بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
المرأةُ هي البوصَلة
  04/03/2013

المرأةُ هي البوصَلة


 موقع الجولان / وهيب ايوب


أرى من واجبي وفهمي لمعناها، أن أضعها بين هلالين، "الثورة"، فيما خصّ ما يجري في دول ما سُمّي "الربيع العربي"، محصورة بين هلالين أيضاً؛ حتى يبان الخيط الأبيض من الأسوَد، وحتى يتضّح وضع المرأة في هذا "الربيع" المزعوم. وفكُّ الهلالين مرتبط بشكلٍ أساسي بمدى ما قد تؤول إليه تلك "الثورات"، وإن يكن حتى الآن، أن ما نشاهده ونسمعه لا يُبشِّر بالخير!
لو نظرنا إلى واقع الدول المتقدمة والمُنتِجة في كافة شؤون الحياة: أوروبا، أميركا، اليابان، كوريا الجنوبية، الصين، وسواهم، لوجدنا أن دور المرأة في تلك المجتمعات دور أساسي ومساوٍ للرجل، وأن مستوى الأميّة فيهم منخفض جداً، بخلاف ما نطالعه حتى الآن في العالم العربي التي تبلغ نسبة أميّة النساء فيه نحو 60% ونسبة الفتيات خارج نطاق التعليم 70%، وذلك بحسب دراسة أجرتها الدكتورة ماجي الحلواني عميدة كلية الإعلام في جامعة القاهرة، ناهيك عن ارتفاع مستوى الأميّة عموماً بين الذكور والإناث إلى 30%، في ظل غياب برامج جدية لتقليص النسبة إلى مستويات تواكب الدول المتقدمة، سواء في العالم الغربي أو الشرقي، مِما يُدلّل على فشل الأنظمة القومية والملَكية الشمولية الديكتاتورية التي سادت العالم العربي في العقود السابقة.
المُثير للصدمة أيضاً، تعاظم انتشار ظاهرة التحرّش بالنساء والاغتصاب والزواج من القاصرات في المجتمعات العربية، وكأن المرأة هي دائماً مكسر عصا للذكر ولللأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولمعضلة الكبت الجنسي المستشرية في تلك المجتمعات والتي تدفع المرأة فيها الثمن، من خلال إيذائها نفسياً وجسديّاً والحطّ من شأنها ودورها في بناء الأسرة والمجتمع. ما يدعو للدهشة أكثر، أن نسبة المُحجبات ممَن يتم التحرّش بهنَّ تبلغ 72%، بحسب تقرير المركز المصري لحقوق المرأة، الأمر الذي يفقأ عين الإخوان والسلفيين بأن أسباب التحرّش تعود للباس الفاضح الذي ترتديه النساء، ويوضح بشكلٍ قاطع أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير، وهي تتعلّق أساساً بالتربية الذكورية الشائعة في المنازل والمساجد والمدارس، والتحريض الدائم على المرأة ومحاولة إخضاعها للرجل وحصر مهامها في إطاعة أوامره. ثم لا يمكن ربط تلك الظاهرة الخطيرة إلا بجملة أسباب مُجتمِعة، الجهل والفقر والبطالة والتخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي وفشل التنمية وتردّي مستوى ومناهج التربية والتعليم.
صعود الإسلاميين إلى الحكم وإعادة اجترار الماضي السلفي، سوف يؤديان إلى تعميق هذا الكبت الجنسي وزيادة ازدراء المرأة وتهميشها وإقصائها عن القيام بدورها في المجتمع بكافة المجالات، وهذا يُعدّ انتكاسة للخلف ورِدّة خطيرة.
إن تحرير المرأة من تحرير الرجل، ولا يُمكن السير في مسألة تحرير المجتمع بقدمٍ واحدة، ولا يمكن تحرير المرأة كما الرجل سوى بنضال مُشترك، فالعلاقة جدلية ولا يُمكن الفصل بينهما. إلا أن مضاعفة الجهود بين كافة التيارات اليسارية التقدمية والقوى الليبرالية والعلمانية الديموقراطية لمواجهة هذا المد الأصولي الإسلامي الظلامي، بات ضرورة أكثر من أي وقتٍ مضى، وتلك المواجهة ليست من أجل تحرّر المرأة فحسب بل من أجل تحرير المجتمع برمّته وخاصة الحريات الشخصية والتي هي أساس كل تحرّر.
تخيّلوا ما قاله قاضي قضاة قرطبة الفيلسوف ابن رشد قبل ثمانية قرون:
"في رأيي، أن النساء ما دُمن من أفراد الجنس البشري فهُنّ يشتركنَ بالضرورة في تحقيق غاية الإنسان، وهي تعمير الأرض والارتقاء بالحياة البشرية، ولن تختلف النساء عن الرجال في تحقيق هذه الغاية، إلا من حيث الدرجة الأكثر أو الأقل مثلما تختلف بين الرجال، ويستطعنَ أن يُصبحنَ من القضاة والفلاسفة والحكّام أسوة بالرجال".
التكفيريون الذين أحرقوا بالأمس البعيد كُتب ابن رشد في ساحة قرطبة وطردوه بعد أن أحرقوا بيته أيضاً، مُهتدين بتعاليم شيخهم أبو حامد الغزالي في تكفير الفلاسفة، يقوم أحفادهم اليوم بإعادة إحياء تلك الهمجية التي كانت في الماضي أحد أهم الأسباب في انحطاط العرب والمسلمين وصعود الحضارة الغربية.
في الحقيقة، لا يُمكن تحقيق أي تقدّم سواء على صعيد حريّة المرأة أو سواها في ظل حكم المتعصبين الجهَلَة الذين يعلنون عداءهم جهاراً نهاراً للحريات، ويكفّرون أعمال الإبداع وكافة أنواع الفنون من رسم ونحت وموسيقى وسينما ورواية وفكر، لا بل يقومون بتدمير الرموز القديمة وتشويه بعضها الآخر. في مصر، قاموا بتدمير تمثال عميد الأدب العربي طه حسين، ثُمّ غطّوا وجه تمثال أم كلثوم بالنقاب، كما اعتدوا على أوابد فرعونية قديمة. وفي سوريا، قامت جهة أصولية متطرفة أيضاً بقطع رأس تمثال فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة أبي العلاء المعري في معرّة النعمان.
شيوخ الظلام هؤلاء، يقومون بإصدار الفتاوى بالقتل والتحريم والتكفير دون أي رادع أخلاقي أو قانوني وقضائي، فهل يمكن بناء دولة حضارية متقدّمِة بعقولٍ رجعية متخلفّة، وهل للمرأة دور ومكان بين هؤلاء…؟
يبدو لي أن الصراع سيستمر في تلك المجتمعات، وسيأخذ أشكالاً ومضامين تختلف عمّا كان في مرحلة إسقاط الأنظمة الديكتاتورية، فقد ثبت أنّها مجرد البداية، وأن الصراع الحقيقي حول بناء دولة علمانية ديموقراطية حقيقية وفصل الدين عن الدولة قد بدأت بوادره الآن، وإن لم تكن بهذا الوضوح، فالطريق خطرة ووعِرة وقد تُكلّف أرواحاً ودماءً أكثر مما يتوقعه البعض، وعلى ضوء مستقبل هذا الصراع المرير سوف ينقشع وجه المرأة الذي سيكون البوصلة الحقيقية في وجهة تلك المجتمعات.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات