بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
مَن يعمل على إجهاض -الثورات- العربيّة؟
  10/12/2012

مَن يعمل على إجهاض -الثورات- العربيّة؟

 موقع الجولان / وهيب أيوب



في وعينا الفكري والسياسي، نُدرِك أن تاريخ الثورات في العالم دائماً كان مُرتكزاً على أُطروحات فكرية وثورية، مهّدت لتلك الثورات عبر مفكرين وفلاسفة ومثقفين، أشبعوا الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي دراسة وبحثاً وتفكيراً وأدلجة، فاندلعت تلك الثورات تقودها فئات تحمل في وعيها المُسبق صورة ورؤيا أيديولوجية شبه متكاملة عن الأهداف المراد تحقيقها من خلال الانتفاض على الأنظمة السياسية التوتاليتارية القائمة. هذا ما حصل منذ الثورة البريطانية عام 1688، مروراً بالثورة الفرنسية عام 1789 ومجمل ثورات أوروبا فيما بعد، وصولاً إلى الثورة البلشفية بداية القرن العشرين 1917، ثم الثورة الصينية وسواها من ثورات القرن العشرين.
وبخلاف كل ذلك، فإن "الثورات" العربية فاجأت نُخبها الفكرية والسياسية والثقافية التي كانت فاقدة الأمل بالتغيير، إضافة لابتعادها عن نبض الشارع وهمومه وقصورها المُبين في تأسيس مرجعية فكرية متماسكة، تكون قادرة على انتهاز فرص التغيير وقيادة الجماهير المحقونة أساساً، مما جعلها عاجزة تماماً عن توجيه وقيادة تلك الانتفاضات الشعبية والسير بها في تحقيق أهدافها وغاياتها التي انتفضت من أجلها.
لهذا، فإن سير الأحداث في "الثورات" العربية كان فيها الكثير من العفوية والفعل الارتجالي غير المخطط والمدروس، باستثناء شعارات عامة استقتها من الانتفاضات التي سبقتها وأهمها "الشعب يريد إسقاط النظام".
إذاً، كانت تلك "الثورات" الشعبية، المنتفضة بشكل أساسي على الظلم والاضطهاد الذي كانت تعانيه من أنظمة فاشية استبدادية، بعضها دمويّ إلى حد فاق كل التوقعات والتصورات؛ أمثال نظام الأسد في سوريا، خاصة أن الصراع بين السوريين ونظام الأسد امتدّ حتى الآن ما يقارب العشرين شهراً دون أي حسم. وبغياب الرؤيا الواضحة للثوار والمعارضة على حدٍّ سواء، فإن المجال والأبواب كانت مُشرّعة لكل من هبّ ودب إقليميّاً وعربيّاً ودوليّاً ليدلي كل منهم بدلوه ورؤاه الخاصة التي تخدم توجّهه وأهدافه ومحاولة تحقيقها في الداخل السوري.
منذ اللحظة الأولى لاشتعال الاحتجاجات في تونس ثم امتدادها لأكثر من قطر عربي، أثار حفيظة وفزع الباقين من أنظمة الاستبداد وخاصة دول الخليج العربي، وعلى رأسهم المملكة السعودية، فسارعت إلى احتواء تلك "الثورات" بشتى الوسائل سيما في اليمن القريبة منها، ثم لم تتوانَ عن إرسال قوات ما يُسمى "درع الجزيرة" لقمع وإجهاض الثورة البحرينيّة التي رأت فيها أعظم المخاطر على نظامها الملكي الاستبدادي، والذي نستطيع وصفه أنّه أسوأ أنظمة الحكم في العالم وأكثره تخلّفاً واضطهاداً لحقوق الإنسان والمرأة. فأخذت بضخّ الأموال على الحركات الإسلامية السنيّة الجهادية بُغية تحويل مسار تلك "الثورات" عن أهدافها والتحكّم في مسارها، بعد أن فقدت الأمل بإجهاضها وإيقافها، والكل يعلم أن النظام السعودي حاول في البداية دعم نظام الأسد بمليارات الدولارات علّه يستطيع إسكات الأصوات المنادية بسقوطه من خلال إجراء بعض الإصلاحات الشكلية، استشعاراً بالخطر القادم إليها فيما لو نجحت الثورة في سوريا ومشت بأهداف إقامة دولة ديموقراطية علمانية، وهذا ما لا يمكن للملكة السعودية التسليم به، فعكفت سريعاً على دعم الحركات الإسلامية، تنافسها قطر بإسلاميين آخرين.
من يستمع لـ "الجزيرة" القطرية هذه الآونة في تغطية ما يجري في مصر، لأدرك دورها الإعلامي القذر في مناطحة الحق "على عينك يا تاجر"، ووقوفها الوقح إلى جانب محمد مرسي والإخوان المسلمين في أزمة الإعلان الدستوري الذي يجعل من مرسي والإخوان وصايا على الشعب المصري وإنتاج ديكتاتورية رجعية متخلّفة، أشدّ وأكثر رعباً من نظام مبارك الساقط.
إن تخلّي العرب والمجتمع الدولي عن الشعب السوري وتركه لمصيره وما يتعرّض له من قتل وتعذيب ودمار، وقصور المعارضة السورية في الخارج وتناقضاتها واختلاف توجهاتها، جعل للقوى الخارجية دوراً أساسيّاً في توجيه الثورة والذهاب بها إلى حيث يريدون، من خلال المال والتسليح، الذين غالباً ما يصبّان في أيدي الكتائب ذات التوجّه الإسلامي والطائفي على وجه الخصوص.
منذ يومين، رأيت مظاهرة حاشدة في إدلب يُطالب المتظاهرون فيها بإقامة دولة إسلامية ويشتمون المجلس الوطني والائتلاف الذي نشأ مؤخّراً. كل هذا يبدو لنا واضحاً أن دول الخليج وعلى رأسهم السعودية وقطر ضالعون تماماً في تغيير مسار الثورة وشعاراتها التي انطلقت بها في 15 آذار، والتي كانت تطالب بدولة مدنية ديموقراطية وتهتف "واحد واحد واحد الشعب السوري واحد".
إن المزيد من المماطلة التي تتّبعها إدارة أوباما وأوروبا عن سبق إصرار وترصّد، بعدم السماح للجيش الحرّ بحسم المعركة لصالحه من خلال عدم تزويده بالأسلحة اللازمة دليل على تقاطع وتساوق الأهداف السعودية والأميركية ومن معهما بُغية تمكين الحركات الإسلامية التي تتبع السعودية وتُطيعها بأن يكون لها الدور الأساسي في مستقبل سوريا كما في مصر وغيرها، من الذين يرشفون من البترو- دولار السعودي القطري، وبذلك تكون تلك "الثورات" مجرّد اسم على غير مُسمى. فوصول الإسلاميين إلى الحكم في الدول العربية، وعلى غير ما يتوقعه الكثيرون، سيكون في مصلحة أميركا وإسرائيل وليس العكس، فهؤلاء سيكونون القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في تلك الدول ومجتمعاتها وتؤدّي إلى تقسيمها، وهذا ما يُطرح في مصر اليوم، الحديث عن التقسيم علناً لأول مرّة في تاريخ مصر، هذا أوّلاً...
وثانياً، تعلم أميركا وإسرائيل علم اليقين أن إقامة دول على أُسُس دينية يخدم مطالب إسرائيل كدولة يهودية، وثالثاً، أن الإسلاميين غير قادرين على إحداث تطور ونهضة اقتصادية حقيقيّة في دولهم مع هكذا فكر رجعي متخلّف تقنيّاً وحضارياً، غير الصراع الذي ستخلقه تلك الحركات وتُشغِل فيه شعوبها ربما لعقودٍ طويلة، هذا ما يتبدّى لنا حتى الآن في كل الدول التي فازوا بها وتربّعوا على برلماناتها وحكوماتها.
على الرغم من قناعتي أن نظام الأسد المجرم هو أسوأ من أي أصولية وسلفية على وجه البسيطة، وإسقاطه يبقى أولوية لا رجوع عنها، إلا أن الشعب السوري يستحق دولة علمانية عصرية لا دولة إسلامية أو دينية من أي نوع أو لون، فلدى الشعب السوري ما يكفي من ثقافة وحضارة ووعي لأن يقوم من خلال ثورته هذه، في خطوة إلى الأمام وليس الارتداد، وأن يعلم كيف يتصدّى للمتربصين به من كلِّ حدبٍ وصوب، من عربٍ وعجم، لحرف ثورته عن مسارها الحضاري أو محاولة إجهاضها
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات