بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
كيف تتذوق ا لموسيقى والغناء؟
  13/05/2006
 

كيف تتذوق ا لموسيقى والغناء؟

هيفاء أبو صالح

بقدوم الربيع بدأنا نقضي لحظات مع ما يثيره من معاني ا لجمال والخير والأمل, وما يبعثه في القلب من الموسيقى الظاهرة والخفية, والأشواق الدفينة والثائرة. وقبل حوالي ألف سنة تقريبا نظر الشاعر البحتري إلىالمروج وقد دبّت فيها روح الربيع وقال:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا

 
  من الحسن حتى كاد أن يتكلّما

وقال شاعر آخر:

دنياك تضحك عن ودادٍ صافي

 
  وتريك طيب العيش كيف يوافي

وإذا تحدثنا عن شعراء الأندلس وغيرهم من شعراء الأمة العربية على امتداد أقطارها وتاريخها، فسوف يطول حديثنا ولا ينتهي وكما الشعراء كان أيضاً الغناء يحتل مراتب رفيعة منذ عدة قرون وأينما وجد الأنسان فهوبحاجة أن يرفّه عن نفسه بكلمات يقرؤها أو يسمعها من حين إلى حين نتيجه للهموم التي تراكمت عليه وبوجه خاص الإنسان العربي, وأعود لسؤالي:

كيف تتذوق الغناء العربي؟

جوابي على هذا السؤال: إن الذوق هو في الأصل طبع, ويمكن صقل هذا الطبع بإدمان السماع, فإذا لم يكن طبع, فلا ذوق ولا تذوق إلا في أضيق نطاق, وهذه هي القاعدة في الغناء والموسيقى والشعر والتصور وكل قديم أو جديد في الفنون والاّداب.
لقد صنع بعض الأمريكيين و الأوربيين ما يسمّونه الموسيقى الاليكترونية, لفرط أفتتانهم بهذه الالات الحديثة, لهم عذرهم بطبيعة الحال فقد وصلت الموسيقى الأوربيه إلى طريق مسدود. بعد أن إنطوى عصر التأليف الموسيقي بشطريه الكلاسيكي والرومانسي.
أما الموسيقى العربية فقد رقدت في الكهف مئات السنين منذ سقوط بغداد في يد هولاكو ثم أخذت تنبعث في أواخر القرن التاسع عشر فتعددت أساليبها, واتسع ثرائها بالأنغام والإيقاعات, حتى أن أغاني أم كلثوم وحدها تحتوي من النغمات ما لا يحصى فقد لفت الثراء النغمي العظيم الذي تراكم في الغناء المصري أنظار بعض الأوربيين والأمريكيين ويشهد على هذا الكلام أحد الموسيقين الأوربيين الذي قال في لقاء تلفزيوني منذ سنوات: لو أن باخ وهايدن وبيتهوفن وغيرهم كانوا في أيامهم يملكون جزءاً من الثروة اللحنية التي يملكها الموسيقيون والملحنون المصريون والعرب, لصنع أولئك الموسيقيون الأوربيون أعاجيب ومعجزات!... ولكن للأسف إن المغني العربي في أيامنا الحاضرة أوشك أن يفقد خصائصه الفنية, فلم يعد يغني إلا والميكرفون في فمه كأنه أرجيله, لقد سقطوا إلى الحضيض, وصاروا المثل الحي لأبن خلدون: (( أول ما ينقطع - أو يسقط- عند انقطاع عمران الدول, فن الغناء))!.... هذا معنى قوله بالضبط وإن كنت لا أذكر ألفاظه بنصها...

لقد وصل الفن عندنا إلى عنق زجاجة واحتبس هناك, حتى يأذن الله بالخروج من هذه المحنة التاريخية للغناء العربي الذي كنا نظن قبل أعوام أنه قد بلغ منعطفاً تاريخياً ينطلق بعده إلى سماء الفن العالية!.. مع ذلك أحب أن أتكلم عن الغناء العربي متجاهلة محنته الراهنة لأنها مؤقتة فيما أرجو, ولم ينتهي بعد في رأيي عصر أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ والملحنين الفحول كالسنباطي وغيرهم...

إن قياس أصوات مطربينا ومطرباتنا لا يكون قياساً دقيقاً إلا بحساب السلم الموسيقي العربي ومقاماته ويتصور بعض الموسيقيين الذين درسوا الغناء الأوروبي الكلاسيكي ولم يدرسوا الغناء العربي الكلاسيكي, أن غناءنا هذا يخلو من ((تركيز الصوت))... وهذا غير صحيح, فإن تركيز الصوت في الغناء الأوبرا لي مأخوذ من تركيز الصوت في الموشحات العربية التي انتقلت قديما من الأندلس إلى أوروبا, ولم يكن الأوروبيون يعرفون غير الغناء الشعبي الشديد السذاجة قبل أن ينقلوا الغناء الأندلسي الذي أبصروا شمسه فلم ينكروها بل استضاءوا بها. وقد أنصف الموسيقيون الأوربيون أنفسهم حين استغنوا عن غنائهم الشعبي السطحي, وأقاموا موسيقاهم على ما نقلوه من عرب الأندلس بعد تجريده من الأرباع الصوتية, ولا شك أننا نحن أيضا ننصف أنفسنا نتمسك بطريقتنا في الغناء, ونحافظ على استقلالها إلى جانب الطريقة الأوربية والطرق الأخرى في الغناء, وما أكثرها في قارات الدنيا, وما أجدرها بأن تتعايش وتتبادل الثمرات, لا أن يخنق بعضها بعضا.

إن الموسيقى العربية ما زالت حتى اليوم غناء وما زال المغنون هم فرسان الموسيقى العربية كما يفهمها ويتذوقها المستمع العربي، وبدون هؤلاء الفرسان– ولا أقصد أحداً ممن يغنون في هذه الأيام– يتقلص ظل الموسيقى العربية، ولا يدري الإنسان العربي يومئذ أين يذهب بسمعه ووجدانه!
إن تطوير الموسيقى العربية عمل فني متشعب لا ينهض به إلا أصحاب العزم من الفنانين الموهوبين الأذكياء المثابرين المخلصين للفن وللشعب معاً ولكن هؤلاء الفنانين لا يمكن أن يوجدوا من العدم، وما دامت الأسباب لوجودهم غير متوافرة فكيف يمكن أن يوجدوا؟! علينا أن نعترف أن تطوير موسيقانا في طريقها المستقل، ما زال يدور في مجال الأماني والكلمات، والذي نراه عندنا الآن أن كثيرين ممن يدعون لتطوير الموسيقى العربية، لا يريدون في الحقيقة تطويرها بل يريدون إلغائها وقذفها في قمامة الماضي، ولا يوافقون حتى على وضعها في متحف متواضع يراه العرب من بعيد!...
ومن المدهش أن يقع ذلك في الوقت الذي أخذ فيه الأجانب يتطلعون إلى الغناء العربي ولوازمه الموسيقية, ويدرسون المقامات العربية, ويستمعون إلى الثروة اللحنية والإيقاعية الطائلة في غناء أم كلثوم وعبد الوهاب.

إن الموسيقى الأوربية التي تدور حول نفسها سوف تجد نفسها ذات يوم مدفوعة إلى استلهام الألحان العربية التي تسد عين الشمس بكثرتها.. ولا شك أنهم سوف يأخذون ما يجدد موسيقاهم ويبعث فيها الحياة ولكنهم لن يتخلوا عنها كما يدعونا بعض إخواننا إلى التخلي عن موسيقانا وغنائنا وأن نستبدل بهما الموسيقى الأوربية والغناء الأوربي بغير تحفظ!!...
إن الموسيقى الأوربية يسمونها "الموسيقى العالمية " لأن أوروبا وأمريكا تسيطران على العالم, فموسيقاهم عالمية بمعنى من السياسة الاستعمارية لا بمعنى من المعاني الفنية... وهم يديرون ظهورهم الآن للموسيقى العالمية ويتباهون بأغاني البوب "الأغاني البدائية النغم والإيقاع" وأغاني الزار وغيرها... ولكن الموسيقى ككل شيء آخر, لا يصح فيها إلاّ الصحيح مهما تخبطت واختلّت موازينها.

ولا يبقى إلاّ أن نقول لأنفسنا: ينبغي ألا نهدم غناءنا وموسيقانا بأيدينا, ثم لا نبني شيئاً, ونترك غيرنا ينهب أنقاض
ما هدمناه, نتطفل على "نوتة" الموسيقى الأوربية, نغترف منها ما نشاء !!!

لقد بدأتُ المقال متسائلة: كيف نتذوق الغناء العربي؟! والمهم الآن ألا نكتفي بتذوق الغناء العربي والأنغام العربية
ونهز رؤوسنا طرباً ونشوة, فقد حان الوقت للإجابة عن سؤال آخر عظيم الأهمية:
كيف نحمي الموسيقى العربية ونحفظها من الضياع في هذا العصر الذي تضيع فيه مقوّمات الأمّة العربية شيئاً بعد شيء؟! فلننظر إلى فن الغناء العربي, فإنه يوشك أن ينقطع, لولا الخيط الذي يربطنا حتى الآن بتراث أم كلثوم وجيلها: فلن نرضخ ونقول لباقي الشعوب: بوس الواوا

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات