بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
أرواد خاطر ... والشيطان؟!!
  13/05/2006
 

أرواد خاطر ... والشيطان؟!!

بقلم: وهيب أيوب

يكاد المرء يصدِّق أن الشعر موهبة شيطانية! وكان سكان الجزيرة العربية زمن "الجاهلية" يعتقدون أنه لكل شاعر شيطانه الذي يُملي عليه شعره!. وتسكن تلك الشياطين واد يُطلق عليه وادي "عبقر"، لهذا ترى الشعراء في جنون قصائدهم يخترقون كل المحرمات والمقدسات، ولا يبالون في شيء، وينظمون الشعر وينثرونه في الفضاء، مُحدِثاً كوكبة من اللهب لا تنطفئ ولا تغيب، بل لتنتقل مثل النجوم من مكان لآخر لتجعل من جمود الحياة الآسنة الراكدة، صخباً جديداً وثورة جديدة وقلقاً وأملاً دائماً، وكأنها الأقمار تقوم بفعل المد والجزر في البحار الهادئة والمتلاطمة الأمواج على السواء.
ويورد المرحوم، الكاتب الفلسطيني حسين البرغوثي في كتابه الرائع "قصص عن زمن وثني" النص الآتي:
"باللات والعُزى ومناة الثالثة الأخرى، قِفوا! نحن على حافة وادي عبقر!"
وأشار إلى بطن الوادي، نحو كثبان رمل مقمرة وناعمة، وإذا بكائن، على هيئة إنسان، يسوق ظليماً "ذكر نعام" مربوطاً من خطمه بحبلة من الكتّان. كان مُقبلاً من عمق الوادي، فاستوحشنا منه، وحتى الإبل بدأت ترغي وتتراجع بنا إلى الوراء. ومرق قريباً منا. كان أطول من ناقة، ورأينا ظهره عارياً، وفيه نمش أخضر، مثل طحالب تتشعّب على سطح ماء آسن، فارتعبنا.
وقف بعيداً عنا، وتلفّت نحونا، وحدّق فينا مدَّة كانت كافية لنتحوّل إلى تماثيل من ملح تحت القمر، ثمَّ قال للدليل:
"يا ابن سهم الخشب: من أشعر العرب؟"
كان الدليل خائفاً فلم يُجب. فواصَلَ:
أشعرهم من قال:

وما ذرفتْ عيناكِ إلاّ لتضربي

 
  بعينيكِ في أعشارِ قلبِ مقتلِ

فعرفنا أنّه يقصد امرأ القيس.

"باللاّت والعُزّى ومناة الثالثة الأُخرى، مَنْ أنت؟" قال الدليل، ورجع إلى الوراء حتى كاد يقع.
"أنا لافظ بن لاحظ، من كبار الجنِّ، لولاي لما قال صاحبكم الشعر!"
ومضى، مقهقهاً. وقف دليل القافلة مذهولاً، وحدّق فيه حتى اختفى.
قُلنا له: "فما تقول في هذا؟"، فقال:
"هذا لافظ بن لاحظ، شيطان امرئ القيس الذي يُملي عليه الشعر، كما تعتقد العرب. ولافظ هذا من "وادي عبقر" وكلُّ شاعر يُملي عليه شعره أحد جنِّ أو شياطين هذا الوادي يُدعى "عبقرياً".

* * *

إنه لمُحيّر بالفعل نبوغ الشعراء في سنٍ مبكرة، فالقصيدة الأولى التي قرأتها لـ أرواد خاطر قبل عدة سنوات، على موقع "الجولان" لم أُصدق حينها أنها كاتبتها، على ما احتوت عليه القصيدة من قوة المعاني والنظم الجميل، والتي لا يمكن بحسب ظني أن تخرج إلاّ من شاعرة أو شاعر تمرّس بالشعر زمناً، وملك من الثقافة الأدبية كفايته.
فناديت ابنتي "أرواد أيوب"، وسألتها: من تكون الفتاة أرواد خاطر صاحبة القصيدة؟
فأجابتني، أنها طالبة، ربما بالصف العاشر أو الحادي عشر على ما أذكر. وكدت لا أُصدِّق، على الرغم أنني كنت قد قرأت سابقاً عن بعض الشعراء ونبوغهم المبكِر في نظم الشعر، أمثال
بوشكين ورامبو ولوركا وأبو القاسم الشابيّ وغيرهم، وقديماً طرفة ابن العبد وسواه، لكن ذاكرتي تبخّرت في لحظة، وانسابت مداركي كانسياب الماء من بين أصابع الراعي، وبتُ غير مُصدِّق أنها صاحبة القصيدة!.
ودفعني فضولي للاتصال بها هاتفياً واستيضاح الأمر منها، وهل هي بالفعل صاحبة تلك "الشيطنة" الشعرية الجميلة؟! وهكذا فعلت. وبعد حديث دار بيننا على الهاتف تيقّنت من خطلي وتسرُّعي باستنطاقها على ذاك النحو الساذج! وما لبُث أن ازداد يقيني بازدياد قصائدها.
واليوم بعد قراءتي لهذا النص الأدبي "عينٌ للرصد.. أخرى في العاصفة"، التي رشقته أرواد بحبرٍ أقرب ما يكون للون الدم القاني، وبياض الياسمينة الناصعة، بحيث لا يتعذّر عليك فصل اللونين الممزوجين بعناية، حالما تذرف دموعاً وتسمو فرحاً، بانكبابك على نصٍ يُميتُك ويحييك في لحظة واحدة.
وأنا اليوم أعتذر من أرواد وألوم نفسي على ذاك الفصل "البايخِ" الذي ارتجلته مُتسرِّعاً، لكني تداركت نفسي بعد مدة قصيرة بإهدائها كتاباً، كتبت على صفحته الأولى:
"ليس من المُستغرب أن تتفرع أغصانٌ كبيرة عن شجرة السنديان، ولكن الغريب أن ينبُت للياسمينة الغضة، فروع كشجر الأَرز؟!". وكان هذا أكثر من مجرد اعتذار.
وحتى لا أعيد الكرّة ثانية، وأعيد الاعتذار مُجدداً، سوف لن أسأل أرواد اليوم:
ما اسمُ شيطانها، وأيُّ وادٍ ينبعث منه؟!

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات