بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
لا يغير الله ما بقوم...
  22/05/2006

لا يغير الله ما بقوم

نضـال الشوفي
21\05\2006

لبعض العبارات وقع قوي على الأسماع حتى نبدو مأخوذين بصداها الذي لا يتوقف. ولعل التكرار المستمر لهذه العبارات يجعل من صداها مسموعاً على الدوام.. (على قدر أهل العزم تأتي العزائم، التغيير يحتاج إلى الإرادة الثابتة، التغيير يحتاج إلى الرغبة في التغيير) وبقدر ما نعيد إنتاج وتكرار مثل هذه الجمل، بقدر ما ندلل على أننا باقين كما نحن، لا نتغير، ولا نملك القدرة على النيل من مساعينا، فيغدو ما نفعله تجميدا لهذه العبارات في قوالب جاهزة نسترجعها في خطاب، أو ندوة، أو نقاش، أو موعظة تقول: "بان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيرون ما بأنفسهم". أليس الأجدى أن يغير الله ما في عقول الناس ليقترن التغيير إذ ذاك بالوعي، أي بوعي تحليلي نقدي للماضي القريب والبعيد، وللحاضر الماثل، نتحول به عن الرغبة المحضة في التغيير إلى الوعي بالكيفية التي يجب أن يتم فيها. نحن، في حالنا الأول، مشحونون بعاطفة تضطرم أو تخبو حد الإحباط، تبعا للظروف المهيأة بيد الغير. وفي الحال الثاني شركاء في تجاوز شروط التخلف إلى ما نحب أن نكون عليه.

الجولان، بصفته كيان إجتماعي مصغر لم يقطعه الإحتلال عن بيئته الحضارية العربية، يمكن أن يوفر معاينة يصح تعميم ما تُنتج. هنا في هذا المكان بذاته تأخر اليقين الجماعي، بطول عمر الإحتلال، إلى موعد لاحق هز الجميع فيه قرار الضم، فتلاحقت ردود الفعل إلي اليوم، وطغى المفهوم السياسي على كل ما أمكنه، كمفهوم شامل يختزل العوامل الإجتماعية والثقافية، ويجردها من مضامينها الأعمق. بكلام آخر لم يكن السياسي جزء لا يتجزأ من ثقافة عامة تشارك في تجلياتها مظاهر متعددة، مثل: الفن، والأدب، والموسيقى، والعلوم، والفكر، إضافة إلى السياسة أيضا، بل على العكس، تسلطت السياسة على هذه التجليات ووظفتها توظيفا قسريا في آنية الأحداث طالبة التمجيد من القصيدة، والمباشرة من الفن، والطقوسية المحدودة من الموسيقى، عازلة الفكر عن كل هذا. وبقدر ما كانت تمعن في ذلك، بقدر ما أفقرت نفسها، وأبعدت الناس الذين ركزت تأثيرها على عواطفهم، وعفويتهم بالتفاعل مع الحدث. لكنها لم تقدم لهم بالمقابل شيئا يذكر في حياتهم اليومية المعاشة.

منذ أربعة عقود لم تتغير في الجولان الجغرافية السياسية والطبيعية، وهي على حالها هذا سوف تهدد الوجود الجماعي بالعزلة، ليكون الإنسان ثالث الثوابت الآنفة الذكر، يظل يستهلك ذاته في تكرار صيغ التعبير نفسها عن رفض واقعه المستلب، إلى أن تحط الأجيال القادمة رحالها، فتكون قد ملت من هذا الإرث، وتبدأ برمي ما لا يعنيها منه، وتقايض الباقي بنتاج العولمة التي تصبغ هذا العصر. إننا إذ نحصر علاقة الحاضر بالحاضر لن نترك إرثا للمستقبل. وإذ نحصر مفهوم التضحية، والعطاء، وحب الوطن، بشعارات، وردود أفعال مكررة على نفس المنوال. لن نكون بأفضل حال من الشعوب العربية التي تقدم التضحيات بالمجان، لأن تطوراتها الاجتماعية، والثقافية، تراوح في مكانها، بينما تردعنا قداسة قضاياها من لوم معظم مناضليها، لنقول لهم ما قاله جبران: "قيمة الإنسان لا تكمن في إنجازاته، بل فيما يتوق إليه". والتوق إلى مجتمع حر لكنه في نفس الوقت جاهل متخلف، سوف يتعود على كرّ الإستعباد الآتي من الخارج، أو المنبثق من داخل هذه المجتمعات. في حالة الجولان كان احتكار السياسة والأيديولوجيا للثقافة يماثل في النتائج ما تفعله الأنظمة المستبدة، حين تضع يدها على كل شيء، لتؤّمن أسباب بقائها. أما من حيث المسار، فالثقافة إن لم تكن موظفة سياسيا الآن بالذات أو في موعد محدد آخر، فهي رفاهية بغير أوانها، ومضيعة لوقتنا الثمين، متجاهلين أنها حاجة ملحة تؤّمن ـ مهما تأخرت نتائجها ـ بصيرة سياسية حادة، وإرث غني متجدد، يوفر الشعور بالأمان على المستقبل.

أما عن علاقة العامل السياسي بالإجتماعي فالأمر محير في أسبقية تراجع من منهما على الآخر. إلى هذا الحد يترابط العاملان حتى يؤثر الواحد بالآخر تأثيرا عضويا، فمركب إجتماعي متخلف لا ينتج ظرفا سياسيا متقدما إلا في حالات إستثنائية أشبه بالطفرة، وإذا عكسنا الأمر أمكن للسياسي المتقدم أن يطور في الأداء الإجتماعي، كلما استطاع تعزيز مفاهيم بعينها أو خلق مفاهيم جديدة. فلنأخذ القاسم الأكثر شراكة بين المهتمين والناشطين محليا في المجال السياسي، سنجد أن مناهضة الإحتلال تأخذ الموقع الأول بين أولويات العمل، وهي تأخذ بالغالب شكلا احتجاجيا تعبويا، بغير برامج أو رؤى، وتعتمد على العلاقة العاطفية بالناس، ثم تعيد تصنيفهم بحسب تفاعلهم العاطفي العام، أو تفاعلهم مع الحدث الذي تعد له هذه الجهة أو تلك. دعونا نستعير من معاجم السياسة كلمة نُخب، ونطلقها على المجموعات الناشطه سياسيا وإجتماعيا، ثم نسأل هذه النخب عن المدى الذي كان فيه صراعهم تحت الاحتلال يأخذ بعدا حضاريا يطلب التأسيس لمفاهيم اجتماعية تخدم الفعل السياسي. خاصة أن الاحتلال كيان إجتماعي سياسي متحضر، تقوم مفردته الأساسية على الإنسان الغربي المتميز بصفات شتى مثل: الصراحة، وعدم المسايرة، النظام، احترام الوقت، النظافة العامة، المبادرة الشخصية، الإلتزام، الاحساس بالمسؤولية، إلى ما هنالك من صفات لم تستطع هذه النخب ملاحظتها حتى عندما كانت تعد لعمل مؤسساتي يمكنه، لو أراد، الالتفات إلى المستوى السلوكي، والفهم أن أعمق الفوارق الحضارية بين الشرقي المتخلف والغربي المتحضر تكمن في سلوكيات نراها من البساطة بحيث نزدريها، ناسين أنها نتيجة لصراع طويل مرير عاشته المجتمعات الغربية، توجت فوزها النهائي فيه بالإنسان الفرد، المتفرد بين الجماعة بقيمته هو بذاته، وبوصفه المثل الأوضح للمسلكية الجماعية.

المؤسف ضمن الكثير مما يؤسف عليه، أن الطموح المؤسساتي كان فقير ضحل، والنخب من خارجها لم تكن بأفضل حال، فقد بدت هي والملتصقين بها تنعم بحصانة إجتماعية تغظ الطرف عن السلوك الفردي. والناشط سياسيا يُحل نفسه من المحاسبة الذاتية أو الاجتماعية، ناسيا أن الأيديولوجيا التي يميز نفسه بها لا ترتكز على أية قاعدة واقعيه على أرض الجولان. فالإيديولوجيا لا تجد لها معتركا حقيقيا هنا، في منطقة صغيرة، لا نظام حكم فيها، أو حكومة، أو برلمان، أو مؤسسات دولة. لذا تتحول في غياب البرامج السياسية إلى مهاترات وخصومات لا نفع منها، جاعلة السياسي مفهوما شاملا يجير إليه كل شئ، كي تبرر خصوماتها وتعممها على المجتمع، وبالتالي تعمم تفسها، أليس من الأجدى، وما دامت البرامج السياسية مفقودة، أن يوفر المتخاصمون الجهد لبرامج إجتماعية يتسابقون عليها، ويتنافسون في رؤاهم لها؟

ألا يقود التطور الاجتماعي بالضرورة إلى تحسين الأداء السياسي للمجتمعات؟ الجواب على هذا السؤال لا يكون تقريريا ولا تلقينيا ولا متسرعا. الجواب هنا يكون في البحث عن الكيفيات المؤثرة في تحريك المجتمع. لقد اقترب احتجاز الجولان تحت الاحتلال على إتمام عقده الرابع. والمشهد المحلي رغم بهوته يظهر نوعان من المحاولات:

... أما الثانية فلا تتحدث في السياسة المباشرة المطروقة، لكنها برغم ذلك تخص نفسها بتفاصيل إجتماعية ثقافية أخرى تنشغل فيها، آملة أن تنجح في مواضع لم يبذل فيها جهد من قبل. ولعل التراكم القادم يبرز جماعات أخرى متمايزة حد التميز، وهي تعبر أيضا عن عشقها للوطن بلغتها الخاصة.
أنا شخصيا أتساءل: كيف يتجلى حب الوطن؟ هل بالعواطف، أم بالسلوك اليومي، أم بالوعي الثقافي العام؟ فإن كان بالثلاثة معا، وجب أن لا يقتصر على انفعال لحظي تستحضره مناسبة أو حدث، بل أن يتحول إلى نمط تفاعل حياتي يشترك فيه الجميع على تنوعهم.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات