بهوية وطنية حديثة ومستقلة، شكلت بديلا تاريخيا حاسما من مشروع الهوية الطائفية الإسرائيلي. إن قيام الحرم على مسألة حداثية بامتياز وهي مسألة الهوية القومية والانتماء الوطني، ألزم مشاركة سياسية واسعة لقطاعات اجتماعية جديدة وقديمة كانت بعيدة عن مركز القرار. بمعنى آخر، إن الحرم كأداة اجتماعية سياسية، له بعد ديموقراطي أهلي وتجريبي، فقد استلزم الدعم وتحول إلى حقل سياسي، أي حقل للمشاريع السياسية واختباراتها ولطقوس جديدة.


منحوتة للفنان الجولاني حسن خاطر

إن ما يعتم هذا البعد للحرم (الديموقراطي والتجريبي) هو فهم سلطة الحرم، نظريا أو أيديولوجيا، على أنها وصاية الخاصة (النخب الروحانية و/أو العائلية) على العامة، وبالتالي تبدو القاعدة الشعبية كأنّها مجرد متلقٍّ لقرار علوي. وثمة عامل آخر هو الوقوع في الخلط المفهومي بين الحرم الديني والحرم الاجتماعي (فالآخر يحتاج إلى مشاركة اجتماعية واسعة). والناس عادة يختارون ذاك الفهم (الجزئي) أو هذا الخلط (المفهومي) لإعفاء أنفسهم من عناء النشاط. وقد يكون ذلك منهم خيار عزوف تكتيكياً ومبرراً أحيانا، لكنه يقترب من العادة البليدة التي يصعب الخروج منها أيضاً.
على وجه العموم، فإن مفاهيم المجتمع عن الحرم تتغير بتغير الواقع الاجتماعي والثقافي، أي بتأثير الحداثة الرأسمالية الاستعمارية، والسلطة القضائية المتمخضة عنها، وبتأثير الخيارات المختلفة التي يتخذها الناس لمواجهة أو مواكبة الواقع المركب. والتغيرات تحدث بسرعة، ولا تسير بسلاسة، بل تنتج صراعات وتوترات تمس المجتمع في العمق، وتدور على معنى الأخلاق وماهية العلاقات الاجتماعية. فقد سبق ولحق حرم الجنسية الناجح، محاولات مستمرة للهيئة الدينية، بأقل نجاح مشهود، لمواجهة تبلور نزعة مساواة المرأة في العمل والتعليم وقيادة السيارة والسفر وغيرها من التغيرات الثقافية، أو قل خيارات مواكبة الحداثة والرأسمالية وسلطة القانون لدى شريحة آخذة في الاتساع، من شابات وشبان وعائلات مصغرة جديدة.
وفي حالة فريدة حدثت في الآونة الأخيرة، استعمل الحرم بحذر ونجاح في مشروع استعادة الأملاك العامة لبلدة مجدل شمس من أفراد تسلطوا عليها من دون إذن الأهالي، ليتم توزيعها بالعدل على أبناء البلدة كلهم وفق سلم أولويات يفضل الأكثر حاجة من بينهم. مرة أخرى تأكد البعد الديموقراطي الشعبي للحرم، فحين ينعقد الإجماع والمصلحة العامة حوله ينجح. وحين يتحول إلى أداة سياسية لمصلحة ايديولوجية لفئة على حساب أخرى – حتى ولو كانت تلك التي تقود دفة الهوية الدينية للمجتمع وتتكلم باسم القيادة الروحانية والأخلاقية اللازمة للناس – فإن الناس ينأون بأنفسهم عنها، إن لم يعترضوا عليها وجها لوجه.
2ـ التعبيرات
في ساحة مجدل شمس، كبرى بلدات الجولان المحتل، يظهر، بالمفارقة، التكوين المفكك والاختلاف على المعاني العميقة للانتماء الوطني: أيكون الوطن استمراراً لتقاليد الأجداد المحلية؟ أم يكون قطيعة وإعادة خلق للفرد والمجتمع كجزء من أمة تستدخل وتتجاوز التقاليد؟ ففي وسط الساحة هناك أوّل تمثال في البلدة أقيم في العام 1987 للفنان الجولاني حسن خاطر، باسم «المسيرة»، وهو يعرف باسم «تمثال سلطان باشا الأطرش». رموزه تعكس التواتر المذكور وتصوغه بلغة اثنوغرافية دقيقة التفصيلات، وإن كانت غايته تبيان الوحدة والتكامل والانسجام بين المكونات المختلفة للأمة كمسيرة واحدة وصيرورة في التاريخ. في مركز التمثال يقف سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي (1925-1926)، بلباسه الحوراني التقليدي، يحمل سيفه في حركة تعكس الثقة بالنفس والثبات، وإلى جانبه صورة مثقف مدنيِّ اللباس (أو غربيِّ؟) يضم كتبا إلى صدره ولا تقل نظرته ثقة عن الباشا. وحول هاتين الشخصيتين هناك شخصيات ترمز إلى قوى اجتماعية أخرى تتركب منها صيرورة الأمة، كمسيرة كفاح ضد الاستعمار واستشهاد ثم تقدم نحو العلم والرفاه والسلام: شيخ محلي يحمل بندقية تدلّ على المشاركة المحلية في الثورة السورية الكبرى، وأم ثكلى تحمل جسد شهيد شاب عار في لوحة تحاكي رائعة مايكل انجلو Pietà «بييتا» لكنها تمزج القداسة بالثورة (الأم الثكلى في المسيرة تصرخ صرخة تجيّش الضمير الانساني من أجل الحراك ضد الظلم، بينما مريم العذراء في «بييتا» تحمل جسد ابنها الشهيد بوجه يعكس فضيلة التحمل للألم والقبول المطلق بمشيئة الرب كوسيلة الخلاص). وعلى الجهة الخلفية للتمثال يقف ولدان وفتاة بأوجه سعيدة وهمم نشطة، يحملون الحقائب المدرسية وسنابل القمح: الوعد السعيد الذي تخوض الأمّة الآلام وتقدم التضحيات في سبيله.
ليس في رغبة الفنان حدث الانسجام الحميم للتقاليد والحداثة، للقداسة والدنيوية، بل في رغبة الجمهور أيضا الذي احتفى بالتمثال احتفاء يتذكره الجميع. إنه أوّل تمثال من نوعه في البيئة المعمارية والثقافية المحلية: غربي وحداثي المنشأ من ناحية اللغة الفنية، لكنّه أصبح منذ اللحظة الأولى لتركيبه أحد أكثر التعبيرات الأصيلة عن الهوية الوطنية المقاومة للاحتلال والاستعمار الاسرائيلي. لقد شارك الناس في تركيبه وتدشينه والاحتجاج على محاولة خبيثة لتفجيره بحماسة قل نظيره. لكن على الرغم مما ذكر يبقى الحقل الرمزي للمجتمع حقل اختلاف سياسي. فالاحساس بالتماهي والهوية لا يلغي الاختلاف والتباين الاجتماعي، إنما يرجئها أو يحوّل أشكالها وتفاعلاتها.
ثمة أكثر من نقد لتمثال المسيرة، تجسد لاحقا في تماثيل منافسة: الأول تضمّن نقد المسيرة ذات البعد الطائفي للهوية الوطنية وإبرازه سلطان الأطرش وحده من بين القادة الوطنيين. وانطلاقا من هذا النقد صنع الفنان نفسه، بطلبٍ من مؤسسة ثقافية محلية في بلدة بقعاثا تدعى «قاسيون»، تمثالا آخر باسم «قاسيون»، يجمع خمسة قادة وطنيين ليرمز إلى الوحدة الوطنية (ضمنيا، الوحدة بين الطوائف) هم: حسن الخراط، وابراهيم هنانو، وسلطان الأطرش، وصالح العلي، وفوزي القاوقجي (الأخير للإشارة إلى فلسطين كمركب أساسي من مركبات الهوية الوطنية العربية السورية). والنقد الثاني هو إهمال تمثال المسيرة للبعد الزعامي المحلي للثورة، وتقديم الشخوص المحليين بلا أسماء (فالشخص الوحيد المحدد بهويته الشخصية في تمثال المسيرة هو سلطان الأطرش)، وقد تمخض عن هذا النقد عمل ثالث، للفنان نفسه، بطلب من آل أبو صالح، وخصوصا الفرع المتزعم منهم أي آل كنج أبو صالح. وهو تمثال «أسعد كنج ورفاقه المجاهدين» في ساحة أخرى من ساحات مجدل شمس (وأسعد كنج كما هو معروف كان قائد اقليم البلان في الثورة الكبرى عام 1925-1926 تحت قيادة سلطان الأطرش).
الأهالي المتحدون كهيئة سياسية واحدة متينة، والذين يشعرون بهويتهم الوطنية من خلال مماهاة لطيفة شفافة تكاد لا تلحظ بين شعورهم القومي والوطني وشعورهم الطائفي والديني، تبنّوا تمثال «المسيرة» واحتضنوه (مع العلم أن المبادرة جاءت من الفنان نفسه وتبنتها رابطة شبابية تقدمية التفكير للطلاب الجامعيين)؛ المجتمع المدني الذي حمل راية النهضة للأمة، واتخذ لنفسه موقفا أبويا ورعويا وتسوويا من الطوائف بوصفها تحتاج إلى تدخّله للتصالح وتتآخى، بادر إلى «المسيرة»، وكان وراء «قاسيون»؛ ومنظومة القيم العائلية التي تدافع عن تاريخها وموقعها المتآكل في التكوين الوطني الحديث، وضعت بصمتها الخاصة في تمثال «أسعد كنج ورفاقه المجاهدين».
إن الأهالي والمجتمع المدني والأعيان، وهي القوى الاجتماعية التي يتشكل منها الجمهور السياسي الجولاني، تتنافس وتشترك في تكوين الهوية الوطنية؛ فمن منها سيهيمن ويتصدّر المسيرة؟ ربما تماثيل مقبلة ستكشف لنا الأمر. أما ما هو أمر واقع وواضح للعيان الآن، فهو أن هذه القوى تصطف في معسكرين: معسكر داعم للنظام (إما من منطلق طائفي معلن، أو من منطلق الخوف، أو من منطلق «معاداة» الامبريالية، أو مكافحة «الارهاب»)، ومعسكر مناصر للثورة (إما من منطلق مناهضة الدموية والقتل، أو من منطلق الايمان بالمواطنة العلمانية، أو من منطلق الايمان بالمثل الليبرالية، أو ربما ايضا من منطلق الطائفية). وفي الأحوال جميعها لا بد من الاعتراف بأنّ «المسيرة» – تكوين الوطن والأمة – لم تثمر بعد ولم يصل الوعد السعيد.

* أستاذ مساعد في الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

منير فخرالدين

 

بتاريخ :

20/04/2012 14:40:41

 

النص :

الفقرة الاخيرة من مقالتي حول تكوين الهوية في الجولان كانت كالتالي قبل تحريفها وتشويه موقفي وجعلي اظهر محايدا : الأهالي، المجتمع المدني، الأعيان – هي القوى الاجتماعية التي يتشكل منها الجمهور السياسي الجولاني، تتنافس وتشترك بتكوين الهوية الوطنية؛ فمن منها سوف يهيمن ويتصدّر المسيرة؟ ربما تماثيل قادمة سوف تكشف لنا الأمر. أما ما هو أمر واقع وواضح للعيان الآن، أن هذه القوى تصطف في معسكرين: معسكر داعم للنظام (إما من منطلق طائفي معلن، أو من منطلق الخوف، أو من منطلق "معاداة" الامبريالية، أو مكافحة "الارهاب"، أو على الأغلب من منطلق الحاجة النفسية لمحبة أو تأليه الزعيم-الأب-القائد-الخالد!)، ومعسكر مناصر للثورة (إما من منطلق مناهضة الدموية والقتل، أو من منطلق الايمان بالمواطنة العلمانية، أو من منطلق الايمان بالمثل الليبرالية، أو ربما ايضا من منطلق الطائفية، أو "محبة" الغرب). في جميع الأحوال: لا بد من الاعتراف بأنّ "المسيرة" – تكوين الوطن والأمة – لم تثمر بعد ولم تصل الوعد السعيد، بل دخلت مخاضات دموية داخلية مع نظام أعلن نفسه، بالحديد والنار والمكر، الوصي الأوحد والأبدي، لا يطال ولا يلام، على شعبه ونهضته فأدماه وأدماها.