بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
على أطلال الهزيمة
  05/06/2006

على أطلال الهزيمة

أيمن أبو جبل
نشرت في موقع الجولان بتاريخ 05\06\2004

لم يتوقف التاريخ السياسي العربي المعاصر عند أحداث غيرت مجرى الحياة العربية، بقدر ما توقف عند حرب حزيران عام 1967، رغم أنه قد شهد نكبات عدة وهزائم متتالية، غطت بظلالها على الحياة العربية بمجملها، بدءاً من تشريد شعب فلسطين واغتصاب أرضها، مرورا باحتلال ما تبقى من أرضها، وأراض عربية أخرى.

إن حرب عام 1967، هي أكثر الحروب المعاصرة في التاريخ الحديث غرابة ودهشة، وأشدها إثارة للسخرية والتساؤل، لأن أحداً لم يجب بطريقة رسمية وموضوعية كيف حدث هذا؟ ومن المسؤول عنه؟ كيف انهارت منظومة كاملة من الدفاعات والمعاهدات العسكرية المشتركة، أمام دولة صغيرة الحجم، عدوانية الوجود منذ نشأتها؟ كيف لم تستعد دول المواجهة للدفاع عن أرض وطنها وكرامة شعبها، كما كانت مستعدة، بزمجرة وعيدها وتهديدها وشعاراتها وخطبها، التي ملأت أذان العرب من المحيط إلى الخليج؟ وكيف يفر قادة الألوية والكتائب والفرق العسكرية والضباط من الميدان قبل وصول القوات الغازية إلى ساحة المواجهة؟ فمنهم من ركب حماراً سلبه لأحد المدنيين، ومنهم من أطلق العنان لسيارته العسكرية في هروب جنوني، ومنهم من فر راكضاً نحو الأمان، ومنهم من بحث عن رداء امرأة يستر به نفسه من أعين الأعداء.

لقد كانت حرباً مخزية بكل معنى الكلمة، حطّت من كرامة العرب على مدار أجيال وأجيال، يصعب محوها من صفحات التاريخ العربي.

وإن حصل قتال في أرض المعركة عام1967، فإنه قتال استبسل فيه أفراد، قادة وجنود أبطال، من منطلق مسؤوليتهم الشخصية، فكانوا أمناء للأمة، أما الجيوش الرسمية، كقرار سياسي ومؤسسة عسكرية، فإنها لم تقاتل، وإنما أدارت ظهرها لتسجل عار الهزيمة النكراء للأجيال العربية. وأما ما هو أشد ألماً من وقع الهزيمة، فهو استمرار قادتها في التسلط على رقاب الشعوب، رغم قبح ما أفرزته سنوات حكمهم من هزائم.

حرب حزيران، هي ذكريات مليئة بالجراح والدموع، أيام ستة مضت وكأن العالم قد اختفى فجأة، أيام ستة من الدمار والقتل والتهجير، تلتها سنوات من الخوف والضياع وانتظار المجهول.

إن الحديث عن عدوان أو حرب حزيران عام 1967، لا يمكن أن يكون دون أن تتصفح كتب التاريخ، وتلامس ذاكرة الناس الأحياء منهم، الذين عايشوا تلك التجربة- إنها لم تكن حرباً عادية، كالتي نقرأها في كتب التاريخ، لم تحتكم إلى المنطق أو العدل. فالحروب عادة إما عادلة أو غير عادلة، رغم تنافيها وتناقضها مع فهمنا الإنساني للحياة، ورغم أنها في الواقع تعتبر حرباً غير عادلة، وغير منطقية في المفهوم العسكري والسياسي الإعلامي، وتشكل، رغم مرور أكثر من 37 عاماً على حدوثها، أحد أهم مفاصل الغموض والتراجع العربي؛ فهي ما زالت حدثاً يشوبه الشك في صحة المعلومات التفصيلية، وسلامة الروايات الحقيقية، لأن الذين شاركوا فيها، شهودا أو جنودا، أعطوا روايات متباينة، والمفسرين الذين تناولوها أعطوا تحليلات اعتمدت على الاستقراء والقياس المنطقي للأحداث والتطورات، التي عصفت في هذا التاريخ العربي الأسود، بدءاً من الخامس وحتى العاشر من شهر حزيران عام 1967.

لقد دخل الوطن العربي مرحلة جديدة، بعد العدوان الذي كشف حجم الاستهتار الرسمي العربي بقضية الشعب وهمومه وأوجاعه، وأماط اللثام عن زيف المواقف الرسمية الجوفاء، التي إن عبرت عن شيء، فإنها تعبر عن أن هزيمة حزيران هي هزيمة للنظام العربي ذاته، وهزيمة للأقنعة التي اختبأت وراء الشعارات الرنانة، تجرجر أذيال هزيمتها، وتحمل جريمة جر الشعب العربي وجماهيره الصادقة إلى متاهات زمن غامض، يميّزه واقع قمعي، وقوانين عرفية، ومصادرة حريات أساسية، تحت حجة هذا الصراع العربي الإسرائيلي، الذي بدأ منذ بدايات القرن الماضي وحتى اغتصاب فلسطين.

إن استحضاراً سريعاً للأحداث التي شهدتها الأيام الستة، على ارض الجولان السورية، في مساحة تبلغ 1150 كيلومتراً مربعاً، وبتعداد سكاني بلغ حوالي 138 ألف نسمة، موزعين على 251 قرية ومزرعة وناحية ومدينة، يلقي بظلاله هموماً وأحزاناً وسكوناً، مشوباً بالرعب والخوف والتساؤلات العديدة.

كان الجولان كخلية نحل بتعداد سكانه، وانتشارهم على طول الأرض وعرضها، إضافة إلى الآلاف الجنود، والمعسكرات والمواقع والتحصينات العسكرية، التي كانت كخط أمان للمواطنين العزل، من أي تهديد إسرائيلي قادم- هذا على الأقل ما شعره الأحياء ممن شاهد وعايش تلك المرحلة السوداء، كما سماها بعضهم.

ففي اقل من 31 ساعة انتهى كل شيء! ودخل الإسرائيليون مدينة القنيطرة، واجتاحوا كل مناطق الجولان، في القطاع الشمالي والأوسط والجنوبي. 31 ساعة من القتال على الجبهة، حتى صدر قرار الانسحاب، احتضنت الأرض السورية خلالها أجساد أكثر من 1000 شهيد- استبسلوا في قتال الغزاة في تل العزيزات، وتل الفخار، وبرج بابل، والقلع، والمنصورة، وتل شيبان- أولئك الذين امتشقوا أسلحتهم في الدفاع عن ارض الجولان- وبقيت أكثر من 70 دبابة تشتعل، و40 أخرى هجرها حُماتها فاستولت عليها القوات الإسرائيلية. 31 ساعة بدأت في الساعة الحادية عشرة صباحاً من يوم التاسع من حزيران، وفي الساعة التاسعة صباحاً من يوم 10 حزيران صدر البلاغ العسكري رقم 66 الذي يعلن سقوط مدينة القنيطرة، التي لم تصلها القوات الغازية بعد. سقطت عاصمة الجولان صباحاً، وانتهت الحرب في تمام الساعة السادسة والنصف مساءً من اليوم ذاته!

لقد اخترق الخامس من حزيران الوجدان العربي في الصميم، وأفرز هذا الواقع الذي تعيشه الأمة، من بؤس متواصل وضياع الهيبة والكبرياء، جعلنا نشهد على واقع اختزال الأوطان والأهداف والآمال. فبعد أن كنا نحلم بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، أصبحنا نطالب باسترجاع الأراضي التي سقطت في حرب حزيران، ومن الحق الكامل بعودة اللاجئين والمشردين إلى أوطانهم، أصبحنا نطالب بالقليل من التعويض عن جريمة طردهم من وطنهم، ومن حدود 1967، أصبحنا نتطلع إلى مساحات من الأرض لإقامة كانتونات نمارس عليها السيادة المنقوصة. اختزلت قضية أوطاننا كما اختزل هذا الصراع التاريخي والحضاري، بيننا وبين أعدائنا، إلى نزاع إسرائيلي فلسطيني، وإسرائيلي لبناني وإسرائيليي سوري.

لست من جيل الهزيمة، ولم أعايش أيامها العصيبة، ولم أشهد مجرياتها، وإنما أتذوق مرارتها، كما تذوقت سياطها داخل المعتقلات الإسرائيلية.

حين قصدت بعض الجنود الذين شاركوا في حرب حزيران، وسمعت شهادتهم على تلك الحرب، لم أستطع احتمال أن أوطاننا اليوم أصبحت إقطاعيات خاصة استفرد بها البعض، وكأننا نحن رعاياه لا حول ولا قوة لنا إلا التسبيح والتهليل والتصفيق. نفرح لأفراحهم ونحزن لأحزانهم، ونهلل لهزائمهم التي حولوها إلى نصر قبيح، وكأن حرب حزيران بالفعل كانت لإسقاط هذا النظام التقدمي أو ذاك...
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات