بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
الحركة الأسيرة في الجولان
  19/04/2012



الحركة الأسيرة في الجولان
وئام عماشة/ ملحق فلسطين - السفير


منذ اليوم الأول لاحتلال الجولان، وكردة فعل طبيعية على واقع الاحتلال وممارساته التعسفية الهادفة إلى سلخ الجولان عن الوطن السوري وتغيير انتمائه القومي، بدأت مرحلة جديدة ذات سمات ومظاهر مشرفة في مقاومة المحتل، والتصدي لممارساته التي تجلت في أولى خطواتها بإلغاء المنهاج الدراسي السوري، وفصل أو اعتقال الكادر التربوي والتعليمي تحت طائلة التهديد والترهيب تارة، والترغيب تارة أخرى، واعتماد المنهاج الدراسي الإسرائيلي، للبدء في تشويه عقول الطلبة، وخلق عدمية ثقافية، إضافة إلى مصادرة الأراضي وتدمير القرى وتهجير سكانها والتضييق على من تبقى منهم، والبالغ عددهم آنذاك نحو 7 آلاف نسمة من أصل 153 ألفاً.
سعى مواطنو الجولان مع بدء الاحتلال إلى إعادة تنظيم واقعهم الاجتماعي والسياسي بعيداً عن أعين سلطة الاحتلال، وبدأ عدد من الشباب في تنظيم أنفسهم وحشد قواهم المتبقية ورص صفوفهم في ظل سلطة الحكم العسكري التي فُرضت عليهم، وقد شعروا بمرارة الهزيمة النكراء، وكانت ردة فعلهم تزايد الإحساس بضرورة رفض هذا الواقع ومقاومته بكل السُبل.
خلايا المقاومة الأولى
بدأت خلايا المقاومة السرية بالتبلور في ظل الإحساس الثقيل بمرارة ما حصل في حزيران 1967، إلا أن رواد الحركة الوطنية السورية وضعوا نصب أعينهم تأليف مجموعات للعمل السري تركز نشاطها على رفض مخططات سلطات الاحتلال من خلال رصدها للتحركات والمواقع العسكرية على الأرض ونقل المعلومات إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية، المسؤولة عن أمن هذا الجزء السليب من الوطن. ومنذ اللحظات الأولى التي وطأت أقدام الإسرائيليين أرض الجولان، وأحكمت سلطة الاحتلال سيطرتها على جميع قراه ومناطقه ومواقعه، انطلق رجال المقاومة الوطنية السرية لمواصلة العمل، حتى بعد اعتقال أول خلية للمقاومة الوطنية (ضمت الأسيرين ماجد فؤاد أبو جبل ويوسف شكيب أبو جبل)، حيث استفاد رجال المقاومة من الأخطاء التي واجهت عمل الخلية الأولى، وعملوا على تحصين أنفسهم وتعزيز سرية عملهم من خلال تزويد الأجهزة العسكرية والأمنية السورية بجميع ما تراه أعينهم وتسمعه آذانهم. وكان لهم الفضل الأكبر في اقتحام الجيش السوري للتحصينات العسكرية الإسرائيلية في جبهتي الجولان وسيناء، في العام 1973، إضافة إلى تزويد الثورة الفلسطينية في منطقة العرقوب في جنوب لبنان بالتحركات الإسرائيلية التي استهدفت رجال الثورة في لبنان. إلا أن الحدث الأبرز خلال فترة السبعينيات كان كشف المخابرات الإسرائيلية أعمال رجال المقاومة الوطنية واعتقال أعضائها بعد سقوط الشهيد عزات شكيب أبو جبل في كمين نصبه له «حرس الحدود» الإسرائيلي، حيث كانت بحوزته تقارير عسكرية حساسة كان يحاول نقلها عبر خط وقف إطلاق النار إلى السلطات والجهات الأمنية السورية والمصرية والفلسطينية. وقد بلغ عدد أعضاء المقاومة المعتقلين قرابة 65 مناضلاً تم تقديمهم إلى المحاكمة العسكرية وفرضت عليهم أحكام جائرة وصلت حتى ثلاثين عاماً. ومنذ اعتقال أول أسير سوري في سجون الاحتلال في الرابع من تموز 1967 لم تخل المعتقلات والسجون الإسرائيلية من أسرى الجولان.
تميز العقد الأول من عمر الاحتلال الإسرائيلي بضرب الحركة الوطنية بيد من حديد وملاحقة أي شكل من أشكال المقاومة في محاولة لاجتثاثها، وفي الوقت ذاته التمهيد لمؤامرة سلخ الجولان عن وطنه الأم سوريا، حيث استطاعت إسرائيل، بعد اعتقال القسم الأكبر من رواد الحركة الوطنية، تنفيذ عدة مخططات تستهدف دمج الجولان بالمجتمع والحياة المدنية الإسرائيلية من خلال فرض المجالس المحلية والمذهبية الطائفية التي لا يزال الجولان يرفض التعامل معها حتى يومنا هذا.
بعد تقلص العمل الأمني والسري في بداية سنوات الثمانينيات، اعتمدت الحركة الوطنية في الجولان أشكالاً نضالية جديدة تمثلت بالمقاومة الشعبية شبه العلنية، بعد سن الكنيست الإسرائيلي قرار ضم الجولان، الذي اعتبر الهضبة المحتلة جزءاً من الكيان الصهيوني، واعتبر سكانها من مواطني دولة اسرائيل. وقد أثار هذا القرار سخطاً وغضباً جماهيرياً عارماً أدى بالعملية النضالية إلى أن تتخذ طابعاً سياسياً وجماهيرياً. ولكن هذا لم يمنع مجموعة من الشباب الوطني من إحياء المقاومة السرية عبر القيام بسلسلة عمليات عسكرية، من خلال الاستيلاء على معدات عسكرية وقنابل وألغام وتفجير معسكر إسرائيلي غير مأهول، وزرع بعض الطرق العسكرية الإسرائيلية بالألغام الأرضية، غير أن مصير هذه الخلايا لم يكن أفضل من سابقاتها على الرغم من استمرار عملها لأكثر من عامين؛ فقد كشفت أجهزة الأمن الإسرائيلي هذه الخلايا واعتقلت أعضاءها وقدمتهم إلى المحاكمة وأصدرت بحقهم أحكاماً بالسجن تراوحت ما بين 12 و27 عاماً، وما زال أحد رموز هذه المجموعة يقبع في السجون الإسرائيلية حتى يومنا هذا.
الحركة الأسيرة
كانت الحركة الأسيرة السورية دائماً جزءاً من الحركة الأسيرة الفلسطينية والعربية في السجون الإسرائيلية، وتعتبر مكوناً أساسياً في نسيجها الاجتماعي والسياسي داخل المعتقلات الإسرائيلية، فقد شارك أسرى الجولان المحتل في كافة المعارك النضالية ومعارك الأمعاء الخاوية، وكان لهم دورهم المميز في نضالات الأسرى ضد سجانيهم من أجل انتزاع حقوق أساسية من شأنها أن تحسن ظروف حياتهم اليومية.
إن حلف السجن والسجان لا ينتهي عند معاناة الأسير نفسه، بل يطال ذويه ليتذوقوا معه معنى المعاناة والحرمان. فغالباً ما تتبع إدارات السجون حرمان الأسير من زيارة أهله كإجراء عقابي تتخده ضد أي أسير يخرج عن طاعة أوامرها، وغالباً أيضاً ما تكون هذه العقوبات جماعية بحق الأسرى وذويهم. ودفع أسرى الجولان ضريبة المقاومة على مذبح الحرية، وقدموا شهيدين من شهداء الحركة الوطنية السورية، ومئات الأسرى والمعتقلين الذين كوت أجسادهم سياط الجلادين في أقبية التحقيق ومراكز الاعتقال والسجون الإسرائيلية. ولا يزال ملف الأسرى المعتقلين والمحررين مغيباً عن أجندة المؤسسات الرسمية السورية، ولا يتم التعامل مع ملف الأسرى السوريين في سجون الاحتلال، وكذلك الأسرى المحررين في الجولان المحتل، إلا لأغراض إعلامية ودعائية من دون تقديم أي دعم ملموس يضمد جراح معاناتهم المثقلة بآلام السجن والسجان حتى بعد تحررهم من السجون الإسرائيلية، وذلك خلافاً للدعم الذي تقدمه المقاومة الفلسطينية واللبنانية لأسراها المعتقلين في سجون الاحتلال، ولأولئك الأسرى المحررين، من توظيف ورعاية ودعم وتأهيل لضمان كرامة الإنسان المناضل الذي قدم الغالي والنفيس في سبيل قضيته الوطنية، ومن دون التعامل معه وفقاً لانتمائه الفكري والسياسي.
ويتطلب تجاوز تجربة السجن والاعتقال في السجون الإسرائيلية العديد من عوامل الصمود، أهمها توفر القناعة النضالية بالقيمة الإنسانية والأخلاقية للإنسان وقضيته الوطنية، والعمل من أجل رفدها بالمزيد من الركائز المعنوية والروحية التي وفرتها للأسرى السوريين الحركة الوطنية السورية في الجولان المحتل من خلال مسيرتها «الذاتية» الكفاحية الخلاقة ضد السلطات الإسرائيلية، وكانت رافداً من روافد صمود الأسرى في معاركهم الاعتقالية. وشكلت العلاقة العضوية ما بين الداخل والخارج معادلة الصمود البطولية التي يفتخر بها أبناء الجولان، وجميع مناضلي الحرية في الأرض المحتلة وخارجها، وكانت لهذه العلاقة تجليات واضحة في التخفيف من وطأة معاناة الأسرى داخل السجون التي تتجلى بأبرز أشكالها في حرمان الأسير رؤية أحبائه وتقاسم الأفراح والأتراح معهم، وحرمانه احتضان أبنائه الصغار بشكل خاص، فهذه المعاناة المركبة تثقل كاهلهم وأقاربهم في آن، وتشكل أزمة نفسية قاسية لديهم. فما معنى أن يحرم السجان طفلاً من لقاء أبيه ويجرعه مرارة الحرمان؟ وما معنى أن يحرم الشيخ الطاعن في السن من زيارة ولده؟
لقد عرف أسرى الجولان وذووهم على مدار سنوات رحلة الأسر المستمرة، إجراءات تعسفية متعددة ومتفاوتة في قساوتها وما تسببه من إهانة وانتهاك لكرامة الإنسان، مثل سياسة تفتيش الأسرى وذويهم وإجبارهم على خلع ملابسهم في أثناء التفتيشات، وكثيراً ما تتم هذه العملية المهينة وسط سيل من الإهانات والشتائم والكلمات النابية الموجهة للأسرى. وهذه الحال لا تنطبق على الأسرى السوريين فقط بل على الأسرى الفلسطينيين والعرب أيضاً.
إن خمسة وأربعين عاماً من مسيرة الكفاح الوطني السوري في الجولان المحتل هي عمر زمني قصير في مسيرة الشعوب نحو الحرية، لكنها فترة زمنية تستحق الوقوف أمامها بكل مسؤولية وإجلال واحترام، حين تقارن بعدد سكان الجولان المحتل وإمكانياتهم المتواضعة ودعائم صمودهم المعدومة إلا من إيمانهم بعدالة قضيتهم، وصدق انتمائهم الوطني والقومي والأخلاقي لتاريخهم وتراثهم وكنزهم الحضاري في أرض الآباء والأجداد، هذا الكنز الذي صانته دماء عشرات الشهداء وتضحيات الآلاف من الرجال والنساء المجهولين والخالدين في وجدان وضمير جميع أحرار شعبنا.

أسير محرر من الجولان السوري المحتل.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات