بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
في نبذ العنف
  29/03/2013


في نبذ العنف

موقع الجولان /بشار طربيه



قبل بضعة أيام سمعنا جميعا بالاعتداء الجسدي ضد إبنيّ الجولان هايل وعصام إبراهيم خلال مراسم تعزية في مجدل شمس من قبل أحد قادة ورموز حزب البعث في الجولان بعد أن احتجا على اللغة التي استعملها والتي تنص ما معناه أنه وحلفائه قريبا سيدوسون على رأس كل من يعتبر نفسه معارضاً لنظام بشار الأسد في الجولان المحتل. وعلى ضوء الاعتداءات المتكررة والمتزايدة باضطراد على داعمي الثورة السورية في الجولان فإن هذه الحادثة تستحق التعقيب عليها لأنها جاءت لتكلل قفزة نوعية في ممارسة العنف غير المشروع من داعمي النظام السوري في الجولان.

للأمانة وتجنبا للتعميمات الفجة، لا بد من التأكيد أن ليس كل من يدعم النظام السوري في الجولان يؤيد أو يمارس العنف وتخوين الآخر. لكن، وللأمانة أيضا، فإن ما ينطبق على كثيرين من مؤيّدي هذا التيار لا ينطبق على السواد الأعظم من رموزه وقادته الذين مارسوا على مدار أكثر من عامين التحريض والتخوين الممنهج ونفي الآخر كما تشهد لهم مواقفهم من تصريحات وبيانات وممارسات على الأرض، وبالتالي فإنهم يتحملون مسؤولية هذا العنف الى جانب منفذيه.

خطورة هذه الحادثة لا تكمن في الاعتداء الجسدي بعينه، فهو لم يرتق الى محاولة قتل كما هو الحال في الهجوم على السيد محمود عماشة في بقعاثا قبل شهور. في الاعتداء السابق ادعى مؤيدوا بشار الاسد بأن مرتكبي تلك الجريمة هم مجموعة من الشباب الطائش ولا علاقة لهم بها، وهو ادعاء لا يمكن لهم توظيفه في تفسير الحادث الأخير. طبعا إنكارهم لمسئوليتهم في الاعتداء على السيد محمود عماشة غير مقبول باعتبار حملة التحريض والتهديد التي شنوها ضد كل من يدعم الثورة في الجولان، وبدون خجل أو مسؤولية خصوا فيها بالذكر الأسير وئام عماشة لإعلانه دعمه للثورة وهو في الأسر مما أحرجهم والنظام السوري معهم. وعلى الرغم من أنهم كانوا ولا يزالون يصكون بيانات الولاء لبشار الأسد في كل فرصة تتسنى لهم من أفراح الى أتراح، ومن عزائم الى مآتم، لم يصدر عنهم رسميا ولو جملة واحدة تدين هذه الجريمة البشعة ومرتكبيها. لكن يبقى مهما هنا أنهم أنكروا علاقتهم المباشرة بالاعتداء السابق، وهو ادعاء غير ممكن في حالة الاعتداء الأخير احادي التفسير الذي لا ضبابية فيه لأن المعتدي هو من أهم وجهاء التيار المؤيد لنظام البعث في سوريا.

كذلك، لا يمكن قراءة هذا الحادث بمعزل عن تزامنه مع التعميم التحريضي على تصعيد العنف الذي بدأ تداوله الاسبوع الماضي بين مؤيدي الأسد في الجولان عبر صفحات الفيسبوك، وهذه نسخة عنه من صفحة مراسل قناة الاخبارية السورية السيد حمد عويدات:



إذن، وبحس أمني غير مرهف، يجاهر مؤيدوا بشار الأسد بتشكيلهم لمجموعة "جنود الأسد" ويهددون كل السوريين في الجولان بــ "التصدي بقوة" لكل من ينتقد النظام السوري المتمثل بالأسد وجيشه، و"رموز وطننا الغالي" والمقصود هنا رفع العلم السوري بعد صعود البعث وليس علم الاستقلال (أو علم الاستعمار كما يسمونه) الذي رفعه مجاهدو الثورة السورية وسلطان الأطرش لعقود. وهذا التعميم هو "تحذير" لا "تفاوض ولا تساهل ولا تعاطي" مع من يخرق محتواه. وينتهي "التعميم" بالتوقيع (القومطائفي) الظريف "جنود الاسد في الجولان / بني معروف" بدلالاته التناقضية التي بغنى عن أي تعقيب. بمسؤولية "وطنية" ليس لها سابقة في الجولان المحتل يعلن مؤيدوا بشار الأسد أن لا مواقف وسطية بعد الآن، إما معنا أو ضدنا: على بنات وأبناء الجولان إما الوقوف مع النظام الحاكم أو سد أفواههم والتقوقع في بيوتهم أو أن يعتبروا في مصاف الخونة. الغموض الوحيد الذي يحيط تشكيل مجموعة جنود الأسد "المعروفيين" هذه هو هوية المصدر المعمم: هل هو من شرق خط وقف إطلاق النار أم صادر عن "القيادة الوطنية الشريفة" في الجولان التي صهرت البعثي والطائفي والماركسي "في بوتقة اللجنة القومية الموحدة التي تأخذ على عاتقها إدارة نشاطات مقاومة الاحتلال وتأييد الدولة السورية ومقاومتها للمؤامرة المحاكة ضدها غربياً وعربيا" كما صرح قادة البعث في الجولان في نيسان العام الماضي لصحيفة "العين" الصادرة في مدينة الناصرة.

شاركنا على مواقع التواصل الاجتماعي" جولان نيوز "


ومع توغل قادة ونشطاء هذا التيار في شرذمة مجتمعنا ومع كل جرح جديد يشقونه في نسيجنا الاجتماعي يزداد استعمالهم لكلمات وحدة وموحدة وتوحد وأخواتها من المشتقات المستعملة وغير المستعملة. لذلك رأينا التيار الأسدي في الجولان يدعو الجولانيين للمشاركة في إحيائهم لذكرى الإضراب الكبير قبل ستة أسابيع حيث ستلقى "كلمة الجولان الموحدة" لأنه حتى ذلك اليوم (التاريخي) كانت كلمة الجولان التي خطها وألقاها، بتفرُّدٍ، البعثيون أنفسهم في الماضي "مشتتة" وهذا يعود ربما لأن البعثيين لم يحققوا، حتى وقت قريب، الفرز (الثوري) في القيادة الوطنية في الجولان بين واحدة إسمها "القيادة الوطنية الشريفة" المتكونة منهم وغير الشريفة من كل من يخالفهم.

حتى الاسبوع الفائت اعتمدت قيادة ونشطاء التيار البعثي منهجية التحريض الصريح والمبطن على ممارسة العنف ضد داعمي الثورة في الجولان، لكنهم الآن يعلنون بداية عهد جديد تكون ممارسة العنف فرض واجب وعمل نضالي وطني، وهو ما تزامن مع الاعتداء على أخوتنا هايل وعصام. بالمقابل يأتي هذا التصعيد الخطير أيضا تكليلا لفشل الهيئة الدينية بالتدخل لوضع حد لتجاوزات هذا التيار في الجولان. فردودها على انتهاكات ذلك الفريق، المتكررة والمتزايدة، لقواعد التعامل السلمي والمتسامح التي انتهجناها دائما في مجتمعنا الأهلي تراوحت ما بين الصمت ومحاولة ثني داعمي الثورة عن نشاطهم والتدخل الخجل "بالأملية" لدى وجهاء الطرف الآخر دون جدوى. فيما تمادى التيار الأسدي في الجولان في تصعيده للمضايقات، وفي الشهور الأخيرة أصبح كثيرون منهم يتعرضون يوميا للشبان والشابات المؤيدين للثورة في الشوارع بالسب والقذف الكلامي والبصاق وغيرها من بذاءات لم نتعود عليها، أو يمارسون هذه البذاءات والتهديد والوعيد لهم ولعائلاتهم بالاتصالات التلفونية وفي كل مناسبة ولقاء.

وللأمانة أيضا، هناك أصوات (وهي أقل بما لا يقاس) في أوساط التيار الداعم للثورة السورية التي تمارس لغة مهينة ونفيا للآخر في خطابها، لكنها تبقى استثنائية. وبخلاف التيار الداعم للنظام السوري فالتيار الداعم للثورة لا يمتلك بنية تنظيمية شبه حزبية كالطرف الآخر ولا يوجد فيه فرد أو مجموعة تحمل صفة تمثيلية لكل من فيه. ما يجمعه هو دعم الثورة ورفض استبداد الأسد وبعثه في سوريا وسلمية التعبير عن هذا الموقف داخل الجولان، وكل تفصيل خارج دائرة الإجماع هذه لا يعكس إلا موقف صاحبته أو صاحبه.

وبخلاف غيره، فإن التيار الداعم للثورة لا يدعي بأنه يمتلك الحق بتمثيل كل الجولانيات والجولانيين. لم ولن تخرج عنه تعليمات وتعميمات "الى السوريين في الجولان" ولن يشكل "مجموعة جنود" ولا حتى مجموعة طبخ، ولن "يتصدى بقوة" ولا بنعومة لأحد، فمواقفه ليست مبنية على استهداف الآخر وإنما على دعم الذات من خلال دعم الثورة. بالمقابل فإن ممارسات التيار الأسدي المستبدة والعنيفة كلاميا وخطابها التخويني النافي لكل من يختلف معها قد أحدثت شروخا في نسيجنا الاجتماعي وتزداد كمّا وعمقا كل يوم.

لو أن الجولان لم يكن رازحا تحت نير الاحتلال لقال بعضنا ليحدث ما يحدث وليكن مصيرنا أسوة بمصير أهلنا في أرجاء كل الوطن السوري. لكن واقع حالنا هو احتلال بدأ قبل أربعة عقود ونيف ومستمر إلى أمد لا نعرف نهايته، وهذا يجعل تفادي العنف وتفتيت نسيجنا الاجتماعي (بالتخوين والازدراء على أسس أيديولوجية أو سياسية أو قروية أو ذكورية) الثابت الوطني الأهم فمنه تنبع قدرتنا على الدفاع عن باقي ثوابتنا الوطنية المتمثلة بالحفاظ على هويتنا الثقافية والوطنية وعلى أرضنا، وخرق هذا الثابت الوطني جريمة لا تغتفر.

مسؤوليتنا تجاه مواطنتنا السورية تكمن في حقنا بالتعبير عن مواقفنا تجاه الأحداث المؤلمة العاصفة بوطننا ، وهو حق لا يخضع لشروط ولا خطوط حمراء من أحد، ولا تنازل عن هذا المبدأ. ومسؤوليتنا تجاه جولاننا الحبيب تكمن في وحدتنا ومقاومتنا غير المشروطة للاحتلال ولا تنازل عن هذا المبدأ أيضا. ولا يمكن التوفيق بين الاثنين إلا بتغيير قواعد اللعب الحالية التي تتميز باللامسؤولية الوطنية لدى كل من يمارس أو يدعو الى العنف والتخوين ونفي الآخر أيا كان وفي أي تيار وجد.

الوطنية ليست تخصصا يمتلكه البعض دون غيرهم ويعلمونها أو يورثونها لغيرهم، ولا تقاس بالهوية الحزبية أو بموالاة لفرد أو جماعة.

لا توجد في الجولان المحتل قامات ولا "هامات مشهود لها" محصنة من المساءلة، ونقدها السلمي بحق أو بغير حق ليس "تطاولا"،

ولا أحد في الجولان يمتلك رصيدا وطنيا (بغض النظر عن حجم تضحياته) يخوله نفي وتخوين الآخر،

ولا يمكن لأي رصيد وطني مهما كبر أن يساوي أو يغفر قطرة دم واحدة تراق في عنف داخلي بين كوادر الحركة الوطنية في الجولان.

فأحفادنا والتاريخ لن يغفروا لنا السكوت عن قول كلمة حق.



ملاحظة:
لا تقبل التعليقات على هذه المقالة  يمكن للراغبين الرد بكتابة مقالة تعبر عن رأيهم


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات