بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
في الذكرى التاسعة لرحيل سعد الله ونوس
  15/05/2006

في الذكرى التاسعة لرحيل سعد الله ونوس
بقلم: منى أبو جبل
"إننا محكومون بالأمل... وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ"
سعد الله ونوس

نشرت ديما ونوس قبل فترة وجيزة مجموعة أقاصيص تحت عنوان "ربوا أولادكم"، تنقل فيها أحداث يومية من الواقع اليومي، في محاولة منها للتعبير عنه. ديما ونوس هي كريمة الراحل الكبير سعد الله ونوس، الذي ترك بصمات خالدة على حياتنا الثقافية. وانا اقرأ ما كتبت عنه ديما، قلت ان ذلك ليس غريبا عليك يا "ديما" ان تكتبي بهذه الجرأة، فأبوك قبل وفاته كان قد أهداك كلماته الرائعة الجميلة، وأوصاك الاهتمام بمن حولك..
فاسمحي لي يا "ديما" أن أشاركك همومك وهمومنا، واقدم ولو جزءا بسيطا ومتواضعا لاستحضار ذكرى الراحل الكبير، الذي لم اسمع عنه، ولم اتناول مسرحياته، الا منذ فترة قصيرة، حين استلهمني بمسرحياته خلال دراستي الاكاديمية. فوسائل الإعلام لم تنصفه في حياته، واشك انها فعلت ذلك في مماته. سعد الله ونوس اقتحم همي واهتماماتي من خلال احدى مسرحياته التي كنت بدأت في تناولها خلال دراستي، ولشدة تأثرى واعجابي، وامتناني له، باشرت بجمع كل مسرحياته المتوفرة، وقراتها بحب وشغف واهتمام.
لا يسعني الا ان استحضر ذكراه الخالدة في ذكرى وفاته التي تصادف الخامس عشر من ايار، فلربما نستحق دون ان ندري، ودون ان نحمل أي ذنب في هذا التاريخ، المزيد من النكبات والمزيد من الاحزان المفجعة في تاريخنا المعاصر. الا اننا نتمسك بالامل المزروع فينا حين نتعايش ونلامس سعد الله ونوس حين يقول:

"إننا محكومون بالأمل.. وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ"

رغم الخراب الذي يلف عالمنا والفشل الذي يعشعش في كل شيء، فإن سعد الله ونوس بقي شاعراً بالأمل، لأن ما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية العالم. هذا الأمل هو الذي يعطي الحياة معناها، ولولاه لفقد الإنسان القدرة على الاستمرار. فالأمل هو الشيء الوحيد الذي أبقاه مشتعلاً حاضرا باستمرار. ويقول: "الواقع يخنق كل الأحلام والأشعار والأمنيات الجميلة, ولا شيء في هذا العالم حضيض سوى الموت والظلام والعدم".
ورغم ذلك كان سعد الله ونوس يحمل البطولة والكآبة، ويواجه المرض متفائلاً، مع ما كان يواجهه بالحياة في ظل الأمل و شعاره.

لقد ترك سعد الله ونوس ابداعات كثيرة وعظيمة، ولعل اجرأها تلك التي تحمل عنوان "طقوس الاشارات والتحولات"، لانها كشفت بشكل جريء وشجاع عورات المجتمع العربي، وواقع المتحكمين والمتنفذين في الحياة السياسية والاجتماعية، وعالج في نصوصه واقع كل طبقات وفئات المجتمع، فانصف واقع المضطهدين وكشف زيف المنافقين دون خوف او وجل.

سعد الله ونوس كاتب مسرحي سياسي سوري, ولد في قرية (حصين البحر) بمحافظة طرطوس عام 1941. درس الشهادة الابتدائية في مدرسة القرية, ثم تابع الدراسة في ثانوية طرطوس حتى نهاية المرحلة الثانوية، ثم سافر إلى القاهرة، حيث درس في كلية الاداب قسم الصحافة. وكتب "حفلة سمر من اجل 5 حزيران"، يعري فيها الهزيمة ويشرح اسبابها- "لم تخطر ببالي اية قضية نقدية. انني اعري واقع الهزيمة وامزق الاقنعة عن صانعيها"- ثم عمل رئيس تحرير القسم الثقافي في جريدة السفير اللبنانية، ثم عاش حصار بيروت وحوصر هو داخلها، والعالم العربي يتفرج على فض بكارتها.

وبقى الوطن كله بحجم همه كبيرا، فالوطن مصاب بالسرطان. ولم يترك سعد الله ونوس وطنه وحيدا فاصيب بذات السرطان في العام 1992. وكتب خلال مرضه وانتظار موته أروع أعماله بعد توقف عن الكتابة لسنوات.
في عام 1993 كتب يوم من زماننا ومنمنمات تاريخية.
في عام 1994 طقوس الإشارات والتحولات وأحلام شقية.
في عام 1997 كتب الأيام المخمورة.
ومن أعماله السابقة:
عام 1990 كتب مسرحية الاغتصاب التي أثارت جدلاً كبيراً في حينه.
عام 1971 كتب مغامرة رأس المملوك جابر.
عام 1973 سهرة مع أبي خليل القباني.
عام 1978 الملك هو الملك ورحلة حنظلة.

يعتبر ونوس رائدا من رواد الحركة المسرحية الحديثة، والذي تعامل مع التراث معاملة عقلانية تتسم بالثقافة العميقة والاستنارة الفكرية, وهو من الكتاب القلائل الذين حملوا هموم الوطن وأحلامه وامتلكوا القدرة على استشراف المستقبل, ودعوا إلى الخلاص مما هو فيه من تخلف سياسي واجتماعي.

وقد اعتبر وبحق من أعظم كتاب المسرح العربي في تاريخه، ويكاد يكون الوحيد، بعد توفيق الحكيم، الذي تترجم أعماله إلى لغات عالمية، على الرغم من محلية موضوعاته, إلا أنه خرج بها إلى العالمية بورقة الإنسان العربي وموقفه من الكون. لم يعطنا ونوس دروسا في كيفية الكتابة المسرحية، بل علّم دروسا في كيفية كتابة سطور الحياة. فهو أصدق المسرحيين حساً بالواقع الوطني السياسي الاجتماعي. فقد داهمه الإخطبوط السرطان الذي أراد أن يلوي عنقه, فأمسك ونوس بأذرعه ولواها، وراح يكتب أجمل أعماله: يوم من زماننا، طقوس الإشارات والتحولات وأحلام شقية. كتب هذه المسرحيات وهو يعاني من آلام مبرحة تهد الجبال, فظل ونوس يسقينا شهد الإبداع، فما بكى ولا راح يشكو آلا مه وحظه إلا للقلم والورق.

كتب كلمات مريرة كانت قد تولدت من تجربته حتى النخاع، في هذا الواقع الذي نعيشه, ولكن كتاباته للمسرح وعنه لم تكن تنبع إلا من رجل يحرق نفسه بالنار من أجل الآخر.. الوطن والناس.

سعد الله ونوس رسول المسرح ومبدع مسرح التسييس. فمسألة التسييس نقطة محورية في مسرح ونوس، أي تسييس الجمهور وتفعيل الحركة باتجاه التقدم. هناك صداقة بين الكاتب (ونوس) والمسرح. يقول: "إن المسرح في الواقع هو أكثر من فن, إنه ظاهرة حضارية مركبة سيزداد العالم وحشة وقبحاً وفقراً ولو أضاعها وافتقر إليها. ومهما بدا الحصار شديداً والواقع محبطاً, فإنني متيقن أن تضافر الإرادات الطيبة, وعلى مستوى العالم، سيحمي الثقافة ويعيد المسرح ألقه ومكانته.. إننا محكومون بالأمل"...

رحل الكاتب والمسرحي الكبير في الخامس عشر من أيار في العام 1997

أهم ما قيل عن سعد الله ونوس:

"رحل سيد المسرح العربي لكن سنين طويلة ستمر قبل أن تنجب الأمة رجل مسرح له قامة ونوس, حضوره وإبداعه سواء في الكتابة الدرامية أو في سعيه الحثيث للتنظير للمسرح العربي، أو في علاقاته الحميمة والداخلية مع الوجع العربي ومع الإنسان العربي، ومع هم الوطن أو جرأته في التنقيب عن عمق مشاكل المجتمع، وقدرته على التقاط المسائل الأهم، ووضع الإصبع فوق الجرح تماماً, ومحاولاته الفذة لكي هذا الجرح، لأنه كان يرى بعمق أن مهمة المسرح ليست الترفيه أو التسلية، بل التوعية، لا بالمعنى العابر للمفردة، بل بما تحمله من مقدرة على إثارة التساؤلات وتحريف الفكرة، وملامسة هموم الوطن وخلق علاقة داخلية دافئة وعميقة بين الفن المسرحي، كفن بصري, وبين الفلسفة والسياسة والمجتمع والتاريخ".

وقيل أيضاً:
"الكلمات تضيق..
كأس زجاج يعترض نبع ماء..!
الكلمات تذوب ..
والاسم سعد الله ونوس يقدم نفسه دونما ألقاب...
لا يصح الحديث عن علاقة سعد الله ونوس بالكتابة، فكلمة علاقة توحي بوجود طرفين، وسعد الله ونوس والكتابة طرف واحد, فالكتابة لونوس كما الظل للجسد والحرارة للنار!
الصفاء والعمق, الجرأة والنزاهة، تلك هي أهم مزايا سعد الله ونوس المبدع الإنسان، فهو الوحيد من بين كتاب المسرح العربي الذي يجرؤ على أن يعلن بالصوت العالي ما يهمس به لنفسه في أحللك الليالي".

مهما قيل ومهما كُتب عن هذا الكاتب العظيم لا نوافيه حقه، لأنه بالفعل رجل أحرق نفسه ليعطي للآخرين نوراً.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات