بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
لماذا سقط العرب... ونهض الغرب؟! (2)
  24/05/2006

لماذا سقط العرب... ونهض الغرب؟!
مُقارنة أُخرى
وهيب أيوب

"الإنسان الذي لا يتغير، يكون قابلاً للاختفاء"

جونسون سبنسر

بعد انتصار المسلمين على الفُرس إثر معركة القادسية عام 636م بقيادة سعد ابن أبي وقّاص، وما تلاها من معارك أُخرى، كالمدائن وجلولاء ونهاوند بحيث لم يأتِ عام 643م، حتى تم القضاء على الإمبراطورية الفارسية الساسنية، وكان سعد ابن أبي وقّاص قد أرسل للخليفة عُمر ابن الخطاب يومها كتاباً يسأله فيه عمّا يفعله بكُتبٍ كثيرة خلّفها أبناء فارس في مكتباتهم؟ فأجابه بأن يلقِها جميعاً بالماء، عملاً بمقولة: "أن كل شيء موجود بالقرآن، فاتلفوا ما عداه". وقد حاول عمرو ابن العاص بعد احتلال مصر أن يقتلع أحجار الأهرامات الفرعونية ففشل، فاكتفى بتجريدها من ألواح الغرانيت.
وهذا ما حصل أيضاً مع المكتبة الفاطمية في مصر إبّان الإطاحة بهم والانقلاب عليهم في القرن الثاني عشر الميلادي، بحيث تم تدمير مكتبة دار الحكمة التي ضمّت مليوني كتاباً ومخطوطة أثناء خلافة الحاكم بأمر الله، تحوي عُصارة ما توصل إليه العرب والمسلمون من علوم وفلسفات وترجمات مُختلفة، ومارسوا ذات الشيء على كل الكتب المخالفة لتعاليم الإسلام حسب اعتقادهم. وما نجا منها فهو خارج إرادتهم.
ولا أدري هنا ما الفرق بين إبادة الكتب وإلقائها في الماء على أيدي الفاتحين المسلمين في القرن السابع، وبين ما قام بفعله هولاكو بإلقاء مكتبة بغداد بنهر دجلة في القرن الثالث عشر الميلادي. وهولاكو، القائد المغولي المشهور، ليس كما يظن الكثيرون أنه مُجرد جاهل وهمجي، فهو كان يمتلك مكتبة تضم 400 ألف كتاب، لكنها في الإيمان والثقافة المعاكسة لإيمان وثقافة المسلمين. إنها باختصار عملية نفي وإقصاء متبادل بين المُنتصر والمهزوم. إنه التعصب الأعمى للفكر المطلق.

ولنتذكر حادثة قريبة العهد، أثناء استيلاء الطالبان على السلطة في أفغانستان، حين قاموا بتفجير تماثيل بوذا الضخمة وقصفها بالصواريخ، رغم مناشدة ورجاء العالم كله لهم بألاّ يفعلوا فلم يستجيبوا، ودمّروها.
وبتقديري أنه من الأسباب الإضافية لسقوط العرب، هو محاولة الأصولية الإسلامية، نفيهم وإقصائهم لكل المراحل التاريخية والحضارية السابقة للإسلام، ولهذا قاموا بتسميتها بـ "الجاهلية" واعتبروا الإسلام البداية ونقطة الصفر التي سوف ينطلقون منها، وسوف لن يُقروّا بما سبقها وما تلاها من محاولات تجديدٍ واجتهاد عدا ما ذكره القرآن والسُنة بالنص والحرف، وهذا مُستمر حتى الآن، ففي بعض محاولات الفكر التنويري العربي في بدايات القرن العشرين، الخروج ولو بشكل اجتهادي على القرآن والسنة، تم إقصاؤه وتصفيته، على يد السلطة الدينية والسياسية المُتحالفين في مُعظم الأحيان للحفاظ على مصالح وسلطة كلٍ منهما، والطلاق فيما بينهما إن تضاربت المصالح. لهذا تمت محاكمة طه حسين على كتابه "في الشعر الجاهلي" عام 1926 لما فيه تعارضات مع القرآن، وعلي عبد الرازق على كتابه "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925، ثم تطليق المفكر نصر حامد أبو زيد من زوجته مؤخراً بحكم أنه كافر على أثر مقالات وكتب كتبها... والقائمة تطول.

هنا أمكن القول أن "الإسلاميين" قاموا بعملية اعتداء صارخ وتعسفي على الترابط والتسلسل التاريخي والحضاري، بحيث قاموا بقطعه كما تُقطع الجبنة بالسكين. وتم التقوقع بين جدران القرآن والسُنّة، وكفى الله المؤمنين شر العلم والاجتهاد والتجديد.
وبهذا تم تجاهل التراث والتاريخ العربي للجزيرة العربية وما جاورها من شعوب سامية، كانت هجراتها الأساسية من الجزيرة ذاتها اتجاه الشمال والشمال الغربي والشرقي لما بين النهرين وبلاد الشام.
والمعروف تاريخياً، أن الجزيرة العربية هي مهد الشعوب السامية، ومنذ ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد، انطلقت هجرات من الجزيرة العربية شمالاً، تشكّل منها عبر العصور البابليون "الأكاديين" وبعدهم الأشوريون والكلدانيون والأموريون والكنعانيون (ومنهم الفينيقيون) والآراميون، وإن بعض هؤلاء الساميين الذين نزلوا بلاد الرافدين شكّلوا مع السومريين حضارة مُشتركة.
ويكفي القول، أن الفينيقيين الذين بنوا قرطاجة وأُطلق اسمهم على البحر المتوسط وأعطوا العالم أجمع أهم اختراع في التاريخ البشري، وهي الحروف الهجائية الاثنان والعشرين التي كانت الأساس لكلٍ من أوروبا وآسيا وأمريكا وإفريقية، بحسب ما جاء في كتاب "تاريخ العرب" لـ فيليب حتّي وآخرين. ولا ننسى الحضارة البابلية وشرائع حمو رابي، فأنا هنا أستشهد بأمثِلة قليلة فقط.
أضف إلى ذلك الممالك والدول التي قامت وازدهرت قبل مجيء الإسلام، منها دولة الأنباط وعاصمتهم البتراء منذ 500 ق.م، والدولة "السبئية" في اليمن عام 750 ق. م و"المَعِينية" و"الحِميرية" ومملكة تدمر ومليكتها الشهيرة زنوبيا، ودولة "لخم" و "كِنْده" ثم دولة الغساسنة التي كان مركزها في الجولان. كل هذا التراث والتاريخ الحضاري قبل الدعوة الإسلامية، تم تجاهله بكل بساطة. إذن، لم يكن العرب قبل الإسلام مجرد قبائل بدوية، تقوم بغزو بعضها بعضاً.

باختصار، إن تاريخ العرب لم يبدأ بالإسلام، وما كان يجب أن ينتهي فيه، وما تسمية العصور القبل إسلامية بالعصور الجاهلية إلاّ جهلاً وتعسفاً على التاريخ.
في الوقت الذي قام فيه الأوروبيون، عبر حركتهم التنويرية المنطلقة منذ نهاية العصور الوسطى، بنبش كل التاريخ الإنساني والحضاري انطلاقاً من اليونانيين والرومان والفرس والعرب وغيرهم، ودراسته دراسة نقدية مُعمّقة والإفادة منه لكل ما يلزم حضارتهم الجديدة. ولو عاد المرء لتلك المنجزات الحضارية القديمة لوجد لكل جديدٍ تقريباً أصلاً قديماً ارتُكز عليه في الحضارة الراهنة.
ثم أفسحوا المجال للتجديد والإبداع الفكري والفلسفي، في الدين والعلم والفن والأدب والفلسفة والموسيقى وشتّى شؤون الحياة الأُخرى. فأخذوا ما يفيدهم من اليونان والرومان والفرس والعرب والهنود فأحيّوها وبنو عليها.
والمسلمون اليوم يستهلكون كل ما هو آتِ من الغرب من "الشماخ" حتى الحذاء، ويتنكّرون لما عداه من فكرٍ وفلسفة ومفاهيم إنسانية واجتماعية جديدة.
والمفارقة العجيبة، أن اليابانيين اليوم يبيعون المسلمين مليون ساعة خلال سنة، ترنُّ خمس مرات في اليوم مع وقت الصلاة؟! في الوقت الذي قام فيه هارون الرشيد عام 807 م بإهداء شارلمان ساعة "مُدارة بالطاقة المائية، تُعيّن الساعة بواسطة عدد من الكرات البرونزية تسقط على ناقوس من البرونز، وعند الظهيرة يخرج اثنا عشر فارساً من اثنتي عشر نافذة تنغلق على نفسها"، وهذه الساعات كانت منتشرة حينها في العالم العربي.

وعلى الرغم من عدم وضع الغرب عامة في سلّة واحدة، ولا نُقِّر بكثير من الأمور التي آلت إليها الحضارة الغربية، وما فعلته وتفعله بالشعوب والأمم الأخرى، من استغلالٍ واستعباد وسلبٍ للموارد واستخدامها لمصلحتهم، إلاّ أن الفرق بيننا وبينهم في مجمل الحالات يميل لصالحهم بفارق عددِ من القرون. لهذا ورغم كل مآخذنا عليهم نسعى مُهاجرين نحو الغرب والشمال، ناهيك عن هجرة آلاف الأدمغة العربية في مختلف الاختصاصات؟!.

وهنا علينا أن نسأل أنفسنا : لماذا السعي للهجرة ومما َنفرّ؟!. وإذا لم نمتلك الجواب على هذا السؤال ومحاولة حلّه، سنبقى أبد الدهر نعاني التناقض والاضطراب والانفصام بالشخصية.

المصادر:
* تاريخ العرب – (فيليب حتي، إدوارد جرجي، جبرائيل جبّور).
* الخوف من الحداثة – (فاطمة المرنيسي)

23-5-2006
 

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات