بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
هل من نظرة لوجه الحق المشرق؟
  20/05/2006

هل من نظرة لوجه الحق المشرق؟

الشيخ مجد الحلبي

بسم الله الرحمن الرحيم
"يوم يسمعون الصيحة بالحق، ذلك يوم الخروج". "إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير" صدق الله العظيم سورة ق42/43 . وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم، فله الحمد المقيم العميم "لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم" فهو الموجود قبل الوجود بلا بداية ولا تحده نهاية سبحانه وتعالى، ما زال ولم يزل لغايات الوجود غاية.
لما عجزت عن إدراكه العقول والحواس، تفضّل على خليقته بالإيناس مخاطباً لبني الإنسان والدليل في معجز القرآن "ألست بربكم قالوا بلا شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين" الأعراف172.
والسلام على حملة عرشه الثمانية المقربين، وصلاته على سيد المرسلين والنبيين الصدّيقين ورحمته على أوليائه الموحدين إلى يوم الدين آمين...

اللهم طهر نيتي لوجهك الكريم في مقالتي هذه رحمة لفقري لأغنى... فإن فيها إشارة لوجه الحق المشرق والحق من أسمائك الحسنى... وفيها شكر ٌ لعبد أوضح حقاً فأخمد باطلا... فالشكر واجبٌ لفضل الشيخ ألمعروفي لمعروفه الذي أسداه شاملاً.. في مقاله(هكذا سقطت الأندلس) المدعّم بشواهد التوثيق.. من العلم النقي الدقيق.. الموضح للنور الحقيق.. كالنحل يجوب في نزهةٍ حول أزهار الأفكار لجلب الرحيق.. فكان مستقيا من أنقى ينابيع المصادر.. فالتحمت مياه ينابيع علمه في مقاله كالنهر الهادر.. فأثبت صدق المثل العربي (الحق يعلو ولا يُعلى عليه)، وفي إشهاره للحق ابتعاد عن الإساءة كما يؤكد المثل اليوناني (من يمارس حقه لا يسيء إلى أحد) ومن هذه صفته يقرب من الله تعالى كما قال الحكيم بزر جمهر(من طلب الحق قرُب من الله تعالى، ومن طلب الباطل لم يُصب) وهذا غاية الشرف كما قال ابن سينا (نصرة الحق شرف ونصرة الباطل سرف)، والناطق بالحق فهو منصف من نفسه شجاع كما قال سقراط الحكيم(ع) (قل الحق وإن كان عليك) (والحق أحق أن يتبع) ومن رفض الحق صُرع كما قال الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهة) (من صارع الحق صرعه)، والأكثر جمالاً ما قاله الرسول (ص) (دعوه فإن لصاحب الحق مقال) والأعظم ما قاله الله تعالى "وقل الحق من ربكم" الكهف29.
فهل من نظرة إلى نور أسلافنا الأنبياء والحكماء الفلاسفة العظام؟ أم ما زلنا نُؤثر البقاء في الظلام.. وإشهار أصابع الاتهام.. ونسيان أنفسنا بلا لجام؟

نبدأ بأنبياء العرب الكرام... الذين أجابتهم الطبيعة حين دعواهم على ما ُيرام.. فهم العلماء الحقيقيون الذين يخشون الله تعالى "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ" فكل من على وجه الأرض لا يخشى الله تعالى ليس بعالم. طبعاً لأن من لا يعرف نفسه لا يعرف ربه. فكان أولهم نبي الله هود عليه سلام المعبود "وإلى عادٍ أخاهم هود، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مُفترون" الأعراف65- المفترون تعني المعتدين فكل شخص لا يؤمن بمولاه يعيش بداره ويأكل رزقه وثماره ويعصيه بإصراره سمي مفتري. فلما طغوا وتجبروا كانت نهايتهم قوله تعالى "وفي عادٍ إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم" "ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم" الذاريات41/42 وفي ذلك أنظم شعراً:

كم مر من عِبَرِ الآيات إن تُليت  
  من مخلصٍ خر مغشياً لها الطودُ
هنا بحيرة لوطٍ فهي ماثلةٌ  
  والريح أفنت لعادٍ إذ دعا هودُ

ثم أنعم الباري المعبود بالنبي صالح عليه السلام المرسل إلى ثمود، فكذبوه وطلبوا آية فكانت الناقة "هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذابٌ أليم" الأعراف73 فلما عقروها "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين" الأعراف78.

وبعد حين بزغت شمس نبي الله شعيب عليه السلام عالم الغيب، خطيب الأنبياء "وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط" هود84 واستمر يدعوهم برفق ولين مدة من السنين إلى أن "قال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون" "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين" الأعراف90/91. وفي ذلك أقول:

شعيبٌ نبيٌ صادقٌ ومؤيدٌ  
  دعا قومه لله توبوا ووحّدوا
فقد أنكروا الرحمَن كفراً مؤكداً  
  فمن صيحةٍ ماتوا، بنارٍيُسرمدوا

وبعد فترة ظلامٍ أشرق النور من جديد (إن النور جاء إلى العالم) وإطلالة شمس السيد المسيح يسوع الذي بهر الخليقة بالمعجزات... فاحتاروا فيه وقالوا هل يسوع صانع أم مصنوع!؟
وسلامه على سيدنا شهيد الحق والتوحيد السيد يوحنا الذبيح، والحواريين القديسين الثلاثة المصابيح، فبشروا بعده بإطلالة شمس الإسلام في حِندس جاهلية الظلام... وظهور خاتم الرسل الكرام (ص) المفصح بالتوحيد والتنزيه لباريه فكانت معجزة القرآن بالتنبؤ عمّا انطمس من تراكم غبار الآلاف من السنين وإخباره عن الأولين والآخرين.
وكانت معجزة وقعة الخندق ولادة للإسلام.. وإشهارٌ لعبادة الباري العلاّم.. بتأييد جليّ من الصحابي الجليل سلمان
عليه السلام فهبت الرياح العاتية على الأكثرية المشركين والدليل"يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ، فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا" الأحزاب9.
ثم أ ستغرب تمام الاستغراب لمن أشاح بوجهه عن الوجه المشرق لفلاسفة التصوّف... الفائقين بالزهد المشرِّّف ... مثل سيدنا أبي القاسم الجنيد(ر) وسيدنا أبا أبي يزيد البسطامي(ر) والعارف المعروف سيدنا معروف الكرخي(ر) والملك الزاهد إبراهيم بن أدهم (ر) والست رابعة العدوية(ر) ... والكوكب الوهاج سيدنا الحلاج (ر) الذي علاه الابتهاج على ساحة إعدامه فمن جملة ما قاله (وهؤلاء عبادك اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك وتقرباً إليك فأغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتُليت بما ابتُليت، فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما تُريد) وحين بُترت يداه ورجلاه وهو ينزف فمسح وجهه المصفر بالدم وصلى وقال(ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم) .

فهؤلاء بعض من الفلاسفة الأنبياء.. والحكماء العرب الأولياء... فهم لنا في التربية كالآباء.. فهل يُعقل أن نعاديهم وننسى ماضينا وماضيهم.. فما يعاديهم إلا من كان كالولد العاق.. فحذارِ حذار من تلبيس وجه النفاق.. على أولياء الحق أصحاب المعرفة أللدنية والإشراق.. فنقاء تيجانهم ناصعة عبر الدهور.. كثلج جبل الشيخ الشامخ في الأفاق يُرى فقط لمن يَرى.وفي ذلك أقول:

الحقّ كالشمس للأبرار مُتضحٌ  
  فما يرى أبداً ذي الأعين الرمدِ

وليس كل من حفظ علماً كان تقياً إن لم يكن أمره (قولاً باللسان وتصديقاً بالجنان والعمل بالأركان) فالحذر الحذر من مصيبة الجهل كما قال سيدنا هرمس الحكيم وهو النبي إدريس عليه السلام (أعظم الناس مصيبة في الدنيا والآخرة من لم يكن له لا عقل ولا حكمه ولا له في الأدب رغبة) وفي المعنى قيل شعراً:

لا تصاحب العالم بغير تُقى  
  ولو أنه حفظ علم إدريس
ولو كان العلم فخرا بغير تُقى  
  لكان أول خلق الله إبليس

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات