بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
هي و بيتها
  04/03/2013

هي و بيتها

موقع الجولان / محمد بدران


أخبرها الطبيب بان قدمها لم تعد كما كانت من قبل فقد أصيبت بشظية و عليها أن ترتاح وتستسلم للقدر و تأخذ العلاج المناسب و إلا.... فلن يرحمها ألم قدمها و سيؤذيها ، لم تستطع ان تبكي وكانت دموعها تنحبس في مقلتيها ولم تستطع أن تصرخ و يكاد صوتها يختنق في جوفها ولم تستطع أن تظهر وجعها و يكاد تأوهها ينبلج في حلقها ، وكانت تسمع لأقوال ونصائح الحكيم وتومئ برأسها له بينما كانت خواطرها تجول فيما ألمًّ بها و بباقي السوريين من بلوة ، و بالها مشغول ببيتها الذي افنت عمرها لأجله وقبلت بأن تتزوج من عامل نسيج بسيط لاتكاد ثقافته تتجاوز الأبتدائية لأجل ذلك البيت الجاهز ، رغم أن أسرتها كانت فقيرة كباقي الأسر النازحة من الجولان ولكنها كانت مدللة و سعيدة ، ذلك أن اهل بلدتها كانوا يتنافسون في أسعاد أولادهم والبنات منهم خاصةً، وقد كانت تزهو بثقافتها و بشهادتها التي حصلت عليها من المعهد العالي للموسيقا

وتذكرت كيف كان خصرها النحيل يرقص على كل الأنغام الموسيقية و كانت تميّـز كل رقصة شرقية كانت أم غربية ، و تذكرت أن زوج خالتها البعثي الكبير وظـّفها في مدرسة نموذجية و صار لها راتب جيد و تذكرت أن العديد من الشبان كانوا يلاحقونها و يتمنون منها نظرة واحدة وكان ذلك مبعث سرورها و سعادتها و لم تكن تعلم ماتخفيه الأيام لها من تعاسة و شقاء ، وتذكرت كيف أنها فضلت العامل البسيط على المهندس و على الشرطي و على غيره من الشبان ، كانت تقول أنه كان وسيماً و رشيقاً وهو ما جعله يتفوق عليهم...،

وعليها أن تنسى قليلاً ربما التطنيش و النسيان قد يخفف قليلاً من ألمها ، وقد نزحت من بيتها الذي تحبه كبقية الناس الذين نزحوا نحو المدينة و لكن قلبها ظل معلقٌ في جدرانه و زواياه وما أن سمعت أن البعض عاد فسارعت إلى العودة وكانت تقول أن جدران بيتها مليئةٌ بالدفئ و الحنان و رغم القصف و القذائف الممطرة كانت تقول أن جدران بيتها أكثر أمانًاً من كل الدنيا ، كان البعض يقول" لن ننزح مرتين ولن نهجر إلا على القبور"

 و كان ذلك يمنحها زخماً غريباً و تصر على التمسك ببيتها و رغم أن الحي الذي تسكن فيه لاحياة فيه إلا للقذائف ولم يعد هناك فرن يخبز الخبز ولا جزار يبيع اللحم و لا بقالُ يفتح دكانه و لاحتى زبالٌ ينظف القمامة حتى المسجد اغلق أبوابه و لم يعد يسمع آذان الصلاة وما بقي في الحي سوى القطط و الذباب و صرير التنك لقد أصبحت الحياة مخيفة بل لم يعد هناك محل لها ، وتصر هذه المسكينة على الخروج من الحي تحت وابل من القذائف العشوائية و تفتيشها في كل مرة من الحواجز العديدة و عند عودتها إلى الحي تلاقي ما لاقته في كل مرةٍ وكان لكل حاجز قوانينه الأعتباطية فهذا الحاجز يصادر الطعام و الخبز بحجة مساعدة المسلحين في الداخل،و هذا الحاجز يقوم بمصادرة الجوالات و هذا الحاجز يعتقل البنات الصغيرات و هكذا..

 فأصبح كل شئ محظور حتى الحياة نفسها حتى قيل الخارج من بيته مفقود و العائد مولود هذا ماقاله الجميع ، ورغم أنّ أغلب الناس خرجت و سكنت خارج الحي بغرفة أو تحت سقف شادر أو حتى داخل صندوق سيارة شاحنة أو حتى في مداخل الأبنية القريبة ، و يتردد أنباء أن المسلحين سيقومون بحرق بيوت أتباع النظام و شبيحته فتسمع تلك المسكينة فتعود هي و أولادها الصغار متوسلة من الله ان لا يصيب بيتها أي أذى و إلى الشباب المسلحين كذلك ، و رغم أن الجميع كان ينصحها بعدم العودة إلى الحي التعيس ولكن قلبها كان معلقٌ هناك و كانت أحوال الحي تزداد سوءً وكانت أخر مرة غادرت بها الحي أنه لم يبقَ فيه إلا المسلحين من الطرفين يتناوشون القذائف فيما بينهم ،

 و خرجت تلك المسكينة مع أطفالها تحت وابل من الرصاص ، ولم يعد يسمع غيرأصوات القذائف و نباح الكلاب المنتشرة في شوراع المدينة و كان بكاؤههم و صراخهم هو الشئ الوحيد الذي يشعرهم بأنهم على قيد الحياة و بأنهم يسيرون حقاً ، خرجت من حيها و قلبها معلق هناك و هي تدعو ربها أن يبقى بيتها سالماً هي سمعت كغيرها أن الحي سيهدم كغيره من الأحياء الفقيرة التي تقع على اطراف المدينة ، و تركت ورائها العديد من الأسئلة ؟؟

 فهي لم تعي الكثير من الأمور ولاتعرف مصير زوجها المفقود منذ شهور و لامصير جيرانها ولا مصير بيتها او حييها الذي احبته !!! لقد كانت الدنيا مشهدُ رعبٍ حقيقي دخانٌ كثيف يتصاعد من كل مكان منها ما يتصاعد إلى الأفق حتى يلامس غيوم السماء ، ومنها ما يزال أسوداً مظلماً يشعرك بأنه حرقَ كل شئ ومنها يبدأ بالتصاعد و يخيم على المكان الذي يتناثر الغبارمنه يوحي إليك بأنه دمر بناءٌ كبير ، و روائح الموت في كل مكان و بعض الدماء جفت على الجدران و الأسوار و بعضها لايزال يسيل في الشوارع و قد اصبح منظر الجثث البشرية مالوفاً في الشوارع و على جنبات الطريق وبعض الجثث تبقى لأيام حتى تنهشها الكلاب المسعورة ، لا هواء نقي في بلادنا فالهواء هو روائح البارود و القذائف المتناثرة ، و صقيع شهر شباط المعروف يجبرك على تدفئ جسمك كي لايتجمد الدم في بدنك فتظطر للحركة المستمرة فيما لو كانت الكهرباء مقطوعة مع غياب كافة أنواع الوقود و محظوظ من لديه مدفأةٌ من الحطب ، سورية أصبحت بلاد العجائب و الغرائب فعجائبها و غرائبها قصص الجرائم و القتل و الدمار الذي يحل بهذا الشعب المسكين ، لقد حل الحزن في بلادنا و حلّ الخراب و الدمار و حلّت الفوضى و حلّ كل شئ هو سئ و أكثر من السئ .


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات