بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
يوميات نمّامة
  22/05/2006

يوميات نمّامة

هيفاء أبو صالح

إسمي: نمّامة
مهنتي: الحكي على الناس, أستمتع بالإستغياب كوليمة شهيّة فاخرة من لحوم الناس, لا أعرف الترهل ولا تصيبني البدانة, لأن "طق الحنك" رياضتي المفضلة, أمارسها طوال اليوم, أركض وأهرول بلساني ليل نهار, أنهض منشرحة وأبدأ قهوة الصباح بتذويب الجيران كالسكر قطعة تلو قطعة, ملعقة تلو ملعقة, حتى أتحلى وأتسلى بكل القاطنين جواري, وأنتقل إلى المارة وعابري السبيل, تحت شرفتي, وأصطادهم بلساني كحرباء وأبتلعهم إلى جوفي, ثم أبصقهم واحدا تلو الآخر كفُتات على الرصيف.

هذه النمّامة صادفتها البارحة في مطعم قريب, فاستضافتني الى طاولتها وكانت تلتهم فطورها الصباحي من النميمة على أصدقائي, وراحت تقضم ثلاثة منهم كأنهم "كروسان" على زعتر وعلى جبن, وعلى شوكلاطه, وفتتتهم وقرمشتهم واحدة تلو الأخرى, وبعدها انتقلت إلى الجارات لتأكلهم مثل البيض فقشّرتهم وهرستهم.
ظننت وإن بعد الضن إثم, أنها ستكتفي بهذا القدر من التهام الناس, "على الريق" لكنها لم تشبع, فتحول إفطار الصباح إلى مائدة عامرة, فوضعت في "ميكروويف" فمها مجموعة من الناس كأنهم توست محمص, وصارت تحمصهم وأكلت منهم قدر استطاعتها.

حين انتصف النهار قالت لي: "شو رايك بلحم مشوي من الأدب النسائي؟ حان وقت الغداء". فلم تنتظرني لأجيب, فوضعت ما يشبه الـ "جريل" في فمها, وبدأت تشوي نساء مثقفات شاعرات وباحثات حتى طلعت رائحة الشواء من الكلام, حيث ذبحت بلسانها وفرمت وجرمت وسلخت وحولنا كان عظم وجلد النساء الناجحات يتساقط. وحين هممتُ بأن أزيل الجلود لرائحتها وأغير الحديث رفضت, وقالت لي: "هذه الجلود سنأخذها إلى المدبغة لتتحل إلى جاكيتات جلد في هذا الشتاء القارس من النميمة". صديقتي النمامة لديها جوع مزمن, ولا تتوقف عن سد فمها, بل هو جاهز طوال الوقت كمطحنة للطحن, كسكين للفرم, كمدقة للهرس, كسيف لقطع الرؤوس والأقدام, صاحبتي النمامة هي ناقدة بجميع المجالات, هي حطابة بآلاف المناشير, حصّادة بآلاف المناجل, لا يعجبها العجب, لا تعترف بأحد, لديها عطش تاريخي, لذلك راحت تشرب مياه النيل والفرات واللّيطاني, وامتد لسانها ليشرب ثقافة المحيط والخليج ولم ترتوِ.

حين هبط المساء وأفرغت صاحبتي ما في جعبتها من سهام، ولم يبق أحد من فرائسها أخرجت مفكرة التيلفون وراحت تشتم أصحاب الأرقام حسب التسلسل الأبجدي, وبعدها انتقلت إلى الأموات, ثم نظرت إليّ وراحت تكيل لي الشتائم وتتمسخر على ثيابي وشكلي وتاريخي وعلى الماضي القريب والبعيد من حياتي وأنا أصغي إليها كامرأة منوّمة أحاول الفرار, لكنّها "كمشتني" من قميصي وأجلستني بالقوة, قلت لها: "دعيني أغادر, لم يبقى مني شيء لتأكليه... ها أنا ذا هيكل عظمي". ضحكت صاحبتي النمامة وقالت: "لا تخافي, انظري اليّ الآن, كيف سألتهم نفسي أمامك". وراحت صاحبتي النمامة تأكل جسدها أمامي وتشرب روحها, حتى لم يبقى منها سوى غبار على بلاط المطعم, وجاء النادل يكنس ناقدة نمامة. فقلت لنفسي, صدق من قال:

اصبر على كيد الحسود 
فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل نفسها
إن لم تجد ما تأكله
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات